هموم ثقافية

في ضراوة الوجود المسرحي

يُبتلى الفن المسرحي اليوم، بسبب وسائل الإعلام وخساسة رهطٍ من النقاد، بالعديد من الأزمات الفظيعة. بفضل هؤلاء الذين يمكن توصيفهم بـ “كلاب السوق الحديثة”، تمت عملية الإجهاز على نبالة هذا الفن: ربما من خلالهم صعد مئات المنتسبين إلى المسرح، وهم في حقيقة الأمر مجرد مزيفين، وربما بفضلهم –أيضا- تمت عملية خصي العديد من المبدعين. على الأرجح إنهم سفراء لكافة الأسواق المسرحية، نراهم مثل مرتزقة الحروب الذين تسعدهم فلاحة الخراب. لا شيء في حالة كهذه يدعو إلى تحطيمهم أو كنسهم من الوجود، فمن الطبيعي جدًا أن يتغذى القُراد من لحم الإبل والخيل، ثم إن عملية دحضهم نهائيًا من نبالة هذا الفن لن تفضي إلا إلى معركة “دونكيشوتية” وخاسرة، فهؤلاء وجدوا أرضية ملائمة وخصبة للتكاثر، بعدما أصبحت مدننا تعج بالمهرجانات المسرحية، تلك التي تحتاج إلى رعاية إعلامية وحملات للدعاية، كي تدعي فيما بعد، أنها الأهم على مستوى الممارسة الثقافية، ثم إنهم في حاجة ماسة إلى ملء فراغات صحفهم ومدوناتهم الافتراضية كي يحافظوا على وجودهم، لذلك نراهم مثل الجراد الذي يلتهم كل شيء، فهم يفهمون في الشعر والرواية والسينما والمسرح والرسم وكل الفنون. وعلينا أن لا نبتئس، فمنهم من احترف الكتابة الصحفية في أواخر عمره، وأصبح يقدم نفسه اليوم كناقد أو باحث أو مختص، ومنهم من حوّل جريدته إلى بوق دعاية لإحدى الوزارات، فاحتكر المعرفة وحصد الجوائز وصار قدوة يحتذى به.

يجب ألا نغضب من هؤلاء المغتصبين: نفايات المعرفة وملتهمي لحم اللغة المترهل. على العكس من ذلك، إن من فتح لهم قلاع الفن المسرحي هم المسرحيون أنفسهم. لقد أصبح من البدهي جدًا أن نعثر على بعض النقاد يسافرون من مهرجان إلى آخر، نرى أحدهم اليوم في تونس، فإذا بنا نحدده بعد أسبوع في المغرب الأقصى، وإذا أردنا التركيز مع هجرته فسنراه بعد شهر في مصر، ومنها إلى الأردن فالإمارات، ومنهما إلى الكويت، ومنهم جميعًا إلى مهرجان جديد ربما في لبنان أو فرنسا، هؤلاء النقاد -بوصفهم سفراء المعرفة والمشاركين في الندوات العلمية والفكرية لتلك المهرجانات- تحولوا إلى ما يشبه الببغاء الذي يكرر الكلام الذي يسمعه، أو لنقُل بوضوح وصراحة، إنهم يشبهون كثيرًا الأفعى، تلك التي تلتهم ذيلها في آخر المطاف، فهم يقدمون الورقة النقدية نفسها في تلك المهرجانات كافة، مع تغيير طفيف لعنوانها، ومن دون مراعاة علمية أو فكرية لموضوع تلك الندوة مقارنةً بالأخرى. هؤلاء الذين سبق لي وصفهم بالنقاد البرابرة، على عِلمٍ واضح بأنهم ميتون على الصعيد الفكري والإنساني، ووعيهم بهذا الموت هو ما جعلهم اليوم يعفنون المشهد المسرحي، ويمارسون أبشع الجرائم ضد المسرحيين الذين قرروا بشكل واضح مغادرة صالونات الندوات؛ إذ نادرًا ما نراهم يجلسون أمام ذلك العواء اللغوي الذي تطلقه ألسنة تلك الجيف.

أولئك المسرحيون الذين ظنوا أنهم، بقتلهم النقاد، حققوا النجاة، هم الآن يمارسون أفظع الجرائم أيضًا، لقد استبدلوا البرابرة بتجار جدد: إنهم الإعلاميون طبعًا. ولأننا لا نروم دحض هؤلاء الذين تحدث عنهم الشاعر معين بسيسو بالقول: “الهدهد المخصي كاتبه، وحاجبه ذبابة”، فالأجدر بنا تصنيف طبيعة هؤلاء المسرحيين أنفسهم.

بارونات المسرح

هؤلاء هم الكبار، من يمتلكون ظروفًا إنتاجية ضخمة، كوزارات الثقافة أو مراكز الفنون الدرامية والركحية أو المسارح الوطنية، أو أصحاب الأفضية المسرحية الكبرى، ممن لهم علاقات بشبكات التمويل الكبرى، وبإمكانهم تجنيد أقلام الإعلاميين تحت شعار مبتذل ومنحط وركيك مثل: “ملحق صحفي”، طبعًا، ستسيل أقلام هؤلاء ممجدة تلك العروض المسرحية التي تم إنتاجها، وسيتواصل هذا التمجيد إلى درجة تطغى على كل رأي يرى في تلك العروض بعض النقائص، وإلى درجة لا يجد أي نص تحليلي مخالف لها، مكانة له في الجرائد أو الصحف. على هذا النحو ستكون النتيجة سيادة تلك الخردة المسرحية على السوق المسرحية. هكذا تتواصل اللعبة بشكل فج إلى أن تتحول المغالطة إلى حقيقة.

المزيفون والمتسلقون

هؤلاء هم أصحاب الشركات والجمعيات المسرحية، يستلون وجودهم المسرحي من منافسة الكبار، ولا حلول أمامهم في سياق الدعاية لأعمالهم إلا شراء ذمم الصحفيين المفلسين، أولئك الذين يكتبون مقابل ثمن زهيد: عشاء متواضع في حانة على سبيل المثال، وعد كاذب بالسفر إلى مهرجان مسرحي في صورة حصول هذا العرض أو ذاك على دعوة للمشاركة في مهرجان ما. هكذا تستمر اللعبة بشكل كوميدي ومقرف، ولا ضحية لها إلا نبالة الفن.

المهمشون والغاضبون

هؤلاء هم الذين فتحوا أفضية مسرحية خاصة، ولم يجدوا لها دعما لوجستيًا أو ماليًا، وهؤلاء –أيضًا- هم الذين يمتلكون شركات خاصة على أبواب الإفلاس، ولا قدرة لهم على شراء أقلام الصحفيين، فعولوا على غضبهم الخاص، فنراهم يطلقون الشتائم ضد الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي، ونراهم -في حالة تقديم عرض لهم أمام الجمهور- يسارعون في إنزال صورهم على (تويتر) و(فيسبوك) كضرب من الفخر ومديح الذات.

طبعًا، إن أي قارئ لهذا النص لن يحتمل ضراوة لغته الغاضبة، سواء كان من الإعلاميين أو النقاد أو المبدعين. فهو نص لا يفتح أفقًا معرفيًا، ولا يسعى أن يكون تفاعليًا مع المشهد المسرحي، بقدر ما يعد ضربًا من الاشتباك ضد الكل. ولكن: اهدأ، أيها القارئ، تنفس رائحة الأوكسيد الجمالي الذي نعيشه جميعًا، فأنت على يقين مر بحقيقة هذا الواقع، وما سيل هذا الغضب الذي نطلقه عليك الآن إلا رجة تصيبك لعلك تتوقف ولو ثانيةً للتفكير، وهذا هو الهدف مما نكتبه الآن: أن تتوقف للحظة فحسب، كي تتأمل فاجعة هذا الخراب الذي يطوف بنا جميعًا، بعدها لنتساءل معًا: كيف يمكن اختراع وجود مغاير للمسرح خارج كل ذلك الزيف؟ كيف نواجه توحش السوق وسلعنة هذا الفن بتوحش جمالي مغاير يكرس الانتماء إلى المسرح عينه لا إلى شكل وجوده الحالي؟

أنت وحدك أيها القارئ من سيقرر، أما نحن فحسبنا إطلاق الرصاص في مياهك الراكدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق