سلايدرقضايا المجتمع

حرية الصحافة من حرية الوطن

في بلدٍ اكتسحته آلة الحرب، ردًا على نداءات الحرية ونيل المطالب والحقوق، تغيّرت كثير من الثوابت في أذهان السوريين، ممتلكين بعضًا من قدرتهم على التعبير والرفض، بعد سنوات طويلة من القمع والاستبداد وتحكّم الأفرع الأمنية وقانون الطوارئ في حياتهم المدنية، إلا أن هذه القدرة على التعبير التي اكتسبها السوريون مع الخروج من عنق الزجاجة، لم تُلغِ ثوابت القمع ومصادرة الحريات ككل، ومنها حرية الصحافة. حيث شكلت سورية بيئة نموذجية لشرعنة الرقابة، ولاستسهال هدر الحقوق الفردية والمجتمعية.

منذ عام 2002، بمبادرة من منظمة (مراسلون بلا حدود)، يُنشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة، مستندًا إلى قياس حالة حرية الصحافة، انطلاقًا من تقييم مدى تعددية وسائل الإعلام واستقلاليتها وبيئة عمل الصحافيين ومستويات الرقابة الذاتية، فضلًا عما يحيط بعملية إنتاج الأخبار من آليات داعمة، مثل الإطار القانوني ومستوى الشفافية وجودة البنية التحتية، وضمن هذه المعطيات، ستبقى حرية الصحافة بكافة مضامينها، التي يصادف الاحتفال بها في 3 أيار/ مايو، حلمًا وهدفًا يكافح لأجله آلاف الصحافيين والمنظمات الصحافية والحقوقية حول العالم.

انكسار هوامش الصمت في سورية، لم يجعل واقع الصحافة والصحافيين أكثر تقدمًا، فسورية صنفت -عالميًا- كثاني أكثر البلدان فتكًا بالصحافيين، بعد أفغانستان، خلال عام 2018. والانتقال على سلم التصنيف العالمي، من المرتبة 177 من أصل 180 دولة عام 2018، إلى المرتبة 174 هذا العام، لا يلغي خطورة العمل الصحافي في سورية، وانتهاكات حرية الصحافة، وذلك رغم انقسامها بين جهتين “النظام والمعارضة”، لكل منهما صحافته المستقلة والمختلفة. فالسلطة السورية تدرك جيدًا أن أقلام الصحافيين أخطر من السلاح. وقد وثّق المركز السوري للحريات الصحافية في رابطة الصحافيين السوريين بتاريخ 4/3/2019 في تقريره الدوري، مقتل 446 إعلاميًا منذ آذار 2011، منهم مقتل 31 إعلاميًا تحت التعذيب في سجون النظام.

كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 508 صحافيين على يد قوات النظام منذ آذار/ مارس 2011 حتى العام 2016، فضلًا عمن يقبعون في السجون ويحاكَمون في محكمة الإرهاب التي تعمل كبديل فعلي عن محكمة أمن الدولة، وتمارس دورها في الاعتقال التعسفي وتفصيل التّهم الفضفاضة للمعتقلين، والتي تجد سندها في قانون العقوبات السوري والمواد الخاصة في الجرائم الواقعة على أمن الدولة، ومنها التهمة القديمة “المتجددة” النيل من “هيبة الدولة والانتماء الوطني لدى المواطنين!”.

تهديد الصحافيين ليس جديدًا، فمن المعروف أن معظم الكتّاب والصحافيين السوريين توجهوا للنشر خارج حدود الوطن في الصحافة العربية أو الأجنبية. لكن الحديث عن “هيبة الدولة” في دولة باتت مستباحة وواقعة تحت الوصايات المتعددة، أشعل استنكارًا واسعًا وردّات فعل غاضبة بعد نشر رد وزير العدل السوري هشام الشعار، على كتاب رئيس الحكومة عماد خميس بتاريخ 20 أبريل 2017، الذي تحول إلى مادة للسخرية في صفوف الصحافيين، الموالين قبل المعارضين. لتُستَكمَل حِرفة مصادرة الأصوات بقرار وزارة الاتّصالات والتّقانة التابعة للنظام وتجريمها كل مَن يقوم بنسخ منشور لمستخدم آخر على موقع (فيسبوك) ونشره باسمه، والمعاقبة بحبسه لمدة تصل إلى سنة وغرامة مالية كبيرة، في خطوة أثارت سخرية واستياء موالي النظام السوري. فالسخرية تحولت إلى زاد للسوريين، وردة فعل دفاعية على كل ما تشرعنه الحكومة.

وفي زمن تصحّ معه قصة (إللي استحوا ماتوا) توجّه عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق الدكتور محمد العمر، برفقة 3 من طلاب الكلية، نحو العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، تلبيةً لدعوة رسمية موجهة من (يونسكو) لإحياء فعاليات اليوم العالمي لحرية الصحافة! متجاهلًا طرق الإكراه والتعسف المرافقة لـ “هيبة الدولة” التي طالما سلّطت سيفها على رقاب السوريين ككل، لتستبطن مؤخرًا تهديدًا للعاملين في وسائل الإعلام الرسمية، حيث باتوا تحت مرمى ملاحقة وزارة العدل كرأس حربة لها الحق في اعتقال أي صحافي ينتقد المظاهر المشينة والانتهاكات الكثيرة التي يواجهها السوريون من قبل مسؤولي النظام العسكريين والأمنيين (سرقة وخطف وقتل)، وتكمّ أفواههم عن فتح ملفات الفساد المكدّسة في مؤسسات الدولة.

النظام الذي حافظ على ثوابت قمعه وإعلامه الزائف دعمًا لـ “هيبة الدولة” التي تندرج –عادة- في قلب المنطق التعاقدي الذي يربط الحق بالواجب لرابطة المواطنة التي لم يعرفها السوريون، قابلته تجربة جديدة في تشكل الإعلام البديل الذي ولد من رحم الثورة، وبأجندة وأهداف محددة في تسليط الضوء على جرائم النظام واستبداده، والتركيز على القضايا المهمشة والتطلع لدولة مدنية، لتشهد سورية فيضًا من المؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية بمسميات وهويات مختلفة. لكنها على الرغم مما قدّمته من فتح نوافذ حرية الرأي أمام الصحافيين والإعلاميين، تعاني إشكاليات متعددة تتركز حول قدرتها على النمو والاتساع، لتكون نواة لمنتج فكري متنوع يواكب الحدث، ويستقطب الجمهور ويقدم ما هو جديد على المستوى الفكري، في وسط يشوبه الفقر على الرغم من كثرة الأفكار التي تعمّ الساحة الفكرية. ناهيك عن مشكلة التمويل، فمعظم الوسائل الإعلامية الجديدة تكاثرت نتيجة للتمويل الدولي، ولم تستطع الوصول للاستدامة المالية، أو الخروج كثيرًا عن إملاءات المموّلين. وبالتالي تعاني غياب الاستقلالية التامة ومصاعب الاستمرارية وقدرتها على الاستفادة من الجهود الجمعية لزيادة تأثيرها.

اقتراب بعض وسائل الإعلام البديل من حاجات المواطنين، لم يُمهّد الطريق بعد للاتجاه نحو لعب دور السلطة الرابعة، في اعتماد المهنية وتطوير مفهوم العمل الصحافي، والتوجه نحو معالجة القضايا والظواهر ذات الطابع المستدام، وتوفير الآراء والمعلومات التي تهمّ الشّعب عامّةً. فالحرب لن تدوم للأبد، لكنها ستترك نزيفها لسنوات قادمة وتحتاج إلى معالجات متعددة، وبدايتها أن تأخذ الصحافة دورها بوضع اليد على جراح الواقع، وتطوير أدوات ممارسة حرية التعبير عن الرأي المرتبطة بشكل مباشر بعملية تطوير الوعي الفردي والجمعي، خصوصًا مع ما نشهده من معارك خلف الشاشات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، التي شكّلت حربًا معلنة يخوضها السوريون ضد بعضهم البعض، بناء على رأي أو موقف أو حتى تلميح، وتستدعي التخوين والتكفير والتحقير. لتشير إلى عمق الخلل الذي يعيشه السوريون في نمو مفهوم احترام حق الرأي الآخر، التي تشكل مظهًرا لانعدام الحرية والإصابة بأمراض التسلط المترسخة في بنية السوريين.

على الرغم مما شهده الواقع السوري من متغيرات في اختراق جدران الصمت، والقدرة على التعبير وإبداء الرأي وتسهيل العمل الصحافي، يبقى الحديث عن حرية الصحافة القوية المستقلة التي تشكل السلطة الرابعة في الدولة، حديثًا عن أحلام لا تنفصل عن توق السوريين للديمقراطية والحرية لوطن معتقل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق