كلمة جيرون

إسقاط الجميع

بعد ريف دمشق، والغوطة، والجنوب السوري، وحلب والرقة وغيرها، دارت رحى عنف النظام لتطحن أهل إدلب ومئات ألوف النازحين فيها، بمساعدة روسيا وغيرها من حلفاء السوء، ولتعيد “هيئة تحرير الشام” سيناريوهات مشابهة تبادلتها مع النظام، بتسليم مناطق من دون قتال، والتمترس في مناطق كان من الأجدى عدم تحويلها إلى جبهات.

كثيرة هي العوامل التي أعاقت نجاح الثورة السورية، ومنعتها من تحقيق أهدافها، غالبها يرتبط بالعسكرة، وباعتقاد الجميع -نظامًا ومعارضة- أن قعقعة السلاح ستحقق الهدف، وأوهام أن القوة وحدها هي وسيلة الحفاظ على السلطة والنفوذ.

أولى هذه العوامل المتعلقة بالعسكرة هي عنف النظام، وتسخيره إمكانات الدولة الحربية كاملة لترسيخ سلطته، واستباحته كل المحرمات الأخلاقية والإنسانية والقانونية، واستخدامه كل الوسائل والأسلحة اللاإنسانية لتدمير أحلام الشعب، المسموحة والمحرمة دوليًا، واستدعاؤه الإيرانيين والروس وكل أفّاقي الأرض وميليشياتها ومرتزقتها، لدعم مشروعه.

ثاني هذه العوامل هي اعتقاد من أطلقوا على أنفسهم معارضات عسكرية، رخوة كانت أم معتدلة أم متشددة، فصائل وجيوشًا وهيئات وتنظيمات، أن لغة السلاح هي البديل الوحيد لفشل المعارضة السياسية التقليدية، فتعددت هذه الفصائل وتنوعت، وتم اختراق بعضها من النظام وغيره، فتفرقت وبرز نجم المتشددة منها، واعتمد غالبها مبدأ التجريب والتعلّم والعبثية والاستسهال والذاتية والمحاصصة والمناصب والمكاسب والمحسوبيات، وتناسوا -أو غضوا الطرف عن عمد- أن عنف وجبروت وانحطاط النظام وحلفائه الدوليين سيُدمّر أي احتمال لتوازن القوى العسكرية، وأن الانكسار حتمي، حين تكون أساليب الحرب الكلاسيكية هي المتّبعة.

ثالث هذه العوامل هو الفصائل “الكردية” التي شكّلها “الاتحاد الديمقراطي”، واستقدم إليها مقاتلين من الخارج، وتعاون مع طيف واسع من الحلفاء غير النظيفين لتمكينها، وبدلًا من أن يدعم فكرة الهيئة الحاكمة التي يمكن أن تُحصِّل للأكراد السوريين حقوقهم، دعَم إدارة ذاتية وفيدرالية وميليشيات، وحلًا عسكريًا يزيد النطاق الجغرافي لحلم الفيدرالية، وانفلتت هذه الفصائل وآذت وتمردت، وتناست -أو غضت الطرف عن عمد- أن مصيرها مرتبط بجرّة قلم من داعمها الأميركي.

صحيح أن العوامل الإقليمية والدولية التي ساهمت في إعاقة تحقيق الثورة السورية لأهدافها، أكثر من أن تُحصر، لكن الجانب العسكري الذي قام به السوريون كان أسوأها.

لم يستطع النظام السوري فرض السيطرة على أي منطقة سورية من دون دعم حلفائه، ولم يستطع -على الرغم من كل عنفه- أن يقضي على روح الثورة، ولم يستطع الحفاظ على الجيش من الانهيار والتفكك، ولم يستطع ضمان الأمان والاستقرار حتى في المناطق المؤيدة للنظام، كذلك لم يستطع تقديم نفسه إلا كمافيا حاكمة مؤقتة طارئة مارقة.

لم يستطع أي فصيل عسكري معارض تقديم مثال جيّد بديل عن النظام، ولا حتى في نطاق سيطرته الجغرافية، مهما كانت صغيرة، ولم يستطع أي فصيل عسكري معارض أن يمنع حمم النظام وروسيا عن المدنيين، ولم يستطع أي فصيل عسكري معارض الثبات في مكانه أو أن يُحقق توازن قوى، ولم يستطع أي فصيل منها تقديم ممثل أو جناح سياسي، أو أن ينسج علاقات دولية مستقرة واضحة مستقلة.

كذلك، لم تستطع القوات الكردية حماية أي كردي سوري، ولم تستطع السيطرة على الأرض إلا بعد أن أصبحت تابعة للأميركيين، ولم تستطع وقف تدمير البلدات والمدن التي كان يقيم فيها الأكراد، ولم تستطع السيطرة على عنفها حتى ضد القوى الكردية الأخرى، كذلك لم تستطع أن تفرض نفسها كقوى وطنية أو إنسانية أو عقلانية.

رفض السوريون النظام العسكري الأمني، وقاموا بثورة ضدّه، وضد سلاح دفعوا ثمنه فاستُعمل ضدهم، وهم اليوم يرفضون عسكرةً لم تجلب لهم إلا الخراب والدمار والتخلف والحاجة والفاقة. وإسقاط النظام العسكري الأمني يعني بالضرورة إسقاط عسكر النظام وعسكر المعارضة وعسكر الأكراد وعسكر (النصرة) و(داعش) وغيرهم، ودون ذلك ستبقى سورية في دوامة عنفٍ لا نهاية لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق