سلايدرقضايا المجتمع

الإنسان الشبكي السوري الأناركي ومكروه بلاده

قدّمت سلسلة (بلاك ميرور) مجموعة فرضيات، حول تأثير التكنولوجيا على الإنسان الفرد وعلى الإنسان الجماعة، وحاولت تقديم الوجه البشع والحقيقي لتلك الفرضيات، بل قدمت صورة سوداوية رائدة كشفت الكثير من خبايا إدارة الجماهير عبر التكنولوجيا، والتأثير فيهم وإدارتهم، في لعبة صراع الأمم، فكانت تلك الشعوب هي الأدوات الفعلية لتنفيذ تلك اللعبة الخطرة، التي أدت إلى تدمير الكثير من الدول العربية والأوطان.

وفي موسمها الثالث عام 2016، الحلقة السادسة، قدّمت (بلاك ميرور) حلقة “مكروه من البلاد” أو من الأمة بالأحرى، وقامت على لعبة الوسم أو الهاشتاغ عبر (تويتر)، حيث يختار الجمهور أكثر شخصية مكروهة في المجتمع، نتيجة رأي خاطئ أو فساد ارتكبته تلك الشخصية المستهدفة، وطرح عدة أسماء للتصويت عليها، وكان عنوان الوسم (الموت للشخص المنتقى)، لتبدأ حفلة الكراهية والمطالبة بقتل ذاك الشخص، والرقص على جثته ما أمكن، وكانت أدوات القتل غير متوقعة، وهي النحل الإلكتروني، الذي تستخدمه الحكومة البريطانية –بحسب بلاك ميرور- بحجة الحفاظ على البيئة، ولكنها بالحقيقة أقرب لرواية (1984) لجورج أورويل، بمعنى التطبيق الحرفي لفرضية “الأخ الأكبر”، و”أنا أراقبك” أي للتجسس على الشعب. ليتمكن متمرد على الشركة التكنولوجية الصانعة للنحل الإلكتروني، من وضع ملف أو سبام، بمعنى فيروس، يمكنه التحكم في تلك الحشرة المطلوب منها بالأساس، أو كما هو معلن، خلق توازن بيئي، وتلقيح الأزهار صناعيًا، لتتحول إلى أداة قتل لأشخاص بعينهم.

تتحول كراهية واستهداف شخص مكروه، بحسب الرأي العام، لتنقلب السلسلة ويتحول الأمر إلى قتل كل من شاركوا في وسم القتل والموت، ويبلغ ذروته ويصل عدد الضحايا إلى نحو أربعمئة ألف إنسان، فيتحول الأمر إلى مجزرة فظيعة وكارثة وطنية وإنسانية، وإبادة جماعية منهجية. فاللعبة بالنهاية تحولت من قتل متسلسل لشخصيات شهيرة في المجتمع، بصكّ غفران جماهيري مساعد وداعم عبر الشبكة، إلى إبادة لا هوادة فيها وخارج الوعي البشري واستيعابه.

لا نشك في أن النظام السوري هو شيطان مقيم ورمز الشر المطلق، كما أنه نظام قمعي، لن يتغير سلوكه ولن ينعكس ولن يتحسن، فهو جلاد بامتياز، لكنه بالنهاية كان الأداة المطلوبة لتنفيذ القتل غير المسبوق في التاريخ المعاصر. في مواجهته للجيل السوري الثالث، الجيل الشبكي السوري، فبعد جيل الاستعمار كان جيل الاستقلال، واليوم جيل ما بعد الاستقلال، القائم على فلسفة الأناركية الرافضة للسلطة بالمطلق، وتركزت رؤيته على شيطنة النظام ورأسه بشار الأسد، فكان الجمهور الثائر والرافض والمتمرد هو الضحية الفعلية والعلنية، لتواجه سورية الانقسام المجتمعي والاصطفاف، على الرغم من محاولة الثوار تنظيم مجتمع مدني متطور في كثير من الحالات، فدخل الإنسان السوري الشبكي أو الهومو شبكي بحربه السيبرانية، فواجه الجيش الإلكتروني السوري التابع للنظام، ووصف مؤيد النظام بالشبيح، وقام بإغلاق صفحات المؤيدين للنظام في هجمات إلكترونية، وطرح مفهوم “الدعس”.

هذا التوحش الآدمي الإلكتروني تحوّل إلى واقع جحيمي، وكان نتيجة وردة فعل طبيعية لعنف النظام، والغضب الذي ملأ النفس الشبابية السورية، والرغبة في الانتقام بلا هوادة، لتدخل البلاد نفق حرب مظلمة لا يمكن الخروج منها.

استعان النظام “الأداة” بحلفائه التقليديين، والذين لا يقلون إجرامًا عن إجرامه، وبعقلية الإلغاء والتطهير، وخلق “مجتمع متجانس” تضبطه دولة “تقليدية” تعود للعصور الوسطى بمفاهيمها القائمة على ما قبل الهوية الوطنية، كالطائفة والتحريض الإثني والمصالح الاقتصادية، وتعتمد نظريات داروينية قائمة على “البقاء للأصلح”، في فوضى عارمة وتسليح شعب مسالم رغمًا عنه، و”تعفين المناطق” الخارجة عن سيطرة النظام بالعسكرة والأسلمة المطلوبتين، ومن ثم اتباع سياسة الأرض المحروقة، والتطهير المدني الحضري والثقافي والتهجير، وبالتالي التطهير الديموغرافي الذي يعتمد على تجربة أيام “السفربرلك”، والأبارتهايد الصهيوني في فلسطين المغتصبة.

تحتل سورية قمة العالم العربي، من حيث موقعها الجيوسياسي والاستراتيجي، والأقرب لأوروبا، ونهاية طريق الحرير، وهي التتويج لصفقة تغيير العالم، عبر شرذمة شعبها وتدمير حضاراتها الأربعين، ومسح ذاكرتها وثقافتها وعمقها، وتفتيتها بات للأسف ضرورة عالمية لتحقيق جيل كوني ثالث أو ما يسمى جيل ما بعد الاستقلال، يتزعمه وادي السيليكون في أيديولوجية إنهاء عصر القوميات، وفرض عصر ما بعد الحداثة العديم الشفقة، والقائم على المصالح والصراع بين القوى الكبرى التي اتفقت على تدمير هذا البلد الصغير بحجمه الكبير بتاريخه.

نجحت أداة “بشار الأسد” في تنفيذ المطلوب، وإدخال البشرية في عصر ما بعد القوميات، وخلق الفراغ والفوضى “الخلاقة”، ونشر مفهوم “الهويات القاتلة” في نظام عولمة ليبرالية قاسية، وأناركية بشعة تتحكم بالهومو شبكي.

قسَم الثوري الشبكي السوري بقية السوريين إلى رماديين وشبيحة، واعتبر نفسه الأنقى والأفضل، وبالمقابل قسم النظام السوري القمعي شعبه إلى إرهابيين ومتجانسين، وكان الجميع في بوتقة اللعبة الحمقاء التي لم تُبقِ ولم تذر، من بلاد جميلة اسمها سورية.

فنسي الناس إيلان وعين كريم وحمزة الخطيب ودانا العابد، ومي سكاف وفدوى سليمان، وتمت حيونة الناس واقتيادهم لنهاية العالم، حيث “الغثيان” الذي تحدث عنه جان بول سارتر في روايته، وبات التعاطف مع الضحايا مجرد نفاق مجتمعي، ووسم يحركه تويتر وفيسبوك وإنستغرام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق