سلايدرقضايا المجتمع

كتاب “قدوتنا رئيسنا” يثير موجة من السخط والسخرية في أوساط الفلسطينيين

مثقفون: محمود عباس على خطى الدكتاتورين العرب

بعد 71 عامًا على النكبة الفلسطينية، و54 عامًا على انطلاق الثورة المعاصرة، وبعد أسابيع قليلة من تشكيل حكومة سلطة الأمر الواقع في الضفة الغربية المحتلة، برئاسة القيادي في حركة (فتح) محمد إشتية، فوجئ الفلسطينيون بإصدار وزارة التربية والتعليم، ضمن مبادرةٍ بعنوان “لأجل فلسطين نتعلم”، كتابًا بعنوان (قُدوتُنا رئيسنا)، يتضمن اقتباسات من مقولات الرئيس محمود عباس، أقرته ليدرس في المدارس الفلسطينية، الأمر الذي أثار موجة واسعة من السخط والسخرية، على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، بين النشطاء الفلسطينيين وفي أوساط المثقفين في الجغرافيا الفلسطينية الممزّقة (أراضي 48 والقدس والضفة الغربية وقطاع غزة)، وفي الشتات والمنافي، معتبرين أنَّ هذه الخطوة “في منتهى الانحطاط الثقافي والسياسي والأخلاقي والتعليمي”.

محمود عباس، الذي وصفه الزعيم الشهيد ياسر عرفات ذات يوم بـ “كرزاي فلسطين” (في إشارة إلى الرئيس الأفغاني -الذي خان شعبه- حامد كرزاي)، وهو الذي يعمل، منذ انطلاق الثورة السورية ضد  نظام الأسد، على تبييض صفحة النظام السوري، على الرغم من كل جرائمه تجاه شعبه، وكذلك تجاه أكثر من نصف مليون فلسطيني سوري، نكل بهم ومسح معظم مخيّماتهم عن وجه الأرض السورية، والذي كشفت وثائق ملفات “ميتروخين” الشهيرة، في أيلول/ سبتمبر 2016، أنّه كان -حين إقامته في دمشق بين عامي 1983 و1994-، عميلًا لجهاز الاستخبارات السوفيتي المُنحل (كي جي بي)، عباس هذا لا يحظى باحترام السواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني وقيادات وكوادر (م. ت. ف) وحركة (فتح). وهذا ما جعل آلاف الفلسطينيين ممن تابعناهم في الفضاء الأزرق، يتساءلون: “كيف يكون عباس قُدوتُنا؟”.

مساهمة في صناعة الدكتاتورية

منذ يوم الخميس التاسع من الشهر الجاري، عبّر الآلاف من الناشطين والمثقفين والأكاديميين والكتاب الشعراء والفنانين والإعلاميين الفلسطينيين، من خلال منشورات على جدار صفحاتهم في موقع (فيسبوك)، عن استيائهم من صدور الكتاب وإعلان وزير التربية والتعليم مروان عورتاني، عزم وزارته “طباعة الكتاب وتعميمه على كافة مدارس الوطن”. وتأكيده على “أهمية هذه المبادرة في تنمية مهارات الطلبة الإبداعية لإبراز الهوية الوطنية”.

المفكر والباحث الأكاديمي الدكتور خالد الحروب، كتب على جدار صفحته أكثر من منشور حول الموضوع، ليتوجه أخيرًا بإصدار بيان مفتوح للتوقيع، طالب فيه بسحب الكتاب.

في منشوره الأخير، الذي حمل عنوان (لماذا “الرئيس ليس قُدوتُنا”)، كتب د. الحروب “من حيث الشكل، إصدار مثل هكذا كتاب وبالعنوان الذي يحمله يكرس الأبوية والشخصنة، مهما كان المضمون، ومهما كانت الدفوعات التي تُساق. ونحن نريد أن نبني مجتمعًا ودولة مدنيين قائمين على الحرية والعقل النقدي، وليس على الشكل الأبوي الذي استنزف مجتمعاتنا وحطمها. هذه الأبوية التي كتب عنها هشام شرابي منذ عقود هي إحدى عوائق تقدم مجتمعاتنا، لأنّها تنصب فوق المجموعة المعنية من العائلة إلى المدرسة إلى المؤسسة إلى الوزارة، وصولًا الى هرم السلطة آلهة صغيرة تتسلط على الأفراد وعليهم أن يتبعوها من دون أيّ فكر نقدي، ومن دون الشعور بالتمكين الذي يتيح لأيّ فرد مهما كان صغيرًا أن ينتقد من هو على رأس الهرم”.

أضاف المفكر الفلسطيني: “الرئيس أبو مازن ليس محصورًا بما كتبه من أبحاث وكتب، على أهميتها، بل هو قائد وسياسي ورئيس سلطة خلافي من الدرجة الأولى، وما يتذكره به الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة هو تصريحاته الخلافية في أكثر الموضوعات حساسية للشعب. مثلًا، هل نريد لأجيالنا في المدارس أن تكون قُدوتهم سياسي يقول بأنّه لا يريد العودة إلى صفد مسقط رأسه، هل هذه هي القدوة لملايين اللاجئين المتمسكين بحق العودة؟.. والذي يقول إنّ التنسيق الأمني مع (إسرائيل) يشتغل بنسبة 99 في المئة، وهو التنسيق الموجه عمليًا لحماية المستوطنات والمستوطنين؟..”.

وشدّد صاحب كتاب (المثقف القلق ضد مثقف اليمين) على أنّه “عيب كفلسطينيين أن لا نسقط تفاهة «قُدوتُنا رئيسنا» وفي السودان والجزائر يسقطون أنظمة كاملة”.

أما الباحث الأكاديمي الدكتور إبراهيم فريحات (أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا وجامعة جورجتاون)، فكتب: “بغض النظر أين تقف من محمود عباس، أنا عتبي على وزير التربية والتعليم الدكتور مروان عورتاني، خريج جامعة “ليهاي”Lehigh الأميركية العريقة، وماذا سيشرح لزملائه في الجامعة كيف له أن يعلم أطفال فلسطين (الفكر الناقد) وليس (تقديس الفرد)”.

بدورها، كتبت الشاعرة رولا سرحان (رئيسة تحرير صحيفة “الحدث”، الصادرة في مدينة رام الله المحتلة): “إنّ عملية صناعة الرمز؛ أو تقديم النموذج؛ هي عملية سيكولوجية بالأساس، تفرضها كاريزما قوية لشخصية القائد تمامًا مثلما كانت كاريزما حضور الرئيس الراحل ياسر عرفات، طاغية الحضور، دون الحاجة الى إثبات أو تأكيد، أو كتيبات أو اقتباسات”. مضيفة “النموذج الملهم يفرض حضوره من حضور إنجازاته على الأرض، المبنية على مقدرة فذة لتطويع الظروف الاستثنائية وجعلها ملائمة للفرضية التي يطرحها؛ وهي عملية تراكمية بالأساس، تحظى نتيجة مصفوفات النجاح المتتابعة والمتشابكة؛ إلى خلق حالة من الإجماع على شخصية القائد القدوة، فيصبح بالتالي مؤثرًا وملهمًا وقادرًا على حيازة ثقة الجماهير، وبالتالي الإيمان بنهجه وفكره تمامًا مثل جيفارا”.

من جهته، قال الباحث والكاتب عبد الغني سلامة: “ثمّة أسئلة ينبغي طرحها: هل فعلًا هذه المبادرة تخدم العملية التربوية؟ أم تخدم وزير التربية؟. هل مثل هذه الكتيبات تعزز الثقافة الوطنية؟ أم تعزز ثقافة التبعية والولاء؟ هل هي تؤسس لعقلية نقدية، وتحث على التفكير، والبحث، والتقصي، والإبداع (كما ينبغي أن يكون هدف التربية والتعليم)؟ أم تؤسس لعقلية تسحيج ومبايعة وطاعة وانقياد؟. هل تؤدي إلى إنتاج جيل وطني حر؟ أم تساهم في صناعة الدكتاتورية؟. وإذا شاعت مثل هذه الوسائل، بماذا سنختلف عن الأنظمة الشمولية والدكتاتورية؟”.

لنسقط الكتاب والرئيس معًا

كتاب (قُدوتُنا رئيسنا) الذي احتفى به صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، مع عدد من وزراء سلطة الأمر الواقع وقيادات المنظمة و(فتح) أمام وسائل الإعلام المحلية في الضفة الغربية، دفع بالشاعر عمر شبانة إلى الدعوة لإسقاط “الكتاب والرئيس معًا”.

فيما كتبت الشاعرة سهام داوود: “لا مزحة ولا نكتة ولا كذبة أول نيسان، بل على خطى الأنظمة الدكتاتورية سائرون!”. وأضافت: “المضحك المبكي أنّه أقيم حفل لإطلاق الكتاب حضره وزيرا التعليم والثقافة، وأعضاء من اللجنة المركزية والتنفيذية لمنظمة التحرير، ومحافظين، ومديري عدد من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني والمحلي وعدد من الأسرة التربوية”.

أما الكاتبة والمحاضرة الجامعية أسماء الشرباتي، فكتبت معلقة على الحدث: “في ظل تغييب المناهج الفلسطينية لكل القدوات التاريخية والمعاصرة، وانعدام الحديث عن أيّ نموذج بطولي أضاف شيئًا لفلسطين، مخافة اتهامها من قبل المجتمع الدولي والكيان الصهيوني بالعنف، أو وسم المناهج بأنّها ليست مناهج سلام.. لا يبدو كتاب «قُدوتُنا رئيسنا» الذي سيدرس لطلبة المدارس تغريدًا خارج السرب، أو غير متوقع.. بل هو تطور طبيعي منطقي لمستوى وشكل استخدام السلطة الفلسطينية للكتاب المدرسي، في محاولة بائسة لبث أفكارها وبرامجها السياسية ومؤخرًا شخصياتها.. علها تعيد إنتاج هذه الأفكار في الأجيال القادمة.. والسؤال هل سوف تنجح في ذلك؟”.

وكان عزام الأحمد عضو مركزية (فتح)، قد قال بمناسبة حفل إطلاق الكتاب: “عندما شاهد الرئيس عباس كتاب اقتباساته، أعجب به وبقي يومين في جو لقائه مع معدّيه وقرر طباعته وتعميمه على كل المؤسسات التعليمية”.

جدير بالذكر أنّ البيان الذي يطالب بسحب الكتاب ما زال قيد التداول للتوقيع عليه، وهو قصير جدًا، حيث جاء فيه: “نعم لتربية أطفالنا على قيم الحرية والكرامة والمساواة والتفكير النقدي..فلسطين ليست قطعة من الأرض فقط فلسطين معنى للحرية والكرامة”.

من أبرز الموقعين عليه من النخب الفلسطينية حتى الآن د. يوسف سلامة، د. سري نسيبة، د. جوني منصور، معن البياري، ماجد عبد الهادي، مصطفى الولي، منذر جوابره، مهيب البرغوثي، زياد خداش، ريم الكيلاني، حسن أبو دية، د. رامي ابو شهاب، ريما نزال، بشار الحروب، لينا أبو بكر، د. جمال الشلبي، ميس داغر، شادية الغول، عصام السعدي، مريم شريف، د. عبد الحميد صيام، وفتحي برقاوي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق