هموم ثقافية

سطوة الغموض

ليس معقولًا حجم الغموض والتدليس وإخفاء المعلومات عمّا يجري في منطقتنا، وبخاصة في سورية وما حولها.. وليس صدفة هذا الغموض والتضليل.. وليس من المعقول أن يصبح المواطن رجل مخابرات كي يعرف ما جرى وما يجري.

على الرغم من تدفق المعلومات، وسهولتها، فإن أنهرًا متلاطمة ومتعاكسة ومتداخلة، كفيلة بجعل المواطن العربي في حيرةٍ، تؤدي إلى الجهل بأقرب الأحداث من حوله!

ما زالت السلطات، بكل أنواعها، تحاول وترغب في أن يكون المواطن تحت رحمة تحليلاتها ومواقفها، تمنع عنه الاستقلال الذهني الذي يسمح له أن يعرف ويطمئن.

كل شيء واضح، وكل شيء غامض! لعبة في غاية الخطورة جعلت المواطن ورقة خفيفة تذروها الريح في كل الاتجاهات.

غياب مراكز التحليل الاستراتيجي، والاتكاء على رجال متقاعدين عن المعرفة لا يخبرونك بشيء، ويحللون ما طاب لهم من خلال شاشات صفراء مباعة لجهات متعددة، وسلطات خبيثة تلعب بخفة المواطن التي لا تحتمَل..

أمثلة كثيرة جعلت المواطن في صراع مباشر مع أقرب الأصدقاء له؛ مع رفاقه وزملائه في العمل، وعلى سبيل المثال لا للحصر، “صفقة القرن” رموها بين الناس كي يحلل كل فرد على كيفه، وتتلاطم الأفكار حتى يتعب أصحابها وتفرغ شحناتهم، ثم يعلنون عنها لفارغي الشحنات والوفاض… (داعش) المخلوق الذي خرج كالعفريت، لا أحد يستطيع أن يعرف من كوّنها ومن أسسها وجاء بها… انتصارات كاذبة هنا، واتفاقيات وتبادل رفات وتبادل صفقات.. واحتلال مشروع واحتلال غير مشروع… حتى أصبح اللواط يقاس بالسنتمتر.

اللعبة ومعها ألاعيب قادمة تعتمد على سطو الغموض وتفكيك الرأي العام، وجعل المجتمعات “فراطة”، تعيدها لمجتمع ذاكرة الأسماك، فاتحة فمَها تلتهم كل شيء، فأنت بين مُلتهِم وبين مُلتهَم، أنت وحظك وقدرتك، ومكان وجودك.

الكل يعرف الحقيقة والكل يجهلها.

ثم التهمت الناسَ السوشيال ميديا التي خلقت ضحايا جددًا، لهذا الغموض وهذا التشتت والتشتيت، للمعلومات والأفكار والآراء الطائشة، تركتهم بلا مأوى معرفي، وبلا حصانة مسبقة من قبل مراكز الدراسات والجامعات ومحطات التلفاز والإعلام بكل أنواعه.

لـ (فيسبوك) وعموم السوشيال ميديا ضحايا أكثر من ضحايا الحروب.. ضحايا تهيج على أي معلومة طائشة، وكثيرًا ما تكون هذه المعلومة مختلقة أو مزيفة أو لا أساس لها.

إن رواد السوشيال ميديا بحاجة إلى الأخذ بيدهم، وانتشالهم من سونامي المعلومات غير الصحيحة.

ضحايا بما للمعنى للكلمة، والضحايا من كل الفئات، مثقفون، جهلة، متعلمون، عابرو سبيل…

غياب التأهيل ومنهج التفكير العلمي، وغياب الأمانة الفكرية والعلمية، جعلتهم ضحايا للسحرة والأفاقين والمشعوذين والشبيحة وبائعي التداوي بالأعشاب والخرافات، والكذب المؤدلج، والتلاعب بالكلمات وسوء الترجمة.

كيف يؤثر ذلك على الفن بشكل عام وعلى السينما بشكل خاص؟ السينما التي يمكن تناولها من خلال إمكانية نشرها بسهولة ويسر، وهل سيكون ضحايا جددًا، لهذا الفن المنتشر عبر أشكال العرض والإنتاج، وعلى شكل مسلسلات ضخمة عابرة للحدود والأفكار، عابرة للتاريخ والكتب والمرجعيات الأخرى.. سيتغيّر وجه السينما، وسوف تتغير مفاهيم كثيرة، من خلال الشكل والمواضيع والأفكار وطرق عرضها، والتعامل مع مكونات الفن السينمائي بطرائق لا تخطر على بال. وربما من خلال العرض وضخامة الإنتاج، تغيب عن الوجود السينما ذات المركبات الجمالية التي أسسها الفن السابع ومكوناته الجمالية. وسوف يظهر مفهوم الغموض الفني من جديد ويسلط سيفه المباغت (الفني والفلسفي والتعبيري).

للغموض سطوة فاحشة ومخيفة، وللغموض قدرته على ترويج ما يمكن ترويجه من خلال الإبهار، وتضخيم إنتاجه الذي لن يقدر عليه أحد، سوى الشركات العملاقة التي تسيطر على الفضاء المعرفي، وأدوات الترويج العابرة للحدود.

ما يحدث الآن في المنطقة وما حدث في سورية من تراجيديا كونية، سوف يعاد صياغته، بالطرق الغريبة والمختلفة، والمزورة، إن لم ننتبه لهذا الغموض الكوني في التلاعب بمصائر حية، والتي سوف تصبح بعد حين قريب، جزءًا من التاريخ، المفبرك فنيًا وسينمائيًا، ولن يفيد الأرشيف والوثائقيات البسيطة، أمام العواصف المعرفية الجديدة، المتمثلة في السينما، المبهرة الغامضة الوحشية.

للغموض سطوته في كامل البناء الفوقي للمجتمعات، وعلى رأسها الفن والأدب وأكثرها تعقيدًا السينما.. وللغموض سطوته في فن احتراف التأويل في مجتمعات الاستبداد وسطوة المال، والاحتكارات المتعددة.

السينما القادمة لن تكون السينما التي تعرفنا إليها عبر قرن من الزمان، وسوف تكون المعبر الفكري الأول عن التضليل، واللعب بالحقائق وتغييرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق