تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل تنهي أنقرة شراكتها مع موسكو؟

هي المرة الأولى التي تُوضع فيها الشراكة الروسية التركية على المحك، على وقع المعارك التي تشنها موسكو مع حليفها الأسد وميليشيات إيران، في العمق الاستراتيجي للشمال السوري، وكان متوقعًا أن تشنّ موسكو عمليات جزئية في مناطق المعارضة، استنادًا إلى سلوكها في سورية الذي تبرره دائمًا بشماعة الإرهاب. فمنذ توقيع اتفاق سوتشي في أيلول/ سبتمبر 2018، صرّحت روسيا أكثر من مرة، على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، بأن بلاده تعد اتفاق سوتشي مؤقتًا ولا بد من عودة كامل الجغرافية السورية للنظام السوري، كذلك ألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من مرة إلى إمكانية شنّ بلاده عمليات عسكرية في محيط محافظة إدلب، على الرغم من أن اتفاق سوتشي ينصّ على تهيئة المناخ في إدلب، للتوصل إلى اتفاق سياسي. وعلى الرغم من شراكة روسيا مع تركيا، في مساري أستانا وسوتشي، فإنها لم تلتزم بوعودها، وسبق أن هندست العديد من الاختراقات لمناطق المعارضة، كما حدث في حاجز الزلاقيات بريف حماة الشمالي، 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، حيث قُتل 19 من عناصر (جيش العزة) وكان أول اختراق في المنطقة المنزوعة السلاح.

مؤخرًا، وبالتحديد في 26 نيسان/ أبريل 2019، قاد الفليق الخامس التابع لموسكو عمليات عسكرية موسعة، بهدف السيطرة على مناطق حيوية في المنطقة المنزوعة السلاح، أسفرت حتى الآن عن نزوح ربع مليون سوري للمناطق الحدودية مع تركيا، وتدمير غالبية البنى التحتية من مستشفيات ومدارس ومراكز ميدانية طبية، واستطاعت ميليشيات النظام السوري التقدم في محور ريف حماة الشمالي الغربي، وبسطت السيطرة على بلدة قلعة المضيق وبلدة كفرنبودة، وتل هواش، وما تزال المعارك مستمرة بين كر وفر، وهو ما طرح عدة تساؤلات عن سبب خروج موسكو عن خط الدبلوماسية مع نظيرتها تركيا، بعدما استطاعت من خلالها تحقيق العديد من الإنجازات في سورية، كما أن شراكتها مع تركيا وصلت مؤخرًا إلى مراحل متقدمة، قادت إلى إعلان الرئيس الروسي نية بلاده رفع الفيزا عن بعض المواطنين الأتراك، بحسب ما أعلن في المؤتمر الصحفي في لقائه الأخير مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة موسكو، وصرح الطرفان آنذاك بتعزيز الشراكة في العديد من المجالات، فعلى صعيد التبادل التجاري، من المتوقع أن يصل التبادل بينهما إلى 100 مليار سنويًا في العام القادم، إضافة إلى تعزيز العلاقات في المجال العسكري، فمن المفترض أن تستلم أنقرة في تموز/ يوليو القادم، المعدات الأولية لمنظومة (s400)، وذلك بعدما حسم الرئيس التركي المسألة بقوله: “رفعت الأقلام وجفت الصحف”.

إلى جانب قطاع الأمن والعسكرة، أعلن بوتين تدشين أنابيب خط التسيل، في مجال النفط والتعاون الاقتصادي مع تركيا، وهي الاتفاقية التي أكمل الطرفان كامل بنودها نهاية 2018، وإذا ما تم تمديد كامل الأنابيب؛ فإن موسكو ستحقق من خلالها عدة أهداف، على رأسها مزاحمة الولايات المتحدة على إمداد الاتحاد الأوروبي بالنفط عبر البوابة التركية، وهو المشروع الذي تعمل أميركا على عرقلته، بمشروع مواز يطول شرحه في هذا المقال.

يضاف إلى تلك المجالات تعزيز التعاون في مجال الصناعة والزراعة والثقافة والسياحة، لدرجة أن ذلك تسبب في دخول تركيا مع توتر جديد مع حليفها القديم بالناتو واشنطن، على أثر تقاربها مع روسيا، فبدأت العروض الأميركية تنهال على أنقرة في المجال العسكري والاقتصادي، كتقديم عروض في صفقات طائرات (f35) ومنظمة دفاع متطورة من الجيل المتقدم، ما دفع تركيا إلى استمرار اللعب على المتناقضات واتباع سياسية مسك العصا من الوسط، بهدف الحفاظ على خط التوازنات الثنائية بعلاقاتها مع موسكو وواشنطن.

فيما يبقى العامل الكردي هو الأهم بالنسبة إلى تركيا، وقد عملت واشنطن مؤخرًا على تحريكه بهدف سحب البساط من يد روسيا، والمعلومات الأخيرة تشير إلى أن زيارة جيمس جيفري الأخيرة لتركيا، قد حققت تقدمات في ملف المنطقة الآمنة، بحسب ما أعلنت الخارجية التركية، وقد تظهر ترجمات التفاهمات حيال أي تحرك تركي قادم شرق الفرات، بهدف إنشاء المنطقة الآمنة، وما يعزز هذا الطرح وجود إرهاصات عن مفاوضات جارية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، فقبل عدة أيام أعلنت تركيا وصول رسالة من عبد أوجلان، عبر محاميه، إلى زعماء (قسد) يدعوهم فيها إلى تفهم المخاوف التركية، وتجنب خيار العمليات العسكرية والاصطدام المباشر مع تركيا. صحيح أن هذه الإرهاصات لا تزال ضبابية إلا أنها كانت كافية لاستفزاز موسكو ودفعتها إلى تنفيذ تهديداتها السابقة للضغط على تركيا أو البدء في تهديد نسف كامل التفاهمات، عبر الخيار العسكري.

وهذا متوقع مع امتلاك موسكو كامل الذرائع للتملص من وعودها، فهي تتذرع بأن تركيا لم تنجح في تطبيق وعودها في اتفاق سوتشي، بما يتعلق بتفكيك “هيئة تحرير الشام”، ونزع السلاح الثقيل من يد الفصائل، وفتح الطرق الدولية، وتسيير الدوريات المشتركة في عموم المنطقة منزوعة السلاح، وبما يتعلق بتبرير قتل المدنيين فهذا أمرٌ اعتيادي بالنسبة إليها طالما أنها تنظر إلى كامل المنطقة على أنها بؤرة للإرهابين، بحسب تصريحات متحدثي الكرملين.

على الطرف الآخر، هناك غموض كبير في الموقف التركي، وتتحمل تركيا جزءًا من المسؤولية عما يجري من عمليات تدميرية وقتل جماعي، على اعتبار أنها أحد الدول الضامنة في اتفاق خفض التصعيد، وطرف رئيس في اتفاق سوتشي مع موسكو، فعدم وجود موقف واضح وصريح سيجعل موسكو تستثمر ذلك الغياب، في إلقاء المسؤولية عليها وحشرها بالزاوية أكثر، كما صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين في 9 أيار/ مايو الحالي، بقوله: إن العمليات الروسية مستمرة في إدلب بالتنسيق مع تركيا. ويعد هذا التصريح مؤشرًا خطيرًا في سير العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، لأنه يحمل في مضمونه موافقة تركية على ما يجري من عمليات القصف والتدمير، وبالتنسيق مع روسيا، لذا على تركيا الرد على الاتهام الروسي، لأن الأخيرة لن تتراجع عن سياسية الاستفزاز وسحب البساط من تحتها.

وبناء على ما ذُكر، هناك تفسير لما يجري في إدلب، يمكن من خلاله استشراف العلاقات الروسية التركية في الملف السوري.

التفسير المحتمل: أن كل ما يجري في إدلب، منذ اتفاق أستانا حتى سوتشي، متفق عليه بين موسكو وأنقرة، وما يحدث في الميدان هو تطبيق عملي وحرفي لبنود اتفاق سوتشي، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن تركيا عجزت حقيقة عن تفكيك “هيئة تحرير الشام”، ولم تستطع إقناع الفصائل بقبول تسيير الدوريات المشتركة في المنطقة منزوعة السلاح، ولم تنجح في فتح الطرق الدولية كما كان مقررًا لها في نهاية العام 2018، ولأجل ذلك رمت تركيا الكرة في ملعب الفصائل، وتحفظت على رغبات موسكو في التدخل عسكريًا، على خط العمليات بهدف فرض وتنفيذ تلك الشروط بالقوة وبلغة الدم، ويجب التنبيه إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد صرح، وهو على متن الطائرة عائدًا من موسكو في لقائه الأخير مع بوتين، قائلًا: لا نستبعد شن عمليات عسكرية جزئية مشتركة في محيط إدلب. اللافت أن العمليات الجارية ليست مشتركة بل هي منفردة من طرف موسكو، ويقابلها صمود قوي من قبل فصائل الجبهة الوطنية، وجيش العزة، وبقية الفصائل المشاركة المدعومة من تركيا، وهو سبب كاف لأن يكون هذا الاحتمال التوافقي التشاركي بين تركيا وموسكو غير صحيح في الإطار الكلي لمستقبل المنطقة، بمعنى أن لا وجود لتفاهم كلي وكامل حول إدلب، فمن المؤكد غياب رؤية كاملة ونهائية لهذا الاتفاق، إذا ما نظرنا إلى الملف من زاوية ربط ملف إدلب بسياسات دول إقليمية، كواشنطن وأوروبا اللتين ترفضان حتى اللحظة إجراء اجتياح كامل لكامل محافظة إدلب، فمن شأن ذلك أن يقوض المسار السياسي كليًا، لذا فإن الخيار الوسط هو وجود تفاهم جزئي بين تركيا وموسكو متعلق بمناطق ترغب موسكو في السيطرة عليها، بهدف تأمين قاعدة حميميم التي استهدفتها الفصائل أكثر من مرة، إلى جانب تأمين محافظتي حماة واللاذقية، ولتحقيق ذلك تقوم موسكو بمحاولة إفراغ المناطق في مثلث سهل الغاب، وصولًا إلى جسر الشغور.

وبالمقابل، فإن أحد خيارات تركيا سيكون تحركها نحو تل رفعت، إذا ما اقتضت الحاجة لذلك، مع التنبيه أن ذلك قد يحدث من دون وجود صفقة أو مقايضة مع موسكو، كما ظهر عبر الإعلام، بمعنى أن التحرك سيكون خيارًا لتركيا لتأمين خط دفاع لها عن مناطقها في عفرين وجرابلس.

لكن هذا لا ينفي وجود خلاف كبير بين الطرفين، لم يتم احتواؤه هذه المرة، وتفجر عقب انتهاء جولة أستانا 12، وهو التفسير الأقرب للواقع نظرًا إلى الدعم التركي المقدم للفصائل، الذي من المتوقع أن يرتفع في الأيام القادمة إذا ما استمرت روسيا في التصعيد، فصحيح أن تركيا ألمحت بشن عمليات مشتركة للتخلص من الإرهاب في إدلب، لكن التفسير التركي لذلك أن يتم بعمليات جراحية عن طريق الأجهزة المخابراتية، وأهداف مركزة على نقاط الإرهابين، وليس كما يحدث الآن من قصف عشوائي على المدنيين، وهنا يكمن جوهر الخلاف بين الطرفين، فموسكو تحركت بردة فعل لإنزال عقاب على الفصائل المعتدلة التي رفضت تسيير دوريات روسية في المنطقة منزوعة السلاح، بينما على ما يبدو هي متفاهمة مع فصائل الجولاني أو تتخذه شماعة لها، والأخير قرر إخلاء قلعة المضيق وبعض النقاط من دون قتال، بذريعة أنها ساقطة عسكريًا، كما أن كل الغارات المتواصلة لم تسفر عن استهداف مركز لـ “هيئة تحرير الشام”، ولم نسمع بمقتل عنصر أو قائد تابع للهيئة!

بالمحصلة الشراكة الروسية التركية، جاءت كضرورة للطرفين، بعد تجاوزهما مسألة إسقاط الطائرة في 2015 وقد رأى الطرفان مصلحة مشتركة في اتحادهما في الملف السوري الذي تبلور حينذاك بإنشاء مسار أستانا في 2017 بالتحديد بعد سقوط حلب المدينة وأخيرًا إلى اتفاق سوتشي. ومع وصول الطرفين إلى طريق مسدود فإن الخطر يكمن في عزم موسكو على تطويع الظروف الحالية لصالحها بهدف قضم المزيد من المناطق، وعليه فإن الخطر القادم على المناطق المحررة لم يأتِ بعد، فإذا ما استطاعت موسكو قضم المنطقة المنزوعة السلاح، فهذا يعني أن ستتابع لاحقًا في مخططها الرامي لعودة كامل إدلب إلى كنف النظام، وهو ما يعني تهديد مناطق النفوذ التركي في عفرين وجرابلس ودرع الفرات. ولعل الصمت التركي حتى الآن يعود إلى تفكير تركيا في الهدف الروسي البعيد المذكور أعلاه، وهذا الأمر يتطلب تريثًا وتفكيرًا مليًا، في شراكتها مع موسكو المبنية على العديد من المجالات على رأسها الاقتصاد، فمن غير المتوقع إذًا أن تتخذ تركيا خطوة جزئية للرد على موسكو في إنهاء اتفاق سوتشي فقط، من دون التأثير في العلاقات الاقتصادية، فكما أن الاقتصاد يؤثر في العلاقات السياسية، كذلك السياسية تؤثر في مسار الاقتصاد، وإذا ما أعلنت تركيا إنهاء الشراكة مع روسيا؛ فسيكون إنهاءً كاملًا وليس فقط في ملف إدلب، ومن هنا تتريث أنقرة في الوقت الحالي، وتكرر اتصالها مع موسكو، بهدف التوصل إلى وقف الأعمال العسكرية والعودة إلى مسار المفاوضات، فالجميع يعلم أن الخاسر في النهاية في هذا الموضوع سيكون موسكو، فتركيا بكل الأحوال ما تزال حليفًا قويًا للغرب، ومن قبل الاتحاد الأوروبي المناهض للتوجهات الروسية في كامل الشرق الأوسط، مع ذلك تحاول تركيا إيجاد مخرج يحقق لها مجددًا عدم خسارة أحد من الحلفاء أي بين روسيا وأميركا، لكن السؤال إلى متى ستبقى تركيا ممسكة بالعصا من الوسط، مع العلم أن موسكو من الناحية الاستراتيجية بدأت تشكل خطرًا حقيقيًا على تركيا، وتحاول تطويقها في مياه المتوسط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق