اقتصادسلايدر

رمضان سورية… جيوب السوريين فارغة وسماسرة الحرب يشعلون الأسعار

أطلّ شهر رمضان على الشعب السوري الذي يشكو من تدهور الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار والاحتكار والاستغلال وتراجع القوة الشرائية، قياسًا إلى ضعف رواتبهم، وذلك بعد سنوات من حرب نظام بشار الأسد ضد شعبه، التي ما زالت مستمرة.

يبلغ راتب الموظف أو العامل في القطاع الحكومي ما بين 30 إلى 40 ألف ليرة شهريًا (الدولار الواحد يساوي نحو 570 ل.س في السوق السوداء)، وبعض الناس يضطر إلى استئجار منزل بعد أن شردتهم آلة القتل والتدمير (الأسدية، الروسية، الإيرانية) من مناطق سكنهم، في وقت وصل فيه سعر إيجار المنزل بمناطق العشوائيات بالعاصمة والريف الدمشقي إلى ما بين 60 و90 ألف ليرة شهريًا.

واقعٌ كارثي يعيشه المواطن السوري في المناطق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، يزيد من معاناته في هذا الشهر الفضيل جشع التجار وسماسرة الحرب الذين يرفعون أسعار المواد الغذائية والخضار واللحوم قبل حلول شهر رمضان بأيام، من دون الاكتراث بفقراء الحرب، ومما يزيد الأمر تدهورًا غياب الدولة؛ فلا رقيب ولا حسيب في أسواق دمشق وريفها.

تسمع فقط -دون أن ترى- عن مبادرات خيرية تنظمها جمعيات قريبة من النظام، وعن موظفين أو مراقبين يمثلون وزارة التموين ووزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، تلك التي اشتقتها حكومة الأسد من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، لتساير بها الآثار المربكة لاقتصاد السوق المحلي، أو هيئة المنافسة ومنع الاحتكار التي أنشأها النظام مطلع لعام 2012 زاعمًا أنّها لمحاربة الاحتكار داخل السوق السورية.

تجارٌ يتقاسمون بينهم أرزاق الحرب، وإن كانت قوتَ الناسِ نفسه، فغابت الأسعار الحقيقية للسلع في السوق، بعدما جرى على نحو حثيث ربطها بسعر صرف الدولار داخل السوق السوداء. فمنذ اليوم الأول لشهر رمضان شهدت كل المنتجات الزراعية والسلع الصناعية المحلية والمستوردة والمهربة المتوفرة في أسواق دمشق زيادة كبيرة في الأسعار، لا قدرة لأبناء الطبقات المعدومة والفقيرة والمتوسطة من سكان دمشق وريفها على تحملها.

الحصار يفاقم آلام وعذابات السوريين

الملاحظ هنا أنّ عادات شهر الصوم بدأت تتغيّر مع الأزمات التي تعرض لها أبناء البلد، فبعد ثماني سنوات عجاف، جرفت آلة الحرب الأسدية أحلام السوريين، وبات معظم الناس عاجزين عن تأمين أبسط احتياجاتهم من الطعام واللباس والدواء والسكن اللائق، في ظل همجية النظام وإرهابه، الذي جر البلاد بحربه المجنونة ضد الثائرين السوريين، إلى حصار خانق تفرضه المجموعة الدولية، برعاية الولايات المتحدة الأميركية، التي لا يعنيها أبدًا آلام وعذابات السوريين.

ولا يحتاج الأمر إلى خبراء اقتصاد للقول إنّ ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية انعكس بشكل سلبي على أوضاع المواطن السوري، الذي يُعد الضحية الأولى للتدهور الاقتصادي في بلاده.

إنّ كثيرًا من الأسر السورية باتت اليوم تجد نفسها مُضطرةً للاستغناء عن جُزء كبير من قائمةِ احتياجاتها التي ألِفتها فيما مضى، وبخاصة في شهر رمضان، مكتفيةً بالحد الأدنى الذي يلبي حاجاتهم الأساسية، ويزيد من تقشفهم الإجباري.

أما التجار وسماسرة الحرب فهم يدركون أنّهم يسرحون ويمرحون في (سورية الأسد)، التي أراد لها وزراء الأسد وكبار ضباط جيشه الطائفي، أن تكون ذات اقتصاد غنائم لفئة أو فئات محددة، وما تجليات الصراع الراهن سوى تمكين إضافي وفئوي للبعض لمزيدٍ من إثرائهم، وإفقار بقية السوريين الذين غرقوا في حضيض الإفلاس الحقيقي.

مصادر صحفية من دمشق ذكرت، أنّ أسعار السلع الغذائية ارتفعت خلال الأسبوع الجاري وبمقدمتها اللحوم ومشتقات الحليب. مشيرةً إلى أنّ سعر كيلو البطاطا والبندورة وصل إلى 450 ليرة، والليمون والباذنجان 400 ليرة، والخيار 350 ليرة.

أما فواكه الصيف فقد صارت حلمًا من أحلام الأفواه الصائمة، وقلةٌ الذين يستطيعون شراء القليل منها، فيما ارتفعت أسعار السلع الأكثر مبيعًا في شهر الصوم أكثر من 15 بالمئة، في مقدمتها الأرز الذي وصل سعر الكيلو غرام منه إلى 600 ليرة، والسكر 300 ليرة، والشاي والقهوة 3500 ليرة، والأجبان نحو 2400 ليرة. كما شهدت أسعار اللحوم الارتفاع الأكبر، ليصل سعر كيلو الدجاج نحو 1400 ليرة ولحم الخروف نحو 6000 ليرة، والعجل نحو 5000 ليرة.

ويتوقع اقتصاديون سوريون، بحسب تقارير صحفية، استمرار ارتفاع أسعار السلع والمنتجات الغذائية خلال شهر الصوم إلى أكثر من ذلك، مع شح المازوت والبنزين وارتباط المحروقات بالعمل الزراعي والصناعة.

شبح المجاعة: 11.7 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدات

هيئات المنظومة الأممية، أعلنت نهاية شباط/ فبراير الماضي، أنّ نحو 11 مليون و700 ألف شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي 2019، في جميع أنحاء سورية.

رينا غيلاني، نائبة مدير شعبة التنسيق والاستجابة التابعة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، قالت خلال جلسةٍ لمجلس الأمن الدولي عن الوضع الإنساني في سورية: إنّ “مستويات مروعة من الاحتياجات الإنسانية ما تزال قائمةً في جميع أنحاء سورية، ويحتاج نحو 11.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية هذا العام، في جميع أنحاء البلاد”.

يبلغ عدد سكان سورية وفق أخر إحصاء رسمي بدمشق، نحو 23 مليون نسمة، وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت، في بيان رسمي في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أنّ 13 مليون مدني من سكان سورية بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، من ضمنهم أكثر من ستة ملايين من النازحين داخل البلاد،ممن هربوا من لهيب معارك نظام القهر وأشباهه، الأمر الذي يهدد معظم السوريين بمجاعة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن.

تقارير صحفية أشارت إلى أنّ المواطن السوري يعاني حالة تفقير، يصفها مراقبون بالمتعمدة من قِبل النظام الأسدي الذي لم يستجب، على مدى الأعوام الأخيرة، إلى طلبات زيادة الرواتب والأجور التي تقدمت بها جهات حكومية ونقابات مهنية، بعد أن وصلت تكاليف معيشة أسرةٍ مؤلفة من خمسة أشخاص، وفق مؤشر قاسيون الاقتصادي بدمشق، نحو 311 ألف ليرة، بينما الأجور مثبتة والأسعار في ارتفاع متواصل تجاوز الـ 10 أضعاف خلال تسع سنوات.

تقرير إسرائيلي: سكان دمشق يصارعون من أجل البقاء

تقريرٌ نُشر في صحافة العدو الإسرائيلي قبل أيام من شهر رمضان، وتحديدًا في 30 من الشهر الماضي، تحت عنوان “بعد أن اجتازوا الحرب.. سكان دمشق يصارعون من أجل البقاء”، جاء على وجه من أوجه معاناة السوريين الذين ابتلاهم الله بنظام جعل العدو الأول لهم يبكي أحوالهم ويروي بعضًا من مآسيهم.

جاء في مقدمة التقرير، الذي نشر في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، “الشارع الذي يؤدي من الحدود مع لبنان إلى دمشق لا يترك أي مجال للشك فيما يتعلق بهوية المنتصر في الحرب التي تركت ظلًا ثقيلًا على الشرق الأوسط في السنوات الثمانية الأخيرة. (أهلًا وسهلًا بالقادمين إلى سورية المنتصرة)، كتب على لافتة عريضة تعرض صورة الرئيس بشار الأسد وابتسامة كبيرة على شفتيه، في ظل علم سورية”.

ونقرأ أيضًا في التقرير الذي حررته الصحفية دونا أبو ناصر، “على الرغم من أنّ الحرب لم تنته بصورةٍ رسمية، إلّا أنّ الواضح للجميع أنّ هذه اللافتة ومثيلاتها، تمثل الوضع على الأرض بصورة دقيقة، ولكن بهجة الانتصار لم تجلب معها للسوريين بشرى إعادة الإعمار ووعدًا بالتجدد. يبدو أنّ الحرب لم تنته، بل تغيرت فقط: المواطنون المتعبون والمصدومون من العنف الفظيع يركزون أنظارهم على محاولة البقاء داخل اقتصاد مدمر، لا يظهر أي علامة على البعث، ولا تلوح في الأفق أرباح من السلام”.

أبو ناصر، تلفت في تقريرها إلى أنّه “بحسب تقديرات الأمم المتحدة، سورية بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار من أموال المساعدات من أجل إعادة تحريك الاقتصاد. وهو مبلغ لا تستعد إيران وروسيا، حليفتا سورية أثناء الحرب، إلى تقديمه”.

وأشارت أبو ناصر في تقريرها إلى أنّ تداعيات صراعات القوى جعلت من دمشق مدينة تشهد “تزايدًا كبيرًا في عدد السكان في سنوات الحرب. حيث هرب المواطنون إليها من القتال الجاري في مناطق أخرى. الآن يبلغ عدد السكان فيها أكثر من 6 ملايين نسمة، وهذا تقريبًا ضعف العدد الذي كان قبل ثماني سنوات. هذه مدينة أخرى بمفاهيم كثيرة. في السنوات التي سبقت الحرب كانت العاصمة السورية تعج بالحياة مع قدوم الربيع؛ عربات مكدسة باللوز الأخضر في شوارعها، سكانها كانوا يجلسون خارج المقاهي ويدخنون النرجيلة، عائلات كانت تخرج للتنزه. ولكن في زيارة للمدينة في الشهر الماضي، كانت تبدو باهتة تمامًا، الحركة في الشوارع قليلة، الملاهي التي امتلأت بالزبائن في السابق تقف الآن فارغة في معظمها، والبائعون في السوق القديمة يشتكون قلة الزبائن. الحوانيت التي ما زالت مفتوحة اضطرت إلى التزود بمولدات بسبب انقطاع الكهرباء الدائم”.

التقرير نقل شهادات لمواطنين سوريين، منها شهادة لشخص يدعى سالم صالح، موظف حكومي (50 سنة)، خرج للتو من سوق الخضار والفواكه بأيدٍ فارغة قائلًا: “لم أشتر أيّ شيء لأنّ كل شيء غال جدًا”، وقد توقع أن يكون سعر كيلو البطاطا 300 ليرة سورية (أقل من نصف دولار)، لكن السعر كان 400 ليرة بسبب ارتفاع أسعار النقل في أعقاب النقص في الوقود، وبالنسبة لصالح الذي يكسب 70 ألف ليرة سورية في الشهر، هذا كثير جدًا، وليس بمقدوره اعتماد فرق 100 ليرة للكيلو.

يضيف التقرير: “الأزمة هي أيضًا نتيجةٌ للعقوبات التي فرضت على سورية منذ القمع العنيف الذي مارسته الحكومة على المتظاهرين في 2011. هذه الأزمة أضرت بصناعة نفطها وقلصت الاقتصاد، الفاسد أصلًا، الذي لم تتم إدارته كما يجب. كل هذه العوامل مجتمعةً أدت إلى أنّ 83 بالمئة من السوريين يعيشون الآن تحت خط الفقر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق