سلايدرقضايا المجتمع

زوجات المعتقلين.. معاناة فقدان ومجتمع لا يرحم

يضع غياب المعتقل، الذي لا تُعرف له نهاية، عائلتَه أمام خيارات صعبة؛ فإمّا أن يسلّموا بموته ويتابعوا حياتهم، معدمين الأملَ بكونه ما يزال على قيد الحياة، وإمّا أن ينتظروا سنوات -لا تعرف لها نهاية- تحقق احتمال ضئيل بعودته، وبين هذين الخيارين المرّين، تتحمّل زوجة المعتقل مع أطفالها -في حال كان متزوجًا- الجزءَ الأكبر من المعاناة بشقّيها الاقتصادي والاجتماعي، وإذا فكّرتْ تلك الزوجة في إيجاد حلّ لمعاناتها؛ فإن الخيارات تكون محدودة وصعبة، وتراوح بين الانفصال عن الشريك الغائب، أو البقاء سجينة الانتظار والوفاء.

وبحسب تقرير صادر عن (الشبكة السورية لحقوق الإنسان)، فإن 127,915 شخصًا لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسريّ، في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية التابعة للنظام السوري، منذ آذار 2011 حتى آذار 2019. خلف هذه الأرقام تقبع آلاف القصص لنساء تنتظر الكشف عن مصير تلك الأرقام التي ترتبط بها حياة ومصير كثيرات؛ إذ إن معاناة من تجهل مصير زوجها متعددة الوجوه مقارنة باللواتي عرفن مصير أزواجهن، فهي في حالة انتظار مفتوح على كلّ الاحتمالات، وقد تكون سيئة ومؤلمة دومًا، وفي حال جنحت نحو التفكير بالانفصال عن الشريك الغائب -وهو أمرٌ يحلّه الشرع ويقبله القانون بعد فترة زمنية محددة- فإنّها ستواجه غالبًا الرفض من المجتمع المحيط واتّهامات لا تقلّ قسوة عن انتظارها المؤلم.

تقول سوزان (26 عامًا) إنها تعلم أن زوجها “قد مات”، وتضيف في حديث إلى (جيرون): “خرج أحد المعتقلين الذين كانوا محتجزين معه في الحجرة نفسها منذ عام 2013، وكانت الرسالة التي حملها إلينا منه أن ندعو له مع كل صلاة لنا بأن يموت ويرتاح”، وأضافت: “حين سألتُ حامل الرسالة عن سبب خروجه وبقاء زوجي، مع أن التهمة واحدة، أخبرها أن صبره على التعذيب، وعدم اعترافه بالتهم المنسوبة إليه من حمل للسلاح والمشاركة بالتظاهرات، أسهمت في خروجه حيًا، فيما امتثل زوجها لنصائح المعتقلين السابقين الموجودين في نفس الحجرة، واعترف بالتهم المنسوبة إليه ليتوقّفوا عن تعذيبه، وبعد اعترافهم نُقلوا إلى مكان آخر مجهول، ومنذ ذلك الحين لم أعد نسمع عنه شيئًا”.

وبقيت سوزان على هذه الحال إلى أن أرسل النظام “شهادات وفاة بأسماء المعتقلين إلى دائرة النفوس في منطقتنا منذ سنة، وكان اسم زوجي من بين تلك الأسماء”، وعقّبت: “عائلته ترفض التسليم بذلك، ما داموا لم يروا جثّته أو يستلموا شيئًا من متعلّقاته”، وتابعت: “حين تقدّم أحدهم إلي منذ مدة قصيرة، وعرض عليّ الزواج اتّهموني بالأنانية والخيانة، وبأنني كنت على علاقة بالشخص الذي تقدّم لي منذ زمن طويل، من دون أي اعتبار أو تقدير لصبري طوال السنين الماضية، وهددوني بالحرمان من ابني الوحيد الذي أتى إلى هذه الدنيا ووالده معتقل”، وقالت: “لم يستطيعوا تحمّل نفقتي ونفقة ابني، فاضطررت إلى السكن والحياة مع عائلة أخي، والله وحده يعلم حجم معاناتي، الآن بعد معرفتهم نيتي بالزواج من آخر، قرروا حرماني من ابني، لأنه لا يشرّفهم أن تقوم امرأة (خائنة) بتربية ابنهم”.

ولا تقتصر المعاناة على هذي الحال، إذ إن المرأة اليوم تتعرض لعميات ابتزاز وتحرش لفظي وجسدي من قِبل أشخاص لجأت إليهم من أجل لمّ شمل عائلتها، وقالت أم كرم (32 عامًا)، لـ (جيرون): “اعتُقل زوجي عام 2015 بتهمة التعامل مع الجماعات المسلّحة”، مضيفة أنه “بعد بحثٍ طويل وتواصل مع بعض الشخصيات لدى النظام؛ عرفنا مكان وجوده، وبدأت مرحلة أخرى من العذاب أكثر قسوة من سابقتها، بدأت بالمحاكم وانتهت باللجوء إلى أحد العاملين في ما يُسمّى بـ (لجان المصالحة الوطنية) أرشدني أحدهم إليه، وأخبرني بقدرته على مساعدتي في إطلاق سراح زوجي مقابل مبلغ ضخم”.

وتابعت: “كان عليّ أن أستعين بأحدهم؛ فوالد زوجي توفي منذ مدة، وإخوته وإخوتي خرجوا إلى مناطق مختلفة، لم أستطع أن أخبر أهلي بما سأفعله، ليقيني برفضهم دخولي أماكن كهذه، والتعامل مع شخصيات كهذه، لكن الأمل بخروج زوجي دفعني إلى الإقدام على هذه الخطوة مع معرفة مسبقة بما قد أواجهه من مواقف، من خلال قصص كثيرة سمعتها بهذا الخصوص، لذلك طلبت من أحد الأصدقاء المقرّبين أن يذهب معي إلى مكتب ذلك الشخص بصفته ابن خالتي”.

وتكمل (أم كرم) قصتها قائلةً: “ذهبنا معًا في المرّة الأولى، وشرحت لذلك الشخص ظروف اختفاء زوجي، وأن لا علاقة له بتلك التهمة المنسوبة إليه، فهو مجرّد موظّف بسيط، وأن تهمته محض افتراء أو تقرير كيديّ من أحد الأشخاص الحاقدين”، وأشارت إلى أن “ذلك الشخص أبدى اهتمامه وتعاطفه، ووعدني أن يبذل ما بوسعه ليطلق سراح زوجي، وطلب رقمي كي يتواصل معي ويخبرني بما سيحصل أولًا بأول”.

وأضافت: “بعد أيام من ذهابي إليه، فوجئت باتصال منه في وقت متأخر، وطلب مني أن آتي إلى مكتبه وحدي، لأنه لا يستطيع أن يخبرني بتفاصيل حسّاسة أمام شخص آخر، مهما كانت علاقة القربى التي تربطني به”، وتابعت: “ذهبتُ في الموعد المحدد والخوف يتملّكني، لكنني توكّلت على الله، ودعوته أن يكون هذا الشخص ابن حلال، في النهاية المبلغ المتّفق عليه في حالات كهذه هو المهم، وخاصة أنني لمّحت له في المرة السابقة باستعدادي لدفع المبلغ المطلوب”، وحين وصلت إلى مكتب الشخص “لم يكن أحد سواه، وحين قدّم لي القهوة تعمّد أن تلامس يده يدي، وحين شعر بارتباكي بدأ يطمئنني ويمتدح جمالي ويبدي تأثرّه وتعاطفه معي مقتربًا مني أكثر، حاولت الابتعاد والتخلّص منه، لكنه انقضّ عليّ بوحشيّة، وحين بدأت الصراخ تركني، واستطعت الهروب والخلاص منه”.

وعقب تلك الحادثة، قالت أم كرم: “لم أنتظر لحظة بعد ما حصل، لملمت بعض الأغراض لي ولأطفالي على عجل، وهربت إلى الشمال عند عائلتي”، وتابعت: “وصلتني منه رسالة بعد أيام، يهددني فيها بأنه سيسعى لإطلاق سراح زوجي، وسيوصل إلى زوجي فكرة مفادها أن دافعه لمساعدته هو أن يخرج ليضبّ زوجته الفلتانة اللي ما خلّت حدا من خيرها، وما حفظت غيبة زوجها”، وعقّبت: “أتلفت شريحة هاتفي، وأعيش داخل خوف كبير، وأدعو الله في كل وقت أن يسترني ويتلطّف بي، حتّى هذه اللحظة لم أجرؤ على إخبار أهلي بما حصل”.

حال المرأة اليوم هي قضيّة معقّدة من كافّة النواحي، اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا، ولا سيّما أن المرأة هي الحلقة الأضعف، وتبقى معاناتها التي تتجسد في نظرة المجتمع، وتعامله مع المرأة بلا زوج هي الأقسى على الإطلاق، فضلًا عن الصعوبات القانونية في ظل الحرب التي تُعمّق معاناتها، وتبدو بعد ثماني سنين موغلة في قسوتها ووحشيتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق