تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

صخرة إدلب التي تفتتت عليها دبلوماسيات روسيا الثلاث

مع نهاية نيسان/ أبريل، وبدء العدوان الروسي الواسع على إدلب (المحافظة المحررة من النظام بالكامل منذ عام 2014) وعلى ريف حماة الشمالي والغربي، وريف حلب الغربي والشمالي، وشمال اللاذقية، وقد زج النظام السوري بكامل قواته تحت الإمرة الروسية، وميليشيات المرتزقة المدعومين من قبل نظام الملالي في طهران، ما زالت أوراق التوت الروسية تتساقط، فقد أفشلت إدلب وأسقطت بل كشفت حقيقة الدبلوماسية الروسية الهشة، بمستوياتها الثلاثة: الدبلوماسية الناعمة التي مارستها، والدبلوماسية العامة، ودبلوماسية النفوذ الروسي.

كيف سقطت الدبلوماسية الروسية الناعمة عند الصخرة الإدلبية؟

تقوم الدبلوماسية الناعمة، أو كما تسمى “القوة الناعمة” على الخطاب الإعلامي، وكسب جمهور من الطرف الآخر المعادي، عبر الدعاية وإنجاح الاتفاقات، والشائعات التي تنشر عن الاحتلال في أرض ما، أو تروج لبروباغندا معينة، وعلى الرغم من امتلاك الروس محطة (آر،تي) الروسية ووكالة (سبوتنيك)، فإنها كانت فاشلة في مخاطبة الشعب السوري.

حاولت روسيا، عبر العراب التركي، كسب الوقت لتحقيق انتصارات عسكرية للنظام السوري، منذ تدخلها العسكري المباشر في خريف 2015، وزعمت وقتذاك أنها ستنهي الحرب السورية في غضون شهرين، ويقترب اليوم من خمس سنوات، وقد فشلت مساعيها الدبلوماسية في تحقيق أي نصر سياسي لمصلحة النظام السوري التابع لها، وهُزمت في كافة المسارات السياسية، من أستانا التي أسقطتها إدلب مؤخرًا، إلى سوتشي، فلم تنجح في تحقيق أي اختراق في أي حوار سوري-سوري، مع وجود نظام ضعيف، تارةً يتبع لإيران، وتارة يلعب على الحبل الروسي، ومعارضة سياسية لا وزن فعليًا لها على الأرض السورية، ولم تفدها أماكن خفض التصعيد إلا بإنقاذ النظام الذي كان يفقد السيطرة على أكثر من ثمانين بالمئة من الأراضي السورية حتى نهاية 2015 وبداية 2017.

كما فشل الروس في مخاطبة الداخل السوري، بعد عدوانهم الهمجي في حلب عام 2016، وفي الغوطة الشرقية عام 2018، وخسرت ثقة الجنوب السوري، بعد أن تسلمته شرطتها العسكرية بالتعاون مع القادة الضفادع في الجيش الحر، مع زج المزيد من شباب القنيطرة ودرعا في جيش النظام، وفقدت ثقتها بعد إشرافها على الترحيل القسري كضامن لشباب داريا وحلب وحمص وريفها والغوطتين والجنوب، الذين رفضوا التسوية مع النظام، وتوجهوا إلى المنفى الإدلبي، أقصى الشمال الغربي في سورية.

وعلى الرغم من تمثيلية إيقاف معفشين من جنود النظام في يلدا جنوب دمشق، فإن أحد ضباطها ظهر بكفر نبودة شمالي حماة، وخلفه سيارات التعفيش التابعة للنظام. هذا القناع الروسي المكشوف للثورة السورية، والشعب السوري، لم يؤدِّ إلى نتائج مرجوةٍ في السياسة الروسية.

كيف سقطت الدبلوماسية العامة للروس؟

لم تنجح روسيا في مخاطبة الرأي العام العالمي، على الرغم من تبادلها الأدوار مع الولايات المتحدة التي حاربت (داعش) حتى نهايتها بالباغوز ربيع 2019، وزعم الروس أنهم يحاربون الإرهابيين، وصنفوا الفصائل السورية كافة، حتى الجيش الحر، ضمن قوائم الإرهاب لديها، إلا أن جرائمها في استهداف المشافي وتدمير المناطق السكنية على رؤوس المدنيين، واستهداف (الخوذ البيضاء)، وملء سجل حافل ووحشي بارتكابها جرائم ضد الإنسانية، أسقطت دبلوماسيتها العامة، وسقطت نهائيًا، بسقوط اتفاق سوتشي بعد شن عدوانها الواسع على إدلب.

قد تكون دبلوماسيتها العامة ناجحة في إنقاذ النظام بعد اتفاقها مع أوباما، حول نزع السلاح الكيمياوي للنظام السوري بعد مجزرة الغوطتين عام 2013، إلا أنها سقطت بعد مجزرة خان شيخون الكيمياوية عام 2017، ودوما عام 2018.

وعلى الرغم من تنسيقها مع الكيان الصهيوني في قصف الميليشيات الشيعية بالأراضي السورية، وإبعاد تلك الميليشيات عن خط وقف إطلاق النار بالقنيطرة، وتسليم رفاة جندي إسرائيلي، وقبله دبابة اغتنمها الجيش السوري في ثمانينيات القرن الماضي. فإن الدبلوماسية الروسية العامة تبدو أقرب إلى دور ثانوي مؤقت على الأراضي السورية.

أيضًا، على الرغم من استخدامها الفيتو 12 مرة في مجلس الأمن، منعت خلاله أي تدخل دولي لإسقاط النظام السوري، فإن القوات الدولية تعمل في سورية خارج مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وقد دانت الأمم المتحدة التصعيد الأخير على إدلب في بيان لها، وأشارت إلى استهداف المدنيين ونزوح أكثر من 150 ألف مدني من ريف حماة نحو الحدود التركية.

كيف سقطت وفشلت دبلوماسية النفوذ الروسية في إدلب؟

تتمتع الولايات المتحدة الأميركية، بقوة نفوذ هائلة في العالم عكس روسيا، فهي إمبراطورية ذات جاذبية، وراءها أكبر وأضخم جيوش العالم، فضلًا عن نفوذ الدولار، وسطوتها الاقتصادية البالغة التأثير على كافة اقتصادات العالم. حاول الروس عبر قاعدتهم البحرية في حميميم وتمددهم في سورية، إيجاد قَدمٍ لهم بالمياه الدافئة، ووجود عسكري بالبحر المتوسط، بعد خسارة حليفها القذافي في ليبيا، ومعظم الأنظمة العربية ذات التاريخ اليساري، وتحاول روسيا عبر التعاون مع تركيا وإيران من جهة، و”إسرائيل” من جهة ثانية، وعبر دعم الخطاب الشعبوي العنصري في أوروبا، أن تجد لها نفوذًا، ولو اضطرت إلى التلاعب بالانتخابات الأوروبية، وقد حذر الاتحاد الأوروبي من تلاعب سيبراني روسي بالانتخابات الأوروبية المقبلة، واستعدّ لمواجهة مثل تلك الهجمات الإلكترونية الروسية، الرامية إلى التأثير على نتائج الانتخابات المقبلة نهاية أيار/ مايو 2019، ولكن تبقى سورية، بالنسبة إلى النفوذ الروسي (بيضة القبان)، فهي من جهة جسر لعمق العالم العربي، ومن جهة أخرى للضغط على تركيا وأوروبا، في محاولة بائسة منها لإيجاد قَدمٍ لها بوجه الولايات المتحدة.

أسقطت إدلب مجددًا السياسة الروسية على مستوياتها الثلاثة، وبالأحرى أساليبها الثلاثة، وصمود إدلب سيؤدي إلى أفول الطموحات البوتينية على الأراضي السورية، على الرغم من بيع النظام السوري ميناء طرطوس تحت مسمى التأجير، ومطار دمشق الدولي أيضا.

هذا التخبط الدبلوماسي الروسي لن يجعلها تحكم الشرق بالمطلق، فهي لم تتخلص من حليفها الأسد، كما لم تكسب إلا عداء الشعب السوري المطالب بإنهاء احتلالها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق