هموم ثقافية

وأنا أيضًا (Me Too)

أحرزت الحركة النسائية مكاسب قانونية وتشريعية في بعض البلدان العربية، ونالت المرأة حق التعليم والعمل وحق الاقتراع، في معظمها، لكن حضورها في الفضاء العام لا يزال هشًا وضعيفًا ومشوبًا بتبعيتها للرجل، في جميع البلدان العربية، وكذلك مشاركتها في الحياة العامة. ولا تزال الهوة واسعة بين المكتسبات القانونية (النظرية) وبين الممارسة الاجتماعية والسياسية، في الحياة العملية. ولعل السبب في ذلك أن مطالب الحرية والمساواة والعدالة والإنصاف كانت دائمًا مطالب تُرفع إلى الدولة وتتجه إليها، أكثر من اتجاهها إلى المجتمع الذي لا تزال بناه البطركية– الذكورية، وخاصة بناه المعرفية والثقافية، بعيدة من الاعتراف بكيان المرأة وإنسانيتها وحريتها وحقوقها، وأبعد من ذلك عن حمايتها من الاعتداءات والانتهاكات، ولا سيما الاعتداءات الجنسية، التي تشمل التحرش والاغتصاب والاستغلال الجنسي وسفاح القربى وتجارة الجنس… إلخ

لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات المعاصرة، كما لم تخلُ المجتمعات القديمة والوسيطة، من اعتداءات جنسية على الطفلات والأطفال، وعلى النساء والرجال، لكن الفروق بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية، أن الأولى لا تتستر على الاعتداءات أولًا، وتحرِّمها أخلاقيًا ثانيًا، وتجرِّمها قانونيًا ثالثًا، وتعاقب المعتدين عقوبات رادعة رابعًا، في حين تتستر المجتمعات التقليدية على الاعتداءات، وتفرض كتمانها على الضحايا، بسلطاتها الناعمة، أو خوفًا من الفضيحة، وتكتفي بتحريمها أخلاقيًا، على الصعيد النظري، من دون تجريمها قانونيًا، في معظم الحالات، وأخطر ما في الأمر هو التستر على الاعتداءات وإسكات الضحايا وإعفاء المعتدين من العقاب.!

المجتمعات التقليدية حريصة كل الحرص على ألا تنشر (غسيلها الوسخ) بل تتركه يتعفن في عتمات النفوس والضمائر وظلماتها، وتستهين به العقول، باعتباره من سفاسف الأمور، فيصير السكوت على العدوان (الداخلي) وعلى “ظلم ذوي القربى” شيئًا مألوفًا في ثقافتها، مع أنه “أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند”. القوميون والإسلاميون في هذه المجتمعات هم الأكثر تسترًا على العيوب والاعتداءات، لكيلا تنجرح “أخلاق الأمة”، فيشمت بها الشامتون، خاصة أن هؤلاء قد اختزلوا الحداثة (الغربية) التي يعارضونها في “الانحلال الأخلاقي”، واختزلوا “الغرب” الذي يعادونه في الإباحية الجنسية والعهر الجنسي، وكذلك حكموا على الماركسية والشيوعية، وعلى الشيوعيين من بني قومهم (الشيوعي يتزوج أخته).

يحسب للحركة النسوية الحديثة أنها لا توجه نقدها نحو السلطات السياسية فقط، بل تتجه إلى كشف العيوب والأمراض، التي تصيب الجسم الاجتماعي، فتهدد سلامته، وتضعف مناعته الأخلاقية، فتفضح العيوب والاعتداءات، أو تعلنها على الملأ، وتدعو الأفراد إلى الاعتراف بما مارسوه من اعتداءات، أو بما مورس عليهم من اعتداءات، لأن الاعتراف يحرر الضمائر الفردية ويحرر الضمير الجمعي أيضًا، ويبني الأسس المعرفية والأخلاقية والقانونية، التي تحول دون تكرار الاعتداءات مرة أخرى، على نحو ما فعلت الحركة النسوية في حملتها الشهيرة: “أنا أيضًا” أو “أنا كمان” (Me Too)، التي يمكن ترجمتها معرفيًا وثقافيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، بـ “أنا أيضًا أهتم” بمعاناة الأفراد وحياة المجتمع، أنا -أيضًا- أهتم بالروابط الإنسانية والاجتماعية، وأحرص على توثيقها، أنا -أيضًا- عانيت ولا ينبغي أن أعاني مرة أخرى، أنا –أيضًا- اعتديت وأخجل من فعلتي، ولن أعتدي مرة أخرى…

لا يكون اعتداء إلا بوجود معتدٍ ومعتدى عليه أو عليها، لذلك تجب معالجة الاعتداء من هاتين الزاويتين معًا، وإلا فستظل الاعتداءات وآثارها جزءًا لا يتجزأ من البنية المعرفية والثقافية والنفسية والأخلاقية لكل من المعتدي والمعتدى عليها أو عليه، وتظل المشكلة الأخلاقية مطموسة ومسكوتًا عنها، قانونيًا وسياسيًا واجتماعيًا ودينيًا، على الرغم من انتشارها بشكل أو بآخر في المؤسسات الثقافية والتعليمية والسياسية والدينية وفي مجالات العمل.

# وأنا أيضًا أو (Me Too) وسمٌ (هاشتاغ) ابتكرته الناشطة في المجتمع المدني، تارانا بورك، وهي من أصل أميركي في عام 2006، عندما اعترفت لها طفلة، لا يتجاوز عمرها ثلاثة عشر عامًا أنها تعرضت للاغتصاب، فلم يكن من الناشطة إلاّ أن ردّت على الطفلة بهذه العبارة: (وأنا أيضًا) لأنها لم تجد جوابًا مقنعًا يعبّر عن المشاركة الوجدانية. ثم استخدمت العبارة على شبكة “ماي سبيس” الاجتماعية كحملة لتشجيع النساء على مقاومة التحرش الجنسي. لكن تلك الحملة لم تصل إلى المجتمعات المحرومة من التطور العلمي والتكنولوجي في ذلك الحين، فبقيت الحملة مقتصرة على المجتمعات المتقدمة، وقد أحدثت تغيّرًا ثقافيًا واسع النطاق، إلى أن انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي؛ فعاد الحراك إلى نشاطه في أكتوبر 2017، إثر فضيحة “هارفي واينستين الجنسية” في سينما هوليوود، حيث شاركت في هذا الحراك نساء من مختلف بلدان العالم؛ كل بحسب لغتها المحلية، وكان للرجال والشباب دور كبير في المشاركة أيضًا.

لم تقتصر الحملة على المطالبة الحقوقية والسياسية لتحرر النساء، إنما كانت أقوى حملة إنسانية على الإطلاق، حرّكت المياه الراكدة في الحكومات والمجتمعات المتقدمة، فأرغمتها على الاعتراف بمشكلاتها، وحثّتها على العمل لإيجاد حلول مناسبة لها، كما أفضت في النهاية إلى عقوبات قانونية ومواد تشريعية للحد من انتشار ظاهرة الاعتداء الجنسي، ودفعت بالأدب النسوي الغربي إلى انطلاقة جديدة تتحدث عن رفض النساء الخضوع للتابوهات الموروثة والبطركية الذكورية.

هل يمكن أن تحرك مثل هذه الحملة المياه الراكدة في المجتمعات العربية؟

إن معظم اللواتي انخرطن في تلك الحملة هنّ من النخبة الثقافية والناشطات والناشطين في منظمات المجتمع المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق النساء، مما أحدث تغييرًا لا بأس به في المجتمعات النخبوية (المتقدمة) حرصًا على ثبات واجِهتها الحديثة أمام العالم، مع أن تلك التجربة النضالية التي قامت بها النساء، لم تحقق مساواة عرقية في تلك المجتمعات التي ما زال التمييز العنصري قائمًا فيها حتى هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين، فما بالنا بما يحدث في  مجتمعات قائمة أساسًا على التمييز الجنسي والديني والطائفي والاجتماعي، وقائمة على مواريث تقليدية مشحونة بالذكورة والأبوية حتى النخاع.

ما يجري في سورية، وفي غير مكان من عالم الاستبداد، لا يسمح للمنظمات المدنية بإيصال المساعدات الإنسانية لمن تضرروا من ويلات الحرب، فكيف سيسمح لحملات الدفاع عن حقوق النساء، في ظل الهيمنة الأمنية وقانون الأحوال الشخصية الذي يهين النساء، وفي ظل قانون الإرهاب وقانون الجريمة الإلكترونية، الذي حقق نجاحًا مبهرًا في كم الأفواه ومصادرة الحريات العامة والخاصة في التعبير عن الرأي، وفي ظل الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعتبر النساء “ناقصات عقل ودين” و”الرجال قوامين على النساء”؟!

* اللوحة للفنان السوري بهرم حاجو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق