تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

عشرون عاملًا لشن حرب أميركية على إيران

كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تغريدته التي نشرها يوم 9 أيار/ مايو 2019، ثلاث مرات، أنه يتمنى على إيران أن تتصل به، بعد ساعات من إعلانه فرض عقوبات على صناعة الصلب والنحاس والألمنيوم الإيراني، وكان قد فرض عقوبات على صناعاتها البتروكيماوية، المصدر الثاني للدخل في البلاد بعد النفط، وأيضًا حظر التعامل بالمعادن الثمينة والعملات الصعبة؛ وهو ما حدّ من قدرتها على الحصول على الدولار من الأسواق الآسيوية، وقال إنه يريد “عقد صفقة عادلة”، بينما تستمر العملة الإيرانية في الانهيار، فقد نقل ترامب الصراع الأميركي الإيراني بالمنطقة إلى مستوى متقدم، وآن أوان الانتقال من التغييرات الكمية، إلى التغييرات النوعية، بعد أربعين عامًا من الحروب السياسية والاقتصادية والنفسية والسيبرانية، التي تشنها الولايات المتحدة ضد إيران، لمرحلة الصدام والحرب المباشرة.

تدابير وعوامل توائم حصول حرب:

الأولى: اعتبار الولايات المتحدة (الحرس الثوري الإيراني) منظمة إرهابية، لتبرير مهاجمتهم في سورية والعراق ولبنان ومضيق هرمز، وقد عارض البنتاغون هذه الخطوة وكذلك وزارة الخارجية الأميركية، لخطورتها القصوى. وقد اعترف بنيامين نتنياهو بأن ترامب استوفى مطلب “إسرائيل” الأول.

وستفرض واشنطن عقوبات على الشركات الأجنبية، إضافة إلى التهديد باستخدام القوة ضد (الحرس الثوري)، فالمؤسسة العسكرية الإيرانية تسيطر على قطاعات النفط، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والإسمنت وغيرها من القطاعات الحيوية. وتمنح فرصة للرئيس الإصلاحي حسن روحاني لإنقاذ النظام الإسلامي، للتخلص من السلطة السياسية والنفوذ الذي يمارسه (الحرس الثوري)، على الرغم من وضوح ضعفه ودوره. وقد استخف المبعوث الخاص لترامب حول الملف الإيراني براين هوك، بوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف قائلًا: “وزير الخارجية الإيراني الحقيقي هو قاسم سليماني”، القائد الفعلي لدولة إيران العميقة وذراعها العسكري الخارجي.

العامل الثاني: بعد فضيحة (روسيا غيت)، والتحقيقات حول الفضائح الجنسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفشل خططه في فنزويلا، ونزع السلاح الكوري الشمالي، فإن حرب ترامب على إيران ستنقله إلى الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020، وهو بحاجة إلى انتصار ما على هذا الكوكب.

العامل الثالث: أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أن أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها الإقليميين، سيلقى ردّ الولايات المتحدة التي لن تستغني حينها عن استخدام القوة، وبعد استهداف أربع سفن تجارية بالفجيرة الإماراتية، واستهداف مينائي نفط سعوديين، يومي 13 و14 أيار/ مايو 2019، أرسلت الولايات المتحدة الحاملة النووية (إس إس لينكولن) للشرق الأوسط وأربع قاذفات بي 52 حاملة لصواريخ نووية، وأكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن أي عمل يقوم به “حزب الله” الشيعي اللبناني أو الميليشيات الشيعية العراقية أو الحوثيون، يعني أن إيران هي من قامت به، وأنها “هجمات إيرانية”، مما يعطي “إسرائيل” الضوء الأخضر لمهاجمة “حزب الله”. وآخر هجماتها كانت في حماة بسورية، حيث مطار تستخدمه الميليشيات الشيعية.

العامل الرابع: فرض حظر شامل على كامل صادرات النفط الإيرانية، منذ 22 نيسان/أبريل الماضي.

العامل الخامس: ينكر محور بولتون- بومبيو-ترامب أن الولايات المتحدة ترغب في صفقة جديدة مع إيران، مؤكدين أنهم يسعون لتغيير النظام الإيراني، وسحب قواتها بالكامل من سورية، ووقف تدخلها في الدول العربية، وهم في الواقع يسعون لتدميرها وتفكيكها. ويعملون على تنفيذ تهديدها “بإغلاق مضيق هرمز”، كجرس إنذار عالمي لبدء الحرب، وفي حال لم يحصل ذلك، فمن الممكن شن هجوم زائف.

المعروف أن إيران تمتلك أول احتياطي غاز بالعالم ورابع احتياطي نفط، وبلغت ميزانيتها الدفاعية عام 2018 “6.3” مليار دولار، وهو ما لا يمثل تهديدًا عسكريًا لـ “إسرائيل” التي يبلغ إنفاقها العسكري 20 مليار دولار، ولديها 80 رأسًا نوويًا على الأقل، والسعودية التي يبلغ إنفاقها العسكري 76.7 مليار دولار والبنتاغون 716 مليار دولار، ويمكن جمع هذه القوة العسكرية لأعداء إيران الثلاثة.

العامل السادس: التزم المرشحون الديمقراطيون للرئاسة الأميركية 2020: بيرني ساندرز، جو بايدن، أو اليزابيث وارين، بإعادة الاتفاق النووي مع إيران، في خطة أطلق عليها خطة العمل الشامل التي دمّرها ترامب، الأمر الذي يدفع “إسرائيل” المحرض الرئيس للحرب على إيران، إلى زيادة الضغط على رئيس البيت الأبيض، ليسرع تنفيذ الخطط ضد إيران. وكان قد نفذ لها نقل السفارة الأميركية للقدس، والاعتراف بضم الجولان السوري إلى “إسرائيل”، و”صفقة القرن” التي يعدها كوشنير صهر ترامب. وتخشى “إسرائيل” خسارة ترامب للانتخابات، وبالتالي ستكون مصلحتها بتسريع تدمير إيران، والكل يعلم مدى تدخلها بالانتخابات الأميركية، وقد دعمت سابقًا ميت رومني، ضد باراك أوباما، فضلًا عن اللوبي الصهيوني الإيباك، وجماعة الضغط المالي اليهودي والمسيحيين الإنجيليين الداعمين “إسرائيل”.

العامل السابع: أنذرت واشنطن أوروبا، وهو الإنذار الأخير مدته 60 يومًا بعد عام من التأخير، بتفعيل العقوبات وإجبارها النهائي على الخروج من الاتفاق النووي، والاختيار بين واشنطن وطهران، وقامت إيران بعد اتفاق 2015 بتفكيك جزء كبير من قدرة منشآتها النووية، ولن تكون قادرة على استئناف برنامجها النووي. والولايات المتحدة بخطوتها تلك ستدفع أوروبا والصين وروسيا إلى اتخاذ مواقف بسيطة لا تؤثر في قرارها بالحرب.

العامل الثامن : يحاول محور ترامب-بولتون، تدمير رجل الدين خامنئي (المرشد الإيراني الأعلى) وحرسه الثوري، وهناك من يعتقد في البيت الأبيض أن المواجهة بين الولايات المتحدة والسعودية و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، ستكون ذات أهمية عالية، ومنع محاولة خامنئي لتمويه الحرب وإلهاء المنطقة، وبالتالي للوصول إلى تكلفة منخفضة تتجنب المواجهة، عبر تنفيذ أحد مخططين: الاستحواذ على السلطة السياسية عبر انقلاب ضد روحاني، وزيادة القمع السياسي والديني ضد الشعب الإيراني، وبالتالي سحق الاستياء الواسع والعميق لدى الطبقة العاملة، المبشرة بجولة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية ضد الفساد، ومحاولتهم الحؤول دون إفقار حوالي نصف السكان، لصالح عدد قليل من “جنود الله”.

استخدم نظام الملالي ذات التكتيك خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ففي عام 1982 رفض الخميني مبادرة السلام التي قدّمها الرئيس العراقي صدام حسين، قائلًا: “إن الحرب على بركة العظماء”. ليكرس نفسه خلال السنوات الست التالية من الحرب مع العراق، لفرض حكمه الديكتاتوري الشمولي، كنوع من القومية الإسلامية، واعتقل عشرات آلاف السجناء السياسيين من شيوعيين وإسلاميين معتدلين، وغطى أفعاله بفضيحة الفتوى ضد سلمان رشدي، فقط عندما وجد نفسه بلا أسلحة، ولم يعد الشباب الإيراني يرغب في أن يرسل للتضحية بنفسه، قال إنه “سيتجرع السم” ويستسلم للعراق، عندما وقع اتفاقية نهاية الحرب. وكان قد قتل في حربه نصف مليون إيراني، وترك الملايين مشوهين.

كانت تلك الحرب جزءًا من رؤية هنري كيسنجر، ومن مبدئه الشهير “الاحتواء المزدوج”، الذي باعت فيه الولايات المتحدة الأسلحة للعراق، وباعت فيه “إسرائيل” الأسلحة لإيران، كما كشفت ذلك فضيحة “إيران كونترا”. فقد عرقلوا التنمية الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية لكلا البلدين. مع تشجيعهم على التدمير المتبادل لمصلحة “إسرائيل”، الفائز الوحيد من جميع حروب المنطقة. بعد تحويل العراق إلى مستعمرة إيرانية متخلفة، وسينطبق الأمر ذاته على إيران اليوم.

ولن تنسى الولايات المتحدة كلًا من تركيا والسعودية، عبر دعمها الانقلاب ضد أردوغان عام 2016، وإعلان ترامب نفسه أن حُكم الملك سلمان لن يدوم أسبوعين، إن لم يطعه.

العامل التاسع: اعتماد إيران الخطير على العائدات النفطية منذ أربعين عام، فيما يمثل رجال الدين والعسكريون البرجوازية التجارية التقليدية حيث البازار، مقر المعاملات التجارية الذي يسيطرون عليه، وقد كرسوا أنفسهم لتجميع ثرواتهم عبر المضاربة، واحتكار المنتجات الأساسية، وتجميع العملات الأجنبية، بفضل “اقتصاد إسلامي نيوليبرالي”، ليصبحوا أصحاب المليارات، فخصخصوا الشركات الرئيسية في البلاد، ودمروا ملايين الوظائف.

العامل العاشر: خطأ إيران أنها تعتقد بأن بإمكانها تطبيق مبدأ “العين بالعين” على الولايات المتحدة، وهي الدولة التي تتمتع باستثناء خاص ومنفردة بقوتها العالمية، وإمكانات ذاتية يعترف بها العالم. وإذا فشلت إيران في الامتثال للمطالب الأميركية؛ فسيتم إرسال ملفها إلى مجلس الأمن، وستتلقى المزيد من العقوبات.

العامل الحادي عشر: الزيادة غير المسبوقة منذ 2001 في الوجود العسكري على جانبي الخليج العربي، حتى من دون وجود نية للحرب، فيمكن لحادث بسيط أن يشعل النيران بالمنطقة، التي بدأت تسخن بعد حادثي الفجيرة واستهداف الموانئ السعودية.

أسباب عدم سحب الزناد

العامل الثاني عشر : تعد إيران بالفعل قضية أساسية، ومادة دسمة لانتخابات 2020 الأميركية، وترامب من حيث المبدأ، مهتم بتأجيل “قراره النهائي” بشأن إيران، لأنه يعتبرها اليوم وسيلة مضمونة للفوز بانتخابات 2020، لأن الناخبين الأميركيين بالعادة يعيدون انتخاب رئيسهم، لذلك فستستمر إدارته في ممارسة سياسة “أقصى الضغوط” على طهران.

العامل الثالث عشر: ستؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، وهو أمرٌ لا يحبذه الناخبون والمستهلكون للوقود الأحفوري.

العامل الرابع عشر: تشهد أرشيفات الصحف الأميركية، على انتقادات ترامب لأسلافه بتعريض الأمن القومي للبلاد للخطر، بسبب حروبهم في الشرق الأوسط، إضافة إلى خساراتهم مبالغ هائلة من الأموال.

العامل الخامس عشر: الخلافات العميقة في “العالم الإسلامي”، ستمنع ترامب من الحصول على الدعم اللازم لمغامراته العسكرية، خاصة بما يتعلق بعُمان والكويت وقطر والعراق، ولا يناسبهم كسر التوازن الحالي في المنطقة، لمصلحة إطلاق السعودية العنان للحرب، رغم شكاواهم من تدخلات نظام الملالي في شؤونهم الداخلية. كما لا يمكن للولايات المتحدة الاعتماد على الجزائر أو السودان أو ليبيا، الغارقين في مشاكلهم الخاصة، كما نأى المغرب بنفسه عن الرياض بعد أزمة بينهما، أو تركيا التي دخلت بخلاف مع السعودية على إثر اغتيال خاشقجي، وسيعني ذلك أن الولايات المتحدة والسعودية لن تكونا قادرتين على الحصول على موافقة العرب، من أجل تمرير “صفقة القرن” مع “إسرائيل”، التي تعتبر ضد الشعب الفلسطيني. وهو هدف نتنياهو.

العامل السادس عشر: الصين وروسيا وأوروبا لن تدعم الحرب الأميركية على إيران، باستثناء السعودية و”إسرائيل” والإمارات، ولم تبدِ أي دولة أخرى الحماس الفعلي لمرافقة ترامب للدخول في بحر من الدماء، وقد سحبت إسبانيا فرقاطة لها كانت في الخليج العربي يوم 14 أيار/ مايو 2019.

العامل السابع عشر والثامن عشر: تهديد إيران بالتوقف عن التعاون مع الغرب في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات من أفغانستان، وقبل كل شيء إغراق أوروبا باللاجئين، وطرد حوالي مليون ونصف المليون أفغاني يعيشون في إيران منذ عام 1980، وقد أعلن ذلك نائب وزير الخارجية الإيراني: “قد نطلب من إخواننا وأخواتنا الأفغان مغادرة إيران”، فضلًا عن 3 ملايين لاجئ عراقي في إيران. وقد طردت بالفعل حوالي 700 ألف أفغاني العام الماضي عادوا “بمحض إرادتهم”.

العامل التاسع عشر: لدى إيران القدرة على خلق مشكلات خطيرة للقوات الأميركية في العراق وسورية ولبنان وأفغانستان.

العامل العشرين: تدعو مؤسسات الإعلام الأميركي إلى الصبر في هذه المرحلة، والمراهنة على انتخابات 2020، فقد يفقد ترامب إعادة انتخابه. ولكن من ينسى أن هيلاري كلينتون الديمقراطية قد وعدت سابقًا عام 2008 بتدمير إيران؟

أغلق ترامب كافة الأبواب على إيران، مما يجعل من المستحيل عليها الاستسلام بشرف. واقتراحه “معاملة أفضل” لخصها بوصاياه أو مطالبه الاثني عشر المرعبة لإيران، وهي ذريعة مثالية لاتهام إيران برفض “خطة السلام”، وإجبارها على توقيع تلك النقاط، فضلًا عن كثير من الذرائع، مثل “سحق إيران لحقوق الإنسان” أو “قمع النساء”. وكلنا يعلم أن السلطة الأميركية تفتقر إلى السلطة الأخلاقية، والالتزام بمبادئها، ألم تختلق وجود أسلحة كيمياوية، عندما غزت العراق وأنهت حكم صدام حسين، ألم يفي القذافي بكافة مطالب الولايات المتحدة؟

هناك حرب تخيّم بين الطرفين، وهو ما لا يمكن أن يتخيله ويتحمّله 81 مليون ضحية من الشعب الإيراني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق