ترجماتسلايدر

لماذا لن تُعيد أوروبا بناء سورية؟

منذ خريف عام 2018، نشهد إشارات متزايدة عن الخلاف بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن سورية. ويبقى الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي هو عدم المشاركة مع نظام بشار الأسد حتى تحقيق “عملية سياسية شاملة بقيادة سوريين تلبي تطلعات الشعب السوري المشروعة”، كما جاء في قرار الأمم المتحدة رقم 2254 الذي يلهم موقف الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن بعض الحكومات الأوروبية تبتعد عن هذا الموقف، وتباشر التعامل مع الحكومة السورية. على الرغم من احتمال حدوث درجة ما من التطبيع السياسي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ودمشق في المستقبل القريب، لكن ما تزال هناك عدة عوامل قوية تمنع أي مساهمة أوروبية كبيرة في إعادة إعمار سورية.

في آب/ أغسطس 2018، أرسلت بولندا نائب وزير الخارجية في زيارة رسمية إلى سورية. وفي كانون الثاني/ يناير 2019، صرح وزير الخارجية الإيطالي بأن حكومته “تدرس” إعادة فتح السفارة الإيطالية في دمشق. إضافة إلى ذلك، في نيسان/ أبريل 2019، اتهم أحد المنافذ الاستقصائية الهنغارية سلطات هنغاريا بمنح وضع الإقامة لسوري خاضع للعقوبات الأميركية لمساعدة الحكومة السورية. ووفي الوقت نفسه، استمرت الجمهورية التشيكية في تناقض صارخ مع سياسة الاتحاد الأوروبي بشأن سورية من خلال الحفاظ على علاقات دبلوماسية مستمرة مع نظام الأسد طوال الصراع، ولم تغلق قطّ سفارتها في دمشق.

في الأشهر القليلة الماضية، استمرت المناقشات حول الدور المستقبلي للاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار سورية بعد الحرب. بدأت بعض الأصوات تنتقد علانية استراتيجية الاتحاد الأوروبي بأكملها المتمثلة في “الحرب الاقتصادية” ضد النظام السوري، بينما شكك آخرون في فعالية وشرعية بعض عقوبات الاتحاد الأوروبي، ولا سيّما تلك التي لها سبب في تعقيد تدفق السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية إلى البلد.

تراوح التكاليف التقديرية لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد، لما كانت عليه قبل الحرب بين 200 و400 مليار دولار. ومن أجل أي تأثير إيجابي على مستقبل البلاد، يجب على العديد من المانحين المساهمة بعشرات -إن لم يكن مئات- مليارات الدولارات على مدى السنوات الخمس إلى العشر المقبلة. من غير المحتمل أن تكون الدول الأوروبية، من بين هؤلاء المانحين الكرماء -على الأقل ليس في المستقبل المنظور- بسبب أربعة عوامل رئيسة:

أولًا، قضية العقوبات الاقتصادية. لا توجد مشاركة حقيقية لشركات الاتحاد الأوروبي في عملية إعادة الإعمار طالما بقيت العقوبات الأوروبية قائمة. زاد الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عدد الأفراد المُعاقبين في كانون الثاني/ يناير 2019. يستمر النقاش حول جدوى العقوبات الأوروبية والعواقب المترتبة على الشركات والمؤسسات العاملة في سورية، حتى الإنسانية القائمة. ويزعم الكثيرون أن العقوبات تزيد من معاناة السكان بينما من غير المرجح أن تحقق هدفها المعلن، وهو أن تُجبر على انتقال السلطة المؤدي إلى نهاية حكم الأسد. تلاقي مثل هذه الحجج دعمًا متزايدًا من الأصوات المناهضة للأسد، ومن المرجح أن تشكل المحادثات في ضوء التجديد السنوي للعقوبات المقرر في بداية حزيران/ يونيو.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن ينحاز الاتحاد الأوروبي إلى موقف جديد في الأسابيع القليلة المقبلة. وفقًا لدبلوماسي أوروبي مشارك في سياسة الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، من المرجح أن يمرر التجديد في هذا العام، وتؤجل أي مناقشة حقيقية حتى عام 2020. وقد يمنح هذا الدبلوماسيون الأوروبيون وقتًا للتحقق من جدوى تغيير السياسة، وخاصة من خلال الحوار مع موسكو. علاوة على ذلك، حتى إذا تم رفع عقوبات الاتحاد الأوروبي، فإن شركات الاتحاد الأوروبي العاملة في سورية ستظل خاضعة للعقوبات الأميركية، والتي من غير المحتمل أن تتم إزالتها في أي وقت قريب. بل على العكس من ذلك، يبدو أنه من المحتمل تكثيفها. هذا العامل الإضافي -حتى في حالة الإلغاء الكامل للعقوبات الأوروبية- من المرجح أن يحد من مشاركة الشركات الأوروبية الكبرى في مشاريع إعادة الإعمار.

ثانيًا، على الرغم من أن المتعاطفين مع النظام السوري يتزايدون داخل الحكومات الأوروبية، فمن غير المرجح أن يشارك أي منهم في حرب دبلوماسية من أجل الأسد. إن دولًا مثل بولندا وإيطاليا التي أبدت دعمًا للتطبيع السياسي ليست الأكثر استقرارًا من الناحية المالية و/ أو الأكثر تأثيرًا سياسيًا داخل الاتحاد الأوروبي.

تعدُّ بولندا وجمهورية التشيك اقتصادات صغيرة نسبيًا، حيث تتمتع بموارد محدودة إلى حد ما لتقيم مشاريع اقتصادية خارجية. حتى إيطاليا، فهي على الورق ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد، لكنها تمر بمرحلة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، على الرغم من إعراب ممثلي كلا الحزبين اللذين يشكلان الائتلاف الحاكم الحالي، في مناسبات متعددة، عن تعاطفهم مع نظام الأسد.

على المدى القصير، قد تكون روما مترددة في دفع الثمن السياسي المتمثل في تحدي الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي بشأن سورية. في نهاية عام 2018، انخرطت روما في مفاوضات مكثفة للحصول على موافقة المفوضية الأوروبية على ميزانيتها. ومن المتوقع أن تحدث جولة جديدة من المفاوضات بحلول نهاية هذا العام، حيث من غير المرجح أن تُلبى معظم أهداف الميزانية التي طلبها الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فمن غير المرجح أن تفتح روما مواجهة أخرى مع بروكسل بشأن سورية. على العكس من ذلك، من المعقول أن تساوم إيطاليا حول موقفها من العقوبات المفروضة على سورية -وفي هذا الصدد، على العقوبات المفروضة على روسيا- مقابل موقف أكثر ليونة من عجز ميزانيتها.

ثالثًا، قضية عودة اللاجئين -وهي الحجة الرئيسة المستخدمة لدور أوروبي في إعادة إعمار سورية- بدأت تفقد قوتها. على مدار العامين الماضيين، واصل الدبلوماسيون الروس التأكيد على أنه لتشجيع اللاجئين السوريين في أوروبا على العودة، ينبغي على الاتحاد الأوروبي دفع تكاليف إعادة الإعمار. على الرغم من أن قضايا الهجرة هي موضوع رئيس في السياسة الأوروبية اليوم، إلا أن موضوع اللاجئين السوريين تحديدًا غائب عن النقاشات الداخلية. حتى في البلدان التي تشكل فيها الهجرة موضوعًا رئيسًا مثل إيطاليا وفرنسا.

ألمانيا هي استثناء ملحوظ، حيث كان اللاجئون السوريون موضوعًا رئيسًا في الحملة الانتخابية لعام 2018. ومع ذلك، على مدار العام الماضي، فإن التوازن الجديد للسياسة الألمانية -مع التصاعد السريع لحزب الخضر “الصديق للاجئين” أكثر من حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة- يشير إلى تضاؤل أهمية اللاجئين السوريين في النقاش الداخلي. على العكس من ذلك، جددت ألمانيا موقفها الصارم تجاه نظام الأسد من خلال الاستمرار في البحث عن مصادر قانونية لانتهاكات أعضاء النظام لحقوق الإنسان.

رابعًا، إن نظام الأسد غير متحمس تمامًا لاحتمالات أن تلعب أوروبا دورًا رئيسًا في سورية بعد الحرب. إن دمشق صريحة للغاية فيما يتعلق بإلغاء العقوبات، ما دامت موسكو تضغط عادة على الاتحاد الأوروبي لدعم إعادة الإعمار بشكل مباشر. وفي مناسبات متعددة، صرح الأسد بوضوح بأنه لا يريد أن يشارك الغربيون في إعادة بناء البلد.

قد يبدو هذا غير منطقي، بالنظر إلى المتطلبات المالية الضخمة المقدّرة لإعادة الإعمار واستحالة الحصول على دعم كبير من الحكومات المتحالفة. لكن نظام الأسد لا ينوي إعادة سورية إلى حالتها قبل الحرب، بل إنه يهدف إلى مواصلة التغيير الديموغرافي المستمر الممأسس تحت رعايته للمجتمع والدولة السورية نحو كيانات أصغر وأكثر مرونة، ليتمكن النظام من إدارتها. إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية، خلال العام الماضي -وهي تهدف إلى مصادرة أملاك اللاجئين في الخارج وإجبارهم على الخضوع لعمليات تدقيق معقدة حتى يُسمح لهم بالعودة- تشير إلى هذا التوجه.

ومع ذلك، لا يزال بإمكان الحكومات والمؤسسات الأوروبية أن تلعب دورًا إيجابيًا في مستقبل البلاد، من خلال إعادة تقييم الظروف الاقتصادية والسياسية التي استوجبت فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي في ضوء الوضع الحالي للحرب. يمكن ربط رفع العقوبات بأهداف أكثر واقعية من نهاية حكم الأسد، مثل إنشاء رقابة دولية على سجون النظام وضمانات أمن صارمة لملايين اللاجئين السوريين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم.

لا يزال النقاش حول هذه القضية مفتوحًا، وقد نشهد تغييرًا في استراتيجية الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك، في حين تُعدُّ بعض الخطوات نحو التطبيع السياسي مع نظام الأسد وتخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي تطورات يمكن تصورها على المدى المتوسط، لكن من غير المحتمل أن يتم إنفاق مبالغ باهظة من الأموال الأوروبية على سورية في المستقبل المنظور.

اسم المقالة الأصلي Why Europe Won’t Rebuild Syria
الكاتب يوجينيو داكريما،EUGENIO DACREMA
مكان النشر وتاريخه المجلس الأطلسي،Atlantic Council، 8/5
رابط المقالة https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/why-europe-won-t-rebuild-syria
عدد الكلمات 1203
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: رسم ثلاثي الأبعاد لفتاة سورية، يُظهر مشاهد الصراع، قبل مؤتمر دولي للسلام والمانحين لسورية، خارج مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بلجيكا 12 آذار/ مارس 2019. رويترز/ فرانسوا لينوار

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق