تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب وإمكانية إفشال سيناريو “مناطق خفض التصعيد”

أظهرت مؤتمرات أستانا للعالم مصطلحًا جديدًا، لم يكن مدرجًا في قوانين المؤسسات الدولية، هو “مناطق خفض التصعيد”، وقد اتفق من خلاله أطراف الصراع في سورية وداعموهم، على تنفيذ هذا المخطط الذي كان الهدف الأساس منه تقسيم المناطق المحررة لتسهيل ابتلاعها.

بدأ التعامل مع كل قسم على حدة، ونجح من اخترع هذا المصطلح في مخططه، وتم ابتلاع ثلاث مناطق بنفس السيناريو، وقسمت كل منطقة من هذه المناطق إلى عدة أقسام، بالتعاون مع قادة الفصائل الذين باعوا أنفسهم للشيطان المتربص بأهلهم وثورتهم، وتم الضغط على كل منطقة على حدة عسكريًا بالقصف الصاروخي والجوي، وتمّ استخدام المواد الكيمياوية لإرهاب السكان المحليين ودفعهم إلى الاستسلام والخروج بأرواحهم إلى الشمال المحرر، وكان هذا الأسلوب أيضًا غطاءً لمن اتفق معهم من قادة الفصائل، لتبرير اتفاقاته معهم وتسليم أسلحته وعتاده والخروج إلى الشمال المحرر.

من الضروري أن نفند ونشرح لنعرف جميعًا بالتفصيل ما حدث في هذه المناطق، فالسيناريو واحد والأدوات واحدة في مناطق ما سمي “خفض التصعيد” كافة، وإذا أردنا أن نفصّل يمكن أن نتذكر الأحداث، ابتداءً من الحملة العسكرية العنيفة والمنهجية التي تستهدف المدنيين في تلك المناطق، وترتكب المجازر بحق هؤلاء العزل، وليس انتهاءً بتزامن هذا مع هجوم بري على محاور منتقاة بدقة وقطاعات محددة من جبهات القتال بين النظام وفصائل الثورة، هذا الهجوم يترافق مع كثافة نارية شديدة، لإعطاء مبرر وذريعة لقادة الفصائل لسحب عناصرها من جبهات القتال، وفي الوقت نفسه تقوم الماكينة الإعلامية للفصائل، ومن يسيطر على مؤسسات الثورة إعلاميًا، بنشر أخبار مفبركة عن تجميع قوى الفصائل في غرف عمليات للقيام بالهجوم المضاد. لكن هذا لم ولن يحدث إطلاقًا، بل ينتظر هؤلاء قوات الأسد وحلفائه في نفس مناطق الرباط، ولا يسمح الداعم والمسيطر على قرار قادة الفصائل لهذه الفصائل بالقيام بأي عمل عسكري كالالتفاف على قوات الأسد أو الهجوم على محاور ذات دفاعات ضعيفة.

ويتقيّد قادة الفصائل -مع الأسف- بتعليمات الداعم بانتظار إشارة الانسحاب من المعركة وإعلان العجز عن مجاراة القوة العسكرية للعدو، ونتيجة هذا كله يتم قتل عدد كبير من مقاتلي الفصائل الذين يزجون في المعركة للدفاع عن أرضهم وعرضهم، وتبدأ مرحلة جديدة من المسرحية، تتوج باتفاقات ومفاوضات وهمية، بين الروس وقادة الفصائل، متفق عليها قبل أن تبدأ، ويتم تهجير أبناء هذه المناطق، ويترافق مع هذا كله ماكينة إعلامية تبث أخبارًا مفبركة أو قديمة، وتنتشر الدعاية السوداء بين الناس سرعان ما تظهر حقيقتها، مما يجعل الروح المعنوية للأهالي وللمقاتلين في أدنى درجاتها، ويكتشف هؤلاء في النهاية أنهم ضحايا خطة مدروسة، خطط لها أعداؤهم ونفذها أبناؤهم الذين ائتمنوهم على أرضهم وعرضهم وثورتهم، بعد ذلك تبدأ عملية النزوح إلى الشمال المحرر، لتزداد معاناة الشعب الثائر من خلال عدم توفر أدنى مقومات الحياة في مخيمات اللجوء، وينصرف الثوار للبحث عن مصدر رزق لهم ولأهلهم، ويصبح همّهم تأمين لقمة العيش والمكان الآمن.

هذا ما حدث في مناطق “خفض التصعيد” الثلاثة، أما ما يحدث الآن في المنطقة الرابعة والأخيرة، فلا يختلف كثيرًا عما حدث للمناطق الثلاث، باستثناء عامل مهم جدًا أرّقَ مَن خطط لوأد الثورة وابتلاعها، وهو أن هذه المنطقة تضم أشرس المقاتلين في الثورة السورية، من رفض المصالحات مع عصابات الأسد، وفضل النزوح إلى الشمال طمعًا في توفر ظروف مناسبة لإعادة الكرة لقتال هذه العصابات، ناهيك عن الكثير من المجموعات التي تشكلت بعد نزوح المناطق الثلاثة وسميت بالمقاومة الشعبية، ويبدو أنها استوعبت الدرس، وعرفت أن من تسلق على الثورة من قادة عسكريين وسياسيين باعوا الثورة بثمن بخس، ولهذا حضّروا أنفسهم إلى حرب طويلة الأمد أطلقوا عليها “حرب التحرير الشعبية” بمجموعات المقاومة الشعبية.

ويمكن أن نقول بأن هناك عاملًا ثالثًا لمصلحة الثورة -إذا استُخدم بشكل صحيح سيكون هو المسمار الأخير في نعش هذا المخطط المؤامرة- وهو استيعاب الدرس من قبل قيادات الصف الثالث وعناصر فصائل الثورة في الشمال، من خلال ما حدث في الجنوب والغوطة الشرقية والشمال الحمصي، وقيام هؤلاء بقطع الاتصال مع قادتهم والانضمام إلى المقاومة الشعبية، وهذا يمكن أن يقلب المعادلة لصالح الثورة ولتبدأ بعدها مرحلة جديدة من مراحل الثورة السورية، وهي مرحلة إعادة بناء القوة العسكرية للثورة تحت غطاء وطني بعيدًا من الشعارات الأيديولوجية والفصائل الراديكالية التي نجح الأسد وعصاباته وداعموه في إلصاقها بالثورة، لتعود ثورتنا ثورة شعب انتفض على الظلم والاستبداد، وطالب بحرية وكرامة كل الشعب السوري على مختلف مشاربه، ولنسمع من جديد شعارات أطلقتها حناجر من فجر هذه الثورة العظيمة، كشعار “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، و”لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان” وعند تحقيق ذلك وامتلاك القوة العسكرية والحاضنة الشعبية؛ يمكن لمن تفرزه الثورة من ممثلين حقيقيين لها أن يفاوضوا لتحقيق مصالح الشعب السوري وثورته لا من أجل مصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم المهترئة التي ألبسوها ثوب الإسلام، والإسلام منهم براء.

خلاصة القول يمكن من خلال هذه الخطوات أن نعيد الثورة إلى مسارها الصحيح، تمهيدًا للعمل بروح وطنية عالية، ليتحقق من خلالها أهداف الشعب السوري الذي دفع ثمنًا باهظًا لتحقيق حلمه في الحرية والكرامة ولن يموت حق وراءه مطالب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق