ترجماتسلايدر

بالنتيجة، فقدنا الثقة بالجهود المشتركة لوقف الحروب.. اسألوا سورية

ذات يوم عملت القوى العظمى معًا، بينما الآن يسيطر القوميون الأقوياء على الأجندة

لا بد أن الإشارات التي تشير إلى أن الحرب في سورية تقترب من نهايتها تبدو مثل نكتةً تثير الغثيان، بالنسبة إلى أهل رأس العين، الواقعة في شمال غرب محافظة إدلب، حيث استهدفِت قريتهم، بغارة جوية الأسبوع الماضي، قُتل فيها خمسة أشخاص، منهم ثلاثة أطفال، بينما أُصيب 20 آخرون على الأقل.

حسين الشيخ، أحد سكان المنطقة، وصف لـ فرح نجار، مراسلة الجزيرة، كيف انهار أحد المباني بينما كان الأطفال يركضون نحو مكان آمن، وقال: “كنتُ واقفًا بالقرب من الباب الأمامي أشاهد الأطفال وهم يلعبون. فجأة سمعنا انفجارًا آخر… كان مشهدًا يصعب مشاهدته. لا أستطيع التعبير عمّا رأيته”.

تقدّر الأمم المتحدة أن تجدد العنف في إدلب والمناطق المجاورة أدى إلى مقتل العشرات من المدنيين، وتشريد أكثر من 150 ألف. ويقول عمال الإغاثة إن المستشفيات والمنشآت الطبية والمدارس استُهدفت عمدًا بالصواريخ والمدفعية والبراميل المتفجرة.

للوهلة الأولى، يبدو أنه لا شك في أن القوات الموالية لبشار الأسد، الغارق في الدماء، ليست هي وحدها المسؤولة. يزعمون أنهم يقاتلون المتمردين الجهاديين من هيئة تحرير الشام، لكن في سورية، كما هي الحال في العديد من مناطق الصراع الأخرى حول العالم، ليس الأمر بهذه البساطة.

كما يجب إلقاء اللوم على إيران الحاضرة التي تدعم النظام، من خلال ميليشياتها الشيعية المدعومة من حزب الله اللبناني. تركيا تُلام أيضًا، لفشلها في الدفاع عن منطقة منزوعة السلاح أُقيمت حول إدلب في أيلول/ سبتمبر الماضي. ثم هناك روسيا وطائراتها الحربية التي لا ترحم، والتي لولا دعمها؛ لربما سقط الأسد.

ومع ذلك، في الحقيقة، فإن من يتحمل المسؤولية عن ثماني سنوات من الرعب هم أكثر ممن ذُكر أعلاه. لقد ابتعدت الولايات المتحدة إلى حد كبير عن سورية، وحصرت نفسها في عمليات مكافحة داعش وضربات الصواريخ العرضية. وكذلك الحال في أغلب المواقف، بالنسبة إلى بريطانيا وأوروبا.

تدخّل فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، بقوة في سورية عام 2015، لكنه لم يتدخل لإنقاذ الأرواح، بل لتعزيز المصالح الاستراتيجية والأمنية لروسيا في الشرق الأوسط، على حساب الولايات المتحدة. وبالتالي فإن جهود الأمم المتحدة للتفاوض من أجل وقف الحرب تفتقر إلى الدعم الكبير من القوى العظمى.

في حين أن أيًا من هذا لا يريح أحد من قرويّ رأس العين، فإن المسؤولية عن معاناتهم في النهاية تكمن في انهيار منهجي ومهلك في التعاون الدولي بشأن معالجة الحروب والصراعات المسلحة.

في عصر أصبحت فيه التعددية عتيقة وغير محبوبة، وتزاوج القومية مع قيادة “الرجل القوي” المستبد آخذٌ في التصاعد، والانتهازية المهتمة بالذات حلّت محل المسؤولية الجماعية، يصبح الغائب بشكل كلي هو المثل العليا، القائمة على تعاون القوى العظمى والعمل المشترك، الذي كان أساس إنشاء الأمم المتحدة عام 1945.

الاتجاه المعاكس -نحو المنافسة غير المسؤولة للقوى العظمى- يستجمع قواه في كل مكان، حيث يموت الناس يوميًا نتيجة لذلك.

في المرة التالية التي يتحدث فيها نايجل فراج [سياسي بريطاني من حزب الاستقلال معارض للهجرة والمهاجرين] أو فيكتور أوربان، رئيس هنغاريا عن الحقوق السيادية و”استعادة السيطرة”، يجدر بنا أن نتذكر أنه يمكن أن يكون لهراء القومية المتطرفة عواقب دولية قاتلة.

وعندما ينتقد دونالد ترامب إيران ويبيع الأسلحة للسعوديين، وعندما يحتجز تشي جين بينغ المسلمين في الصين، أو يتبجح بوتين عن شبه جزيرة القرم، أو يدافع جيرسون بولسونارو في البرازيل عن حرق وإزالة الغابات، يخدع كل منهم قاعدته القومية المحلية. لكن الآثار المترتبة على السلام والأمن العالميين خطيرة.

ليبيا مثال على ذلك. بعد ثماني سنوات من إطاحة ديكتاتورها نتيجة اتفاق دولي، فإنها تخاطر بأن تصبح سورية أخرى، حيث تدعم مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة جنرالًا منشقًا، بينما تدعم تركيا وقطر الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة. أما رغبة الليبيين من أجل السلام، فتأتي في المرتبة الثانية في الصراع الوحشي، بين المنافسين الإقليميين على السلطة والنفوذ والنفط.

واليمن، الذي يعاني من أسوأ حالات الطوارئ الإنسانية في العالم، يؤكد هذا الاتجاه. وهنا أيضًا، تحتشد القوى الخارجية، معطيةً الأولوية للأهداف الجيوسياسية على إنقاذ الأرواح.

إن إحجام الدول عن العمل بشكل تعاوني لوقف أو منع الحروب يقابله ميل متزايد للتدخل في معارك الآخرين عن طريق الوكلاء. فالصراع المباشر بين دولة وأخرى صار أمرًا نادر الحدوث. صارت عمليات الغزو التي تقوم بها التحالفات متعددة الجنسيات، كما كان الحال في حرب الخليج عام 1991 أو كوسوفو عام 1999 عتيقة، بينما راجت وسادت الحروب بالوكالة.

في المقابل، تعاني الصراعات الأقل أهمية من الإهمال الدولي. قد يكون غياب الارتباط الخارجي الفعال قاتلًا لآمال السلام، كما كان الحال في أوقات مختلفة في جنوب السودان وجنوب الفلبين وميانمار وجنوب تايلاند والصومال والساحل الأفريقي.

ينبغي على القادة “الأقوياء” القوميين المتطرفين أن يعلموا أن المضي قدمًا بتصرفاتهم نادرًا ما ينجح. تشير التجربة الحديثة إلى أن القوى العظمى، التي تتجنب المقاربات التعاونية، وتحاول فرض الحلول أحادية الجانب، لن تصل إلى أي نتيجة، وغالبًا ما تزيد الأمور سوءًا.

أحد الأمثلة على ذلك هو الصراع بين إسرائيل وفلسطين، حيث تتمسك الولايات المتحدة بشكل مريب باحتكار صناعة السلام، رغم أنها لم تحرز أي تقدم. هذه ليست مفاجأة، بالنظر إلى انحياز ترامب الكامل لإسرائيل. تجري الولايات المتحدة أيضًا محادثات سلام خاصة مع طالبان. مرة أخرى، تبيّن أن النجاح بعيد المنال، لأسباب ليس أقلها إثارة للدهشة أنها استبعدت الحكومة الأفغانية.

على عكس الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية المعنية بالوساطة، مثل الاتحاد الأفريقي، فإن القادة القوميين، الذين يتصرفون بمفردهم، غالبًا ما يُظهرون دوافع أنانية.

يعتقد ترامب أنه يستحق جائزة نوبل للسلام لعقده قمة مع كيم جونغ أون. إن مراكمة الدكتاتور الكوري الشمالي للأسلحة النووية هو بالتأكيد مصدر قلق دولي كبير، لكن جهود ترامب هي مشروع تفاهة أكثر من كونها عملية سلام.

عندما يتحدث الناس عن نهاية التعددية، يبدو أحيانًا أنها مسألة اهتمام أكاديمي بحتة. ولكن كما تُظهر كل هذه الحروب والصراعات التي لم يتم حلها والتي يمكن تجنبها في الغالب، فهي مسألة حياة أو موت، فكل يوم، يُقتَل الناس بسبب غياب العمل الدولي المشترك.

اسم المقالة الأصلي We lost faith in joint efforts to halt wars. Result? Ask Syria…
الكاتب سيمون تيسدول،Simon Tisdall
مكان النشر وتاريخه الغارديان،The guardian، 11/5
رابط المقالة https://www.theguardian.com/politics/2019/may/11/great-powers-wars-nationalist-strongmen-syria-libya
عدد الكلمات 926
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: عمال الدفاع المدني السوريون يحملون قتيلًا إثر غارة جوية على سوق أسفرت عن مقتل عدة أشخاص في قرية رأس العين. الصورة: وكالة الصحافة الفرنسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق