أدب وفنون

أغاني رمضان.. كنوز تطرب الآذان!

اشتهر شهر رمضان الفضيل بأغانيه الجميلة والأهازيج والابتهالات الدينية المحببة إلى قلوب وأسماع من ينتظرون قدوم الشهر المعظم، أغنيات تراثية ترحب بقدومه وتبرز فضائله ومظاهره وتقاليده، وتحثّ على مكارم الأخلاق فيه، وتأسف على وداعه عندما تقترب نهايته، الذاكرة العربية حفظت هذه الأغاني فرددتها ألسنة الكبار والصغار، لتبقى على مرّ الزمان إرثًا ثقافيًا ودينيًا واجتماعيًا دائم البريق، تكتنزه وتتوارثه الأجيال.

ونجد أن الأغاني الرمضانية والأهازيج تختلف عن نظائرها، فبعضها ذو طابع ديني، والآخر اجتماعي يتحدث عن عادات وتقاليد ومظاهر رمضان في المجتمع، وهي أغانٍ نشأت مع بداية القرن العشرين، أهمها أغنية “وحوي يا وحوي” التي تُعدّ الأشهر فى تاريخ الغناء لشهر رمضان، وترجع أصول كلمات المقدمة لهذه الأغنية إلى تفسيرات كثيرة، البعض يقول: إنها تعود إلى الفراعنة، فكلمة “وحوي” بمعني ذهب أو رحل، و”أيوح” تعنى القمر، وكانت الأغنية تحيةً للقمر عندما يأتي، ثم استغلها الفاطميون للاحتفال بقدوم شهر رمضان، وللموسيقار الراحل عمار الشريعي تفسير آخر لها، إذ ردّها إلى أصلها في اللغة العربية وهو “احوي أو امتلك”، وفى الأغنية “أحوى يا أحوى إياها” بمعنى امتلكها، وقيل: إنه كان يقصد بها “بنت السلطان”، وهى من أوائل الأغنيات التى بثتها الإذاعة المصرية، والنسخة الأشهر منها بصوت المطرب الراحل أحمد عبد القادر، وتم تسجيلها للإذاعات الأهلية في مطلع الثلاثينيات من ألحان الموسيقار محمود الشريف مع نشأة الإذاعة عام 1934، ثم تم تمصيرها عام 1947 بعد إلغاء عقد شركة ماركوني، وظهرت الاحتفالات بقدوم شهر رمضان، ثم تم بث الأغنيات عن شهر رمضان.

ما زالت الأغاني القديمة الخاصة بالشهر الكريم هى الأقرب إلى قلوب الناس، وتعتلي عرش هذا النوع من الأغنيات، مهما صدرت أغنيات جديدة لمطربي هذه الأيام، ومن أبرز تلك الأغنيات نجد “مرحب شهر الصوم” لعبد العزيز محمود، التي تتضمن كلمات رائعة عن انتظار المسلمين للشهر الكريم، وقد قدمها عبد العزيز محمود إلى الإذاعة المصرية مجانًا، وهناك -أيضًا- أغنية “أهلا وسهلًا يا رمضان” لكارم محمود، و”رمضان جانا” لمحمد عبد المطلب، التي غناها في بداية الخمسينيات، وتعدّ معلمًا من معالم شهر رمضان، وتبقى الأكثر شهرةً وتداولًا على مرّ العصور، وقد غنّاها عبد المطلب مصادفةً بعدما رفض التلفزيون المصري أن يغني الفنان أحمد عبد القادر أغنيتين لشهر رمضان، بعد أن سجّل عبد القادر أغنية “وحوي يا وحوي”، وكانت تربطه علاقة صداقةٍ مع محمد عبد المطلب، فطلب منه غنائها، فسارع على الفور ملبيًا طلب صديقه، والمضحك في الأمر أنه لم يفعل ذلك حبًا بالأغنية، بل لأنه كان يمرّ بضائقة مالية ويحتاج إلى الـ 6 جنيهات، التي كانت أجر الأغنية، لكن المبهر في الأمر هو نجاح تلك الأغنية، الأمر الذي دفع عبد المطلب حين تحدث عنها ضاحكًا إلى القول: “لو أخذت جنيهًا واحدًا فى كل مرة تذاع فيها هذه الأغنية؛ لأصبحت مليونيرًا، دي بقت أهم من بيان المفتي”.

هناك -أيضًا- أغنيات “رمضان أهو جا يا ولاد”، وكذلك “سبحة رمضان”، و”حالو يا حالو” للثلاثي المرح، الذي كان يضم ثلاث صديقات: سهام توفيق، وصفاء لطفي، وسناء الباروني، وتم اختيارهن لأدائها بعدما وافقت لجنة النصوص في الإذاعة على كلماتها، وكذلك أغنية “والله بعودة يا رمضان” لمحمد قنديل، التي أظهر فيها مزايا رمضان والثواب المترتب على صيامه، أما الفنان فؤاد المهندس والفنانة صباح فلهما دويتو غنائى خفيف الظل بعنوان “الراجل ده هيجنني”، وهو على شكل حوار يدور بين الزوجين حول استعدادات شهر رمضان فى كل منزل، وهو من كلمات حسين السيد، ولحن محمد الموجي، ودويتو “الصيام مش كده” لشويكار وفؤاد المهندس، أما الموسيقار فريد الأطرش فله أغنية “هلت ليالى”، وهي من ألحانه ومن كلمات بيرم التونسى، و”هاتوا الفوانيس” لمحمد فوزي، التي غناها مع مجموعة من الأطفال، فقام باختيار كلمات الأغنية لتناسب أعمارهم، وقد أهداها فوزي للإذاعة المصرية بلا مقابل، وقدمت هدى سلطان أغنية “شوفوا رمضان”، وكذلك “خيرات رمضان” لإسماعيل ياسين، و”كريم يا شهر الصيام” لنجاة، و”كريم المعاني” لـفايزة أحمد، ولها أيضًا “الشهر الكريم”، و”فرحة رمضان” لـسعاد محمد، و”شهر الكرم” لأحمد سامي، و”هل هلالك” لعايدة الشاعر، و”ليالى رمضان” لمحمد العزبي، و”مدنة جامعنا” لـشادية، و”الأيام الحلوة” لـشريفة فاضل، و”باب الغفران” التي أدتها الفنانة ليلى مراد ولحنها سيد مكاوي.

أما “المسحراتي” فهي من أشهر الأهازيج الرمضانية، ومن ألحان وغناء سيد مكاوي، وأشعار فؤاد حداد، وأنتجت عام 1964، وقد قدم النسخة السورية من “المسحراتي” الفنان رفيق سبيعي الذي أبدع في تأديته الدور عام 1969، لكونه عارفًا بالمقامات الموسيقية وعازفًا للعود، وله أداء مميز في تقديم الأغاني، وهناك اسكتش “أهلا وسهلا يا رمضان” لنزار فؤاد، ومحمد العقاد، ونور كيالي.

أما التواشيح والابتهالات الدينيّة فهى الأخرى لها حضورها القوي في رمضان، وهى لا تعدّ ولا تحصى، وهي على إرتباط بالشهر الكريم، نذكر منها في سوريا “رمضان تجلى” و”أهلا رمضان” للمنشد الشهير توفيق المنجد، ولعلّ أشهرها “رمضان كريم”، وفي مصر نجد تواشيح الشيخ “سيد النقشبندى”، أستاذ المدّاحين كما يُطلق عليه، وقد تربّى على صوته أجيالٌ وأجيال، فهو أحد أبرز مَن ابتهلوا ورتّلوا وأنشدوا التواشيح الدينية، وأصبحت ابتهلاته العذبة قَبل موعد الإفطار وقبل أذان الفجر من الثيمات الأساسية في رمضان، ومن أهم أعماله “جل الإله، أيها الساهر، سبحانك يا رب، رسولك المختار، ومولاى”. ويبلغ الشجن في الناس منتهاه في أواخر الشهر الكريم، فيغنّون وينشدون منظوماتٍ تودّعه، صيغت خصيصًا للأيام الأواخر، وتليها الأغاني المرحبة بالعيد وفرحته، ومن أشهرها “تم البدر بدري والله لسه بدري يا شهر الصيام” لشريفة فاضل، ولم تحصل شريفة فاضل على أجرها عن تلك الأغنية، بل تبرعت بها للإذاعة المصرية، وهناك أغنية “يا بركة رمضان” لمحمد رشدي، وهى من كلمات محمد الشهاوي وتلحين حسين السيد، وتُعدّ أيقونة نهاية شهر رمضان، كما تحولت “رمضان جانا” لمحمد عبد المطلب إلى أيقونة بداية رمضان وواحدةٍ من أجمل أغاني الشهر الكريم. ويَعقب ذلك استقبال صوت أم كلثوم القادم مبشرًا بليلة العيد.

وعلى الرغم من مرور الزمن وتطور الآلات الموسيقية، وتعدد الأغاني المتعلقة بشهر رمضان لمطربي ومطربات هذا الجيل، فإن الأغنيات القديمة ستظل أيقونات راسخةً في أسماع الأجيال، تذكّر البالغين بذكريات طفولتهم، وتترك في نفوس الصغار أثرًا جميلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق