أدب وفنون

الأعراف برزخ بين جنتين

بجرأة فائقة يتناول الكاتب الشاب أنور السباعي موضوع العقيدة الدينية السائدة، جاعلًا منها محورًا لباكورة رواياته (الأعراف) الصادرة عام 2017 عن (كتابنا للنشر) مؤكدًا ضرورة الخيار الحرّ في العقيدة والفكر، وعلاقتهما بمسألة الحرية ذاتها، معتبرًا أن رفض حرية الخيار يناقض جوهر الدين، ويؤدي إلى إذلال الناس وقهرهم المادي والمعنوي باسم الدين والتدين. هذا والكثير غيره، كان حاضرًا في ذهن الكاتب المقيم في السويد والمولود في حمص1981 ، ويحمل ماجستير في الاقتصاد ودبلومًا عاليًا في الفقه وأصول الفقه، ويحفظ القرآن كاملًا، ولعلّ آراءه الجريئة كانت سببًا في منع روايته من الدخول إلى بعض الدول الخليجية.

في الملامح العامة للسردية الروائية:

وزع الكاتب محور روايته على شخصيتين متكاملتين، تناوبتا على السرد أخذًا وردًا، وتبادلتا الأدوار وتخاصمتا بود وتصالحتا، فعلى حين اتخذ الأول منهما (الإمام البلقيني) دور المستمع المستلب لتفاصيل سردية (غياث) ومظلوميته وآرائه التحررية المناقضة للوعي الديني السائد، وعن دور الشباب في الحراك الثوري السوري والتخريب المنظم في صفوفهم عبر رجال دين زائفين، عاد البلقيني يسرد سيرة حياته، مذ كان ملاحقًا، لعمله في تهريب الممنوعات، والتجائه إلى أحد الفقهاء في ريف دمشق وتنكره بزيّ رجل دين، متخذًا لنفسه اسمًا حركيًا، فهو يفتي ويؤذن بالناس بصوته الشجي ظاهرًا، بينما يعاقر الخمرة ويقدم خدماته لرجال الأمن خفية، حتى إذا هبّ الحراك الشبابي بعد الثورة السورية آذار2011، وأصيبت ابنته بشظية ستودي بحياتها لاحقًا، صحا ضميره وراح يعمل على التخلّص من تأنيب الضمير والتطهّر، ويطلب العفو من غياث لقاء معروفه، بعد أن قدم قلب طفلته المتوفاة لابنة غياث فأنقذ حياتها، وبهذه العطية وبدلالتها المعنوية، يؤكد البلقيني عودته إلى ضميره، ومن هنا كان قد طلب من مسؤوله في السجن نقل غياث، ليكون شريكه في سجنه في غرفة خاصة، لتتحول عتمة السجن إلى مسرح لروايتين، تسيران في خطين يتوازيان حينًا ويتقاطعان أو يتنافران وفي أجوائها، يتعايش (الصديقان العدوان) كنديمين يشربان الكحول ويدخنان كثيرًا ويأكلان طعامًا مرفهًا يؤمنه لهما الحراس وعناصر الأمن، بتوصية خاصة من عملاء الأمس وفاء لخدمات الإمام البلقيني، الذي يقضي سجنه بعيدًا عن الأضواء.

وعلى الرغم من وضوح وحماسة الكاتب لمنحاه التنويري ولنهجه التحرري في مسألة العقيدة، فإن طابع العلاقة الميتافيزيقية التي ربطت بين (البلقيني وغياث) أشارت إلى استمرار مرجعية الوعي المثالي والديني، لتشكل هذه المرجعية وهذا الحشد المعرفي (الثقافي) المهم، أحد أقوى الضغوطات على سياقات السرد اللغوية والفنية المحصورة بدورها في الزمكان المحدود (غرفة السجن) فبدا هذا القيد وكأنه انعكاس لطبيعة ذلك الفكر النقدي الضاغط، رغم عمقه وأهميته، مما حدا بالكاتب إلى إجراء عمليات تجريح وتركيب وتقارض بين الشخصيتين، لإنارة هواجسه وأفكاره وتحميلهما مسؤولية إلقاء الضوء على الحراك الشبابي في الثورة السورية، وإضاءة موقع نماذج من رجال الدين ورجال السياسة ورجال الأمن، ولكن الأهم والجوهري، ظلّ في الدخول المباشر في عمق الرائج والسائد الديني ونقض الكثير منه.

واللافت أن الكاتب لم يتوقف عند ثقافته الدينية التقليدية والتوثيقية، بل تعداها إلى فكرة فلسفية لها استقلاليتها، وفيها يقول الإمام لغياث: “لا يوجد نار يا غياث، إنهما جنتان، والأعراف بينهما، أعرافك التي ستسكنها لوحدك”. ويجيب غياث: “كلنا ذلك الإنسان الرمادي، الذي تتساوى حسناته بسيئاته” بينما ينتفخ كالطاووس بالعفة؟ … “هي الأعراف، ستسعنا بكل آثامنا وحسناتنا، بكل قبحنا وجمالنا، فيها سنبني تمثالًا للإنسان”.

وفي حرارة اندفاع الكاتب عبر نائبه غياث، لتفنيد الحجج وتثبيت رأي مخالف لها، جرد الكاتب من شخصية غياث شخصية (الشيخ البلقيني) التي ظلت ملازمة له ولم تتحرر منه تمامًا، حتى وهي تخالفه في بعض آرائه، من دون أن تترك مسافة للمفاجأة والتباين معها، فالشيخ البلقيني الملتبس يقع ضحية أمثاله من المخبرين، وبهم يتمّ اختراق الجبهة المعارضة ويتعرض غياث وشباب الحراك بسببهم لأشد أنواع التعذيب في المعتقلات.

وهكذا تكامل المبنى الروائي فنيًا: إطار زمني مكاني يلبس رداء الثورة السورية وينضح من معينها وزخمها، ومن عنف النظام وأساليبه، والمتن الروائي: ويتضمن كل تداعيات السرد، من اعتقال وتدبير ومواجهة نمت بالعلاقة مع هذا الإطار الزمكاني ونضجت من خلاله. وقد استعاض الكاتب عن الأوصاف الجسدية ليركز الانتباه على البنية العصبية والنفسية للبطلين وردات فعلهما ومجمل التوترات التي كشفت غوامض شخصيتين تقاربان النضج الفكري، من دون أن تقطعا مع الماضي قطعًا نهائيًا، مما يفسح في المجال لحوار غني لا ينتهي، بل يستمر في أجواء القطبية الثنائية والخلوة وتتابع الحلقات والانطلاق بالمكان والزمان، من الثابت والساكن إلى المتحرك والمتبدل.

وفي المحصلة النهائية؛ تشكل رواية (الأعراف) -برأيي- نوعًا من العصف الذهني الوقّاد والنقد العميق، الذي لم يزل متأثرًا بطابع الخطاب الإسلامي الدعوي الحار والرسالي الاستعلائي، الذي ظهر في تقديمه للرواية بقوله: “إلى تلك البقعة من الجغرافيا التي مزقها التاريخ، إلى كل الذين صنعت من أشلائهم أصنام الأيديولوجيا”.

لقد أفلح الكاتب بتقنية السرد المتداخل، فعبر السارد الرئيسي (الشيخ البلقيني) تعرّفنا إلى شخصية غياث ودوره كأحد ناشطي الثورة، الذين عولوا في تظاهراتهم وتحركاتهم على توجيهات رجال دين وأئمة مساجد، فأوقعوا بهم في مصيدة الأجهزة الأمنية، وكانت فرصة لكشف الكثير من الالتباسات التي شغلت تفكير غياث، وطرح الأسئلة كثيمات، تكشفت عبرها العلاقة السببية التي قادت غياث من الإيمان إلى الشك، ومن ثمّ المغايرة والخروج من دائرة التدين المغلقة، وصولًا إلى حديثه عن أخطاء كبرى في قراءة النص الديني ونقض رواية الأحاديث النبوية برمتها، لكونها رواية مختلقة وضعت لتخدم أهل السلطة حينًا والمؤسسات الدينية والفقهية.

ومن الفكر الجريئة اللافتة، قول غياث: “أحفظ الأجزاء الأربعة الأخيرة، وبعضًا من السور التي أحبّها كسورة مريم، طه، يوسف”، ثم يعلل ذلك بقوله: “قافيتها رقيقة وتدخل القلب، إن كاتبها مبدع”، بينما يعلق الشيخ على كلامه: “ولم يعجبني قوله: “كاتبها مبدع”، ويتابع: “شعرت فيها عبارة ملغمة” ص33

وفي الخاتمة اللافتة، يقول الشيخ لغياث: تخيل أن كل ذلك فعلته بك، ثمّ ختمت نفاقي الأزلي، ختمت تاريخي الأسود كله، بأن أهديت ابنتك قلب ابنتي، فهل كنت لتسامحني؟ هل تسامحني؟ ص375

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق