تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل تتحرك الولايات المتحدة وإيران نحو الحرب؟

سؤال يُسمع كثيرًا هذه الأيام على وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ولا يمكن التطرق إلى الإجابة عن هذا السؤال، من دون التطرق بداية إلى شرح الوضع الحالي الذي وصل إليه الطرفان، من النواحي السياسية والعسكرية وغيرها.

جون بولتون المستشار الأمني للبيت الأبيض، الذي أعلن يوم الأحد 5 أيار/ مايو 2019 إرسال حاملة الطائرات (آبراهام لينكلن) كرسالة واضحة وجلية لإيران، قال إن الولايات المتحدة لا تسعى لشن حرب ضد إيران، ولكنها مستعدة للرد على أي هجمة تستهدف مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قال أيضًا، في مقابلة مع صحيفة (إنديبندنت) إنه لا يتوقع حدوث نزاع عسكري بين إيران والولايات المتحدة في المستقبل القريب، ولكن قد تكون هناك أحداث يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصراع.

إن الحروب قبل أن تبدأ بين بلدين لها علامات ودلائل، يمكن البحث على أساسها وتقييمها، كما في الوضع الحالي بين إيران والولايات المتحدة، وسنسعى هنا لبحث وتقييم هذه الدلائل والعلامات، لاستخلاص إجابة شافية عن سؤالنا المطروح.

ارتفاع حدة الحرب اللفظية بين المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين في البلدين

أحد الدلائل التي تشير إلى استعداد البلدين لبدء الحرب هو الزيادة التدريجية في الحرب الكلامية، بين كبار المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين في البلدين.

الدلائل والقرائن تشير إلى أن الشخصيات السياسية البارزة في الولايات المتحدة وإيران قد اتخذت مواقف حازمة بشكل أوضح وأقوى في الأسابيع الأخيرة، ومن بين هؤلاء المسؤولين في إيران: المرشد الإيراني خامنئي، والرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، وعلي شمخاني أمين مجلس الأمن القومي.

في الولايات المتحدة أيضًا، أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجون بولتون مستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران براين هوك، بمزيد من التعليقات والتصريحات المتشددة حول إيران.

على المستوى العسكري أيضًا، تحدث كبار القادة العسكريين في كلا البلدين عن استعدادهم للتعامل مع أي هجوم وتهديد من الجانب الآخر.

مع وجود كل هذه التوترات اللفظية بين كبار المسؤولين وقادة البلدين، فنحن نعلم أن هناك توترات كلامية عديدة، حدثت ما بين إيران والولايات المتحدة على مدى العقود الثلاث الماضية، لكن أيًا من هذه التوترات الكلامية لم تُدخل البلدين في حرب ضد بعضها البعض فعليًا، فضلًا عن أننا لم نشهد كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في كلا البلدين يقولون إنهم يعتزمون شن حرب ضد البلد الآخر، بل إن جل ما تحدثوا به باستمرار هو الاستعداد للرد على هجوم الآخر، إذا لزم الأمر.

تاريخ الصراع العسكري المحدود بين الجانبين

إحدى العلامات المهمة لبداية الحرب بين بلدين، هي تعدد وتكرار الصراعات الحدودية، أو النزاعات المحدودة بين قوات البلدين.

إيران والولايات المتحدة لا تملكان أي حدود مشتركة، أو نزاعات على الأرض، وقواتهم البرية كانت موجودة بالقرب من بعضها البعض، في العقد الماضي في سورية إبان الحرب على (داعش)، ولكن لم يحدث بينهما أي اشتباك عسكري مباشر.

في حالات أخرى، كأفغانستان والعراق، كان هناك تعاون غير مباشر مع بعضهما البعض، ضد كل من (طالبان) و(داعش)، وعلى الرغم من زعم الولايات المتحدة الأميركية أن إيران قتلت 600 جندي أميركي في المنطقة خلال الأعوام الماضية بشكل غير مباشر، فإن محمد جواد ظريف يقول إن قوات (الحرس الثوري الإيراني) لم تقتل أو تستهدف أي قوة عسكرية أميركية في المنطقة.

في منطقة الخليج العربي، مضى على آخر صراع عسكري حدث ما بين القوات البحرية الإيرانية والأميركية في عام 1988 في نهايات الحرب العراقية الإيرانية، قرابة 31 عامًا حتى الآن. وخلال الـ 31 عامًا الماضية -وهي تشمل قرابة 370 شهرًا أو أكثر من 11 ألف يوم- وضعت كل من إيران والولايات المتحدة قوات عسكرية ضخمة على كلا طرفي الخليج العربي، ولم نشهد حدوث صراع، أو اشتباك عسكري مباشر بين الطرفين.

من ناحية، توجد القوات البحرية التابعة لـ (الحرس الثوري) ومناطقه البحرية الخمسة في بندر عباس، بوشهر، ماه شهر، عسلوية، وميناء لنجة، التي تسيطر تقريبًا على طرق الدخول والخروج إلى الخليج العربي من منطقة جزر أبو موسى إلى طنب الكبرى والصغرى.

على الجانب الآخر، يوجد الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين، وهو يضم في معظم الأحيان حاملة طائرات ومجموعة قتالية مرافقة خاصة بها، وعشرات الطوافات والسفن العسكرية القتالية الكبيرة والصغيرة الأخرى. وإضافة إلى ذلك، يوجد مقر قيادة القوات المركزية الأميركية (CENTCOM) أيضًا في قطر، الذي يقود العمليات العسكرية في الخليج العربي، وبحر عمان، وأفغانستان، وآسيا الوسطى، وجزء من شمال إفريقيا.

وعلى الرغم من تمركز كل هذه القوات العسكرية على نطاق واسع، على جانبي الخليج العربي، لم تحدث صراعات عسكرية بين الجانبين في السنوات 31 الماضية.

خلال المرحلة التي سبقت وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، حدثت توترات واستنفارات عسكرية بسبب اقتراب قوارب (الحرس الثوري) من السفن الأميركية، ولكن أيًا من تلك التوترات لم تنجر إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين.

قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين

أحد الدلائل الأخرى، التي تشير إلى استعداد بلدين لبدء الحرب ضد بعضهما، هو قطع العلاقات الدبلوماسية، وطرد الدبلوماسيين من الجانبين، وإنهاء معاهدات الحدود بين الدولتين.

الحرب العسكرية التي اشتعلت بين العراق وإيران عام 1980، بدأت بخروج الدبلوماسيين العراقيين والإيرانيين من أراضي كلا البلدين وإغلاق القنصليات، وفي النهاية قام الرئيس الراحل صدام حسين قبل عدة أيام من الهجوم على إيران بتمزيق معاهدات الحدود المبرمة بين البلدين سابقًا. وفي عام 1990 أيضًا، كانت هناك مشاكل حدودية بين العراق والكويت، في منطقة رميلة النفطية، ومن ثم اعتبر العراق الكويت المحافظة العراقية التاسعة، وقام باحتلالها.

إن مثل هذا الحالة لا تنطبق أبدًا على العلاقات الإيرانية الأميركية الحالية، فالعلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة قد توقفت منذ عام 1979، وبقيت متوقفة مدة 39 عامًا، لكن لم يتم طرح هذا الدليل كمسبب رئيس في بدء الحرب بين البلدين.

وفي ما يتعلق بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية الموقعة بين البلدين، فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أن بلاده ستنسحب من معاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين.

قبل ذلك أيضًا، في شهر أيار/ مايو 2018، خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، لكن خروج أميركا من تلك المعاهدة الدولية والاتفاق النووي المعروف باتفاق (5+1) لم يتم اعتباره علامة ودلالة مباشرة على بدء حرب بين البلدين، وذلك على الرغم من التعقيدات التي تسبب بها خروج أميركا من تلك المعاهدات بين البلدين.

إن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ومعاهدة الصداقة الدولية الموقعة بين البلدين في عام 1955، كان جزءًا من السياسية الرسمية الأميركية المعلنة لتطبيق أشد أنواع الضغوطات الرامية إلى تغيير سلوك النظام الإيراني في المنطقة، ولا يمكن اعتباره بالضرورة إشارة إلى وجود نية لدى الإدارة الأميركية في شن حرب ضد إيران.

ارتفاع عدد المناورات العسكرية

إن جيوش الدول التي من المرجح أن تدخل الحرب، تقوم قبل شن هجوم أو قبل مواجهة تهديد هجوم ما، بعدد كبير من المناورات والتدريبات العسكرية في منطقة مماثلة لساحة المعركة. في الخليج العربي هناك وضعية مشابهة تقريبًا لهذه الحالة بالنسبة إلى قوات (الحرس الثوري) والقوات الأميركية.

خلال العقد الماضي، وخاصة السنوات الخمس الماضية، أجرت القوات البرية الإيرانية، وخاصة قواعد ومقار (الحرس الثوري)، مناورات عسكرية مختلفة على السواحل الجنوبية من إيران. كما أن القوات الأميركية وقوات الحلفاء عمومًا أجرت مثل تلك المناورات والتدريبات العسكرية، ومن بينها إجراء القوات الأميركية مناورات عسكرية لمواجهة ألغام محتملة قد تضعها القوات الإيرانية في مدخل مضيق هرمز.

ولكن بالنظر إلى تلك المناورات، وانطلاقًا من المقولة العسكرية التي تقول بأن الاستعداد للحرب لا يعني بالضرورة الدخول في الحرب، فإن كل تلك المناورات لا يمكن اعتبارها أعمالًا عدائية من جانب الولايات المتحدة، وهي في أغلبها مناورات عسكرية أميركية للتأكيد على إرادة الولايات المتحدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا لعبور السفن التجارية.

ارتفاع مستوى التهديد علامة على بدء الحرب، وعلامة على وجود مساع لمنع وقوع الحرب أيضًا

إن ارتفاع مستوى تهديد المسؤولين السياسيين والعسكريين، بين بلدين، يمكن أن يشير إلى استعداد الطرفين للدخول في صراع عسكري، إذا لزم الأمر. ولكننا إذا ما نظرنا إلى القضية من بعد آخر، فسنجد أنه يمكن أن يشير ارتفاع مستوى التهديد إلى استعداد عسكري كبير لثني الطرف المقابل عن الدخول في الحرب.

وفي الواقع، فإن بعض البلدان تسعى من خلال زيادة عدد القوات والمعدات في المنطقة المتوترة، وكذلك زيادة التحذيرات العسكرية لتحذير الطرف الآخر من الدخول في الحرب، وهذا الأمر في الحقيقة لا يمكن اعتباره تهديدًا بالحرب، وإنما منع وتحذير من وقوع الحرب ومخاطرها.

في المحصلة، بعد مرور قرابة الشهر على وضع (الحرس الثوري الإيراني) على قوائم الإرهاب الأميركية، والإجراء الإيراني المضاد لوضع القيادة المركزية للقوات الأميركية على قوائم الإرهاب الإيرانية، لم يحدث حتى الآن أي اشتباك، أو صراع عسكري محدود، على الرغم من وجود الطرفين على كلا الجانبين متسلحًا بعدد كبير من القوات والآليات العسكرية في الخليج العربي.

وبالطبع لا يمكن نكران حقيقة أن أي نوع من أنواع الصراعات والاشتباكات المحتملة، التي قد تحدث بين الطرفين، يمكن أن تنجر وبسرعة إلى صراع واسع وكبير يتحول إلى حرب شاملة في مفهومها العسكري، كالحرب البحرية، ومن ثم الهجمات الجوية والصاروخية، والاقتحام البري. ولكن بالنظر إلى الظروف الحالية، يبدو أن الطرفين بعيدان من حدوث مثل تلك السناريوهات.

كلا الطرفين يسعى لإظهار الحد الأقصى من الإرادة، والاستعداد للدخول في حرب، ولكن أيًا منها لم يقل إنه سيكون البادئ فيها.

الوضع الحالي في الخليج العربي يمكن وصفه اليوم بأنه نوع من أنواع مراقبة ومتابعة الخصم الآخر، وإبقائه تحت الرصد المستمر، مع الإعلان عن الاستعداد، وإظهار الإرادة للرد على هجوم الجانب الآخر. ذاك الهجوم الذي لم يقل أي من الجانبين إنه سيكون البادئ فيه حتى الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق