مقالات الرأي

هل تلمّس الإخوان المسلمون ضرورة الحداثة؟

الإخوان المسلمون حزب سياسي قديم، يوظّف الدينَ من أجل السلطة. كان قديمًا يؤكد أن القرآن الكريم دين ودولة، وأن الإسلام هو الحل. الإخوان وغيرهم من السلفيين قالوا بذلك، ولكن مرور الزمن، وشدة الرفض لمقولات كهذه، ووضوح مجافاتها لروح العصر، وللحياة، دفعهم إلى أن يتقدموا خطوة إجرائية، فأكدوا أنهم يعترفون بالديمقراطية، والمدنية، مع رفض مفهوم العلمانية والمواطنة، وأحيانًا يتنازلون، ويؤكدون على المواطنة، ولكن بما يتوافق مع تعاليم الشريعة. ما قلته أعلاه قراءتي لما يؤكدون، وهم بذلك يرفضون المواطنة وحقوق الإنسان والعلمنة، أي يرفضون المداميك الأساسية لبناء مجتمع حديث، تسود فيه المواطنة، وينزّه الدين عن صراعات السلطة والسياسة. مشكلتنا معهم في تأكيدهم: أن لا شيء تغيّر في العالم، ولا بد له من أن يظل يدور في دائرة الدين، بالمعنى السياسي وغير السياسي. إذًا العالم مكون من ديانات وطوائف، وضمن ذلك لا بأس بتوظيف الصناعة والتقنية والثورات العلمية، فيما الغرب العلماني ساقط أخلاقيًا. لن أقول هنا، من حمى أفراد الإخوان حينما هربوا من الأنظمة الدكتاتورية العربية؟! ولن أتردد بالقول: إن سبب وجود الإخوان، وكل الإسلام السياسي والطائفية، ومختلف أشكال تسييس الدين والطوائف والأقليات، هو الأنظمة العربية الشمولية، المخفقة في التنمية، وغير القادرة على النهوض الصناعي للاقتصاديات، مع استمرارية التبعية التي أنشأتها الدول الإمبريالية في زمن الاستعمار.

اعترافُ الإخوان بالديمقراطية، كان لأنّها الإجراء (الانتخابات) الذي لا يرفض تسييس الدين، ولأن فصلها عن العلمانية والمواطنة يسمح للإخوان المسلمين بالوصول إلى الحكم والبقاء فيه وتغيير الدستور. أصبح هذا الاستنتاج فكرة معلومة للجميع، وأصبح كل كلامهم عن الآخر والاعتراف بحقوقه، يُقرأ ضمن مفهومهم للدين والشريعة ولا يخرج عنه. هنا إشكالية كبرى، تقول إن الإخوان لم يتعلموا شيئًا من العالم الحديث، وما زالوا سلفيين بامتياز. تجربة دورهم في الثورات العربية لم تفد بتقدمٍ عما ذكرت، وبالتالي صادروا الثورة في مصر، وحاولوا ذلك في تونس؛ وفي سورية استفردوا وهيمنوا على المجلس الوطني والائتلاف الوطني، وشكلوا فصائلهم العسكرية “الدروع” بالضد من “الجيش الحر”، ولعبوا دورًا رئيسيًا في تعميم نظرية النظام عن أن الثورة السورية إسلامية وسلفية، وكان لهذا دورٌ في إشراك السلفيين والجهاديين في صفوف الثورة والفتك بها لاحقًا. حتى بعد الفتك، صمَت الإخوان، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، أو أنّه طبيعي، أو أن كل المشكلة في النظام، وبذلك تخلّوا عن تحمل مسؤوليتهم في أسلمة الثورة وتخريبها. في هذا السياق، هناك النظام وهناك المعارضة وهناك الثورة، ولا يجوز إغماض العين عن أي مسؤوليات تتحملها تلك الأطراف، وبعدها، يمكن الكلام عن دور الخارج الإقليمي والدولي؛ وفي كل هذه الظروف يظل النظام المسؤول الأساسي عن مآلات سورية، وبدرجة أقل المعارضة والثورة ذاتها.

الآن، هناك كلام كثير يكتبه باحثون، عن ما بعد الإسلام السياسي، ويتفقون على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، والجانب الدعوي والسياسي، وأن الإخوان وكل الراغبين في السياسة من زاوية الدين، يُفترض أن يعوا أن العالم لا يُصادر حقهم في الإيمان، ولكنه يرفض بشكلٍ قاطع تسييس الدين أو تديين السياسة، وأن الأخيرة ومسألة السلطة والدستور والدولة، يجب ألا تكون دينية، وأن تكون وضعية بامتياز، وتتوافق مع مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان والعلمنة، وبما تفيد هذه المفاهيم في تنزيه الدين وحق الإيمان المكفول دستوريًا. هذه القضية الأساس حاليًا أمام الإسلام السياسي، وكل المحاولات المتعثرة للخروج من السلفية في فهم السياسة إلى الوضعية يفيد بتحقيق مصالح الأنظمة الحاكمة. الآن ترامب وجزء من إداراته يناقشون هذه القضية، واحتمال اعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية! يستطيع ترامب فعل ذلك، فهو داعمٌ لكل الدول المناهضة للثورات العربية. قبل ترامب، كانت الإدارة الأميركية تفضّل وصول الإسلام السياسي إلى الحكم، وبتلك المرحلة وصل الإخوان في مصر وتونس إلى الحكم، ولكن العالم مع ترامب وبوتين والاتجاهات اليمينة يتجه أكثر فأكثر، نحو قضية تسييس الأديان والحروب باسمها، وكل ذلك يأتي تحت مفهوم الحرب على الإرهاب.

الآن، وبعيدًا من ترامب وبوتين، هل حان الوقت لقراءة جديدة للدين وللسياسة وللعلمانية والحداثة بالعموم؟ هذه هي القضية الأساسية التي تقف أمام الإخوان والسلفيين والجهاديين، وكذلك أمام بقية القوى السياسية العربية.

بوضوحٍ شديد، لا يمكن مصادرة الإيمان، ولا مصادرة حق المؤمنين بتشكيل أحزاب سياسية، ولكن الأخيرة لا يمكن أن تتشكل على أساس الدين، ففي ذلك تديين الدولة والسياسة، وشطب المواطنة وحقوق الإنسان. الإخوان المسلمون، وما يماثلهم من قوى سياسية طائفية، معنيون بنقد تجربتهم ورؤاهم وبرامجهم، ولكن هل هذا ممكن بدوره؟ هل يستطيع العقل الديني ألا يكون دينيًا؟ هل بمقدوره أن يمارس السياسة والسلطة بعيدًا من مفهوم الخلافة أو ما يقاربه، أو اعتماد دستور وقوانين وضعية؟

قطعًا، العقل الديني، لا يمكنه إدارة الظهر للدين في السياسة والدولة والدستور والقوانين! هنا إشكالية كبرى. في الغرب والصين، أُجهز على العلاقة بين الدين والدولة، وأصبحت الدولة وضعية بامتياز، والدين قضية شخصية بامتياز، ولا معنى هنا للكلام عن أن هناك أحزابًا مسيحية وما شاكل ذلك، فهذه الأحزاب، تعرف جيدًا حدودها، فالسياسة لها أصولها، وتخاض على أسس وضعية. صعود اليمين الشعبوي، والدفاع عن “مسيحية” المجتمعات الأوروبية، ما تزال تدور في الإطار الثقافي، وليس من تغيير في دستور وقوانين تلك البلاد، وهي واضحة في قضية العلمنة ووضعية كل مستويات الدولة.

المهم هنا، من مصلحة العرب، وكل من يدين بالإسلام وغير الإسلام، أن يحسم بقضية ضرورة تشكيل الدولة والأحزاب السياسية الحديثة، وفي كل ذلك، ستظل تواجهنا قضية الإخوان المسلمين؛ فتجاربهم في كل من السودان وسواها، تؤكد فشلهم في قضية إبعاد الدين من السياسة، وفي ممارسة كل أشكال التمييز القروسطية، وبالتالي هل يمكن للإخوان، وهم حزب قديم له فروع في مختلف دول العالم، أن يتحسسوا ضرورة الحداثة، وبعيدًا من ألاعيب الفصل بين الديمقراطية والعلمانية والمواطنة، وأن يفصلوا بدورهم بين الجانب الدعوي والسياسي بحق؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق