هموم ثقافية

الحريق

قبل عشرة أعوام (أي سنة 2009) كانت “وردة مسار” لا تزال مجرد مجموعة من التشوهات على أرض معرض دمشق: حفر هنا وهناك، أكوام حديد، معدات بناء، وغير ذلك. لكننا -جميعًا- كنا نرى بناء “الوردة” وقد تحول إلى تشوّهٍ مكتمل في جسد المدينة، لأن صورته كانت تملأ لوحات ضخمة تنتصب كعناصر الحرس الجمهوري، حول موقع البناء الذي كان مرة موقع معرضٍ دولي تفتخر به دمشق، كما تفتخر بنهرها! معرض، ربما هو الحدث الاجتماعي الاقتصادي الفني الوحيد، من بين الأحداث التي تنظمها الدولة، والذي سكن في ذاكرة وقلوب ملايين السوريين منذ الخمسينيات حتى التسعينيات، سواء بزيارته أو بمتابعة فعالياته على شاشة التلفاز، أو بالنقمة عليه، لما يسببه من ازدحام وكسر لروتين دمشق اليومي. المعرض بكل الأحوال بات جزءًا من روح المدينة. أو هذا ما أظنه على الأقل.

قبل عشرة أعوام، كنت أسير مع الصديق “عمر ملص” على الرصيف المحاذي لبردى والنهر الإسمنتي، يفصلنا عن حفر الوردة تلك، وأكوام حديدها وصورها الفارهة في أرض المعرض القديم، قلت لعمر مشيرًا إلى الصور:

  • “قال رح يكون فيه نشاطات للأطفال، علوم وكذا، ظريفة الفكرة، بس إنو ما لاقوا يعمروها غير هون؟!

ابتسم عمر بسمته الساخرة التي يعرفها كل من يعرفه، فاستغربت.

  • “شو؟!”
  • “يعني هون ولّا بـ (شتيمة) نفس الشي، ليك شو بيضا يا زلمة، مين هالطفل اللي بدو يسترجي يفوت على شغلة فخمة متل هي؟ إذا كتير قلبهن عالطفولة، فلازم يعملوها من خشب وكرتون، مو رخام ومرمر… قال وردة قال.”

كان جوابًا موجزًا لحالنا، نحن الناس العاديين الذين لا نجرؤ على تسمية/هم “يلي ما لاقوا يعمروها غير هون، و”هم” يلي لازم يعملوها من خشب وكرتون.

نحن الناس العاديين نعبر قرب كتلة فندق “فور سيزنس” دون النظر إليها (وهي التي اعتبرها الكثيرون اعتداء على المدينة، أو -أقله- أنها مقحمة على عمارتها)، نحن الناس العاديين الذين نعبر قرب جدار دار الأوبرا (المارد) فنشعر بغربة أكثر عن الأوبرا وبنائها، نحن المواطنات والمواطنين العبء على قيادتنا التي بنت لنا مكتبة وطنية (مفيّمة) ومصمتة، حتى ليختلط علينا الأمر -أحيانًا- بينها وقيادة الأركان التي تنتصب على الجانب الآخر من الشارع!

نحن الناس العاديين الذين لم تتم استشارتنا، حين سُلبت منا ذاكرة المعرض، أو حين رُسمت لنا علاقتنا مع الأوبرا، كما لم تتم استشارتنا في أن يكون خيارنا مع العدو الإسرائيلي، هو السلام الاستراتيجي أو الحرب الاستراتيجية أو أي خيار استراتيجي آخر.

قبل أكثر من ألف وأربعمئة سنة، بنى الرسول محمد وصحابته مسجد قباء، قباء كان (كما وصلنا) جدرانه من طين وأرضه من تراب فرشت بحصر من القش، وسقفه من سعف النخيل.. لا مآذن شاهقة، ولا رخام إيطالي، ولا سجاد عجمي.! إنه مسجد، مكان للسجود، مكان لله، ولكن الإمبراطورية الأموية حولت أماكن العبادة البسيطة تلك إلى رموز للسلطة أيضًا، رموز لتعظيم السلطة الجديدة التي حلت بديلة عن سطلة بيزنطة في بلاد الشام، فظهرت أول مئذنة. وصرت ترى جوامعنا قصورًا، ومشايخنا ملوكًا، أما نحن -الناس العاديين- فنخلع شحاطاتنا البلاستيكية على أبواب تلك القصور، لنقف في حضرة أولئك الملوك، نقبّل خواتمهم المرصعة بالعقيق والياقوت، ونشتهي مسابحهم المصنوعة من العاج والزبرجد.

قبل ألفي عام -تقريبًا- صُلب يسوع الناصري، في ذلك اليوم عُلِّق بمسامير من حديد على خشبة، لم يبنِ المسيح كنيسة، وأدى تابعوه الأوائل صلواتهم في الأماكن المهجورة والكهوف وبطون الأودية، خوفًا من السلطات الرومانية، لكن فجأة حين اعتنق الأمبراطور المسيحية، باتت أماكن الصلاة كنائس فارهة بقباب عالية، صارت الكنائس تحفًا فنية عملاقة، صارت الكنائس رموزًا لعظمة الإمبراطورية. وصار البطاركة والأساقفة والمطارنة يعلّقون في رقابهم صلبانًا من ذهب، مع أن صليب يسوع كان من خشب. لقد كان يسوع أقرب إلينا نحن الناس العاديين، كان من أجلنا، نحن الذين نُعلَّق على صلبان الحياة كل يوم.

كم مات منا، نحن الناس العاديين الذين استُعبِدنا لبناء الأهرامات؟ لبناء سور الصين العظيم، تاج محل، الكوليسيوم…؟ كم قُتل منا نحن -الناس العاديين الأبرياء- في سجون القلاع والقصور البديعة وفي ممراتها وغرفها الكثيرة؟ لا نعرف بالضبط، ولكنه رقم مهول فيما أعتقد.

وهل هناك صرح ما يتحدث عنا نحن الناس العاديين؟ الجندي المجهول، ومقابر الشهداء، وبقايا عظامنا في المقابر الجماعية، هذه هي صروحنا، أليس كذلك!؟

هل يعني ذلك أن تصبح عمارتنا مبنية من التنك والكرتون، أو من بقايا عظامنا؟ هل يجب أن تكون العمارة “شعبية” وعادية، كي نرضى نحن الناس العاديين؟ ألا تُجمِّل عمارة السلطة حياتنا التي فيها ما يكفي من القبح؟

ربما يجب أن ألا يموت الراعي ولا يفنى الغنم، ثمة حل وسط، لا بد سيظهر يومًا ما، وربما هذا مجرد طرح مثالي، لأن السلطة في النهاية هي من ترسم حياتنا وخياراتنا الاستراتيجية، أما نحن فأناس عاديون، عبء على السلطات، مهمتنا أن نبني ونستشهد ونموت في مقابر جماعية.

هذا ما كنت أفكر فيه قبل أيام؛ وأنا أشاهد على شاشة اليوتيوب كنيسة نوتردام تحترق في باريس..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق