تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب التسونامي القادم إلى أوروبا والإسقاط الفعلي لاتفاق سوتشي

تعدّ محافظة إدلب الواقعة شمال غربي سورية، والمتاخمة للحدود التركية، المحافظةَ الأخيرة التي ما زالت بيد “الجيش الحر” المتمرد على قوات النظام السوري التي بسطت سيطرتها حاليًا على 60 بالمئة من الأراضي السورية، بفضل الدعم الروسي والميليشيات الشيعية الإيرانية، وهي المحافظة التي تلخص كارثة صراعٍ تجاوز سبع سنوات، وراح ضحيته أكثر من نصف مليون سوري، بحسب أرقام الأمم المتحدة التي توقفت إحصاءاتها الرسمية حول الضحايا منذ عام 2014، واعتبرت الأمم المتحدة أن هذا الهجوم، في حال حصوله، سيكون وفق أسوأ التوقعات “أكبر كارثة إنسانية تقع في القرن الحادي والعشرين”، وسيكون له تأثير فوري ومباشر على أوروبا.

ومع تنفيذ قوات النظام السوري لعدد من التجاوزات، في مناطق خفض التصعيد المتفق عليها بين تركيا وروسيا منذ عام 2017، وتحشيد قواتها نحو تلك المحافظة، تتوقع أوروبا حدوث سيناريو مماثل لموجة اللجوء السورية عام 2015، حيث يبلغ عدد السكان المدنيين في إدلب ثلاثة ملايين، وهي المحافظة التي استقبلت أكبر عدد من النازحين السوريين في الداخل السوري، كونها تُعدّ مكانًا وملاذًا آمنًا لهم.

يُعدّ المدنيون أكبر الخاسرين في الصراع، خشية انتقام النظام، وهم مرعوبون من سيناريو الغوطة الشرقية، ومن استخدام كافة أنواع الأسلحة التي ستستهدفهم بالدرجة الأولى، إضافة إلى السلاح الكيمياوي وغاز الكلور الذي لم يتورع النظام السوري عن استخدامه، فضلًا عن الاستهداف العشوائي الكثيف للمدنيين، وهم يدركون أن من الممكن أن يحدث ما حدث معهم قبل الترحيل القسري من مناطقهم في وسط وجنوب البلاد.

يوجد ثلاثون ألف مقاتل في إدلب، نصفهم إسلاميون، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، والقصف الذي نفذه الطيران الروسي ضد المدنيين والاستهداف الذي تعرضوا له من قبل النظام، خلال الأسابيع الأخيرة فقط، أدى إلى نزوح أكثر من 30 ألف مدني، إلى مناطق أقلّ خطورة، وفي حال حصول هجوم كبير، تتوقع الأمم المتحدة لجوء 800 ألف مدني سوري إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، الشيء الوحيد الذي تمكن الاتحاد الأوروبي من تنفيذه على الفور، في مواجهة الكارثة المتوقعة، هو إعداد مخيمات اللاجئين في الجزر اليونانية، وهو ما يلخص الموقف الأوروبي تجاه الصراع السوري؛ إذ تعذر إيجاد حل دبلوماسي يوقف حمام الدم السوري، فضلًا عن الانقسام الأوروبي في إدارة توزيع ومواجهة أزمة اللاجئين، وصعود الشعبوية واليمين المتطرف الأوروبي الذي سيعمق الخلافات الأوروبية. وتعتقد تركيا التي تستضيف أكثر من 4 ملايين لاجئ سوري أن بإمكانها إيقاف الهجوم عن طريق ضمان نزع سلاح الإسلاميين، وهما تنظيم القاعدة في الشام، أو كما سمت نفسها “هيئة تحرير الشام”، و”حركة أحرار الشام الإسلامية”، ولكنها تعرف عاجلًا أم آجلًا حتى لو وافقت دمشق وموسكو على ذلك بحتمية الهجوم الروسي حتى ضد المعارضة المعتدلة.

وعلى الرغم من سيطرة الميليشيات الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية على ربع الأراضي السورية، فضلًا عن المناطق الصحراوية المحرمة على الإسلاميين، ومع انعدام قدرة أي طرف دولي على حسم الصراع السوري، فمعاناة المدنيين السوريين مستمرة، ووبالها رهيب على السكان.

أزمة إدلب أوروبيًا قبل اتفاق سوتشي التركي الروسي:

كثفت دول أوروبية عدة تحركاتها لمواجهة تسونامي إدلب في حال حصوله، على أربعة أصعدة:

1-التحضير لاستقبال 800 ألف لاجئ سوري في اليونان على الأقل.

2-الحضور الإعلامي الغربي المكثف في إدلب، لتغطية التظاهرات السلمية العارمة المطالبة بإسقاط النظام ورفض الهجوم الروسي واستخدام أي نوع من الأسلحة.

3-التحضيرات العسكرية الأوروبية قبالة السواحل السورية، حيث تحركت عدد من القطع الحربية البحرية التابعة للناتو، فرنسية وألمانية وبريطانية وهولندية وأميركية وكندية، ووصلت قبالة السواحل والمياه الإقليمية السورية، وتقوم بدوريات شرقي البحر المتوسط، تنفيذًا للتهديدات الغربية للنظام السوري في حال استخدم الأسلحة الكيمياوية في إدلب، وتضمنت القطع البحرية مدمرات وفرقاطات وغواصات نووية وصواريخ (توماهوك) المجنحة، قد يتم استخدامها في ضربة محتملة، في حال اتهام دمشق بارتكاب مجزرة كيمياوية، ويقابلها عدد من القطع البحرية الحربية الروسية على الساحل السوري، مما يعني أن أزمة إدلب قد تؤدي إلى حرب دولية غير متوقعة، وقد تخرج الأمور عن السيطرة، أو إقليمية وربما مواجهة روسية تركيا أو مواجهة روسية تركيا أوروبية محدودة أو مفتوحة. مع العلم أن كلًا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا نفذت ضربة محدودة، استهدفت نظام دمشق نيسان الماضي 2018 على إثر ارتكاب الأخير مجزرة دوما الكيمياوية.

4-دعم المنظمات الدولية الموجودة في إدلب التي ما زالت في حالة تأهب متوقعة “حمام دم” حذرت منه الأمم المتحدة. كما عززت القوات التركية مواقعها، وأضافت عددًا من نقاط المراقبة في أماكن خفض التصعيد، خاصة بعد فشل قمة طهران التي جمعت كل من روسيا وتركيا وإيران. وتعد معركة إدلب المعركة النهائية، بالنسبة إلى المقاتلين الذين تعرضوا للترحيل القسري من الأماكن التي كانوا يسيطرون عليها، في مختلف المدن والمناطق السورية التي استعصت على النظام سنوات طويلة، وخاصة أنهم رفضوا الخضوع للنظام والتصالح أو التسوية معه، وفضّلوا التوجه إلى إدلب على البقاء في مناطقهم، وبالتالي فهي المعقل الأخير لهم.

إدلب واتفاق سوتشي 17 أيلول/ سبتمبر 2018:

نص الاتفاق

“الجمهورية التركية والاتحاد الروسي، باعتبارهما ضامنتي الالتزام بنظام وقف النار في الجمهورية السورية العربية، وبالاسترشاد بمذكرة إقامة مناطق خفض التصعيد داخل الجمهورية السورية العربية في 4 مايو/ أيار 2017، والترتيبات التي تحققت في عملية آستانا، وبهدف تحقيق استقرار الأوضاع داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب في أقرب وقت ممكن، اتفقتا على ما يلي:

1.الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرار عملها.

2.سيتخذ الاتحاد الروسي جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم.

3.إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومترًا داخل منطقة خفض التصعيد.

4.إقرار حدود المنطقة منزوعة السلاح سيتم بعد إجراء مزيد من المشاورات.

5.إبعاد جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية عن المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول).

6.سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة الفوهات والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 10 أكتوبر 2018

7.ستقوم القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي، بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح،

والعمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.

8.استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018.

9.اتخاذ إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب. في هذا الصدد، سيجري تعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني – الروسي – التركي المشترك.

10.يؤكد الجانبان مجددًا على عزمهما على محاربة الإرهاب داخل سورية بجميع أشكاله وصوره.

أبرم في سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول 2018 في نسختين، وتحمل كلتا النسختين الإنجليزية والروسية القيمة القانونية ذاتها”.

تصعيد 30 نيسان/ أبريل 2019 في إدلب وصمت عالمي مطبق مع سقوط اتفاق سوتشي:

زعمت روسيا أن فصائل المعارضة تُعد هجومًا على مناطق سيطرة النظام، وأنها تشن حربًا على الجماعات المتشددة حسب اتفاق سوتشي، ولتأمين محيط قاعدتها في حميميم باللاذقية، مقابل صمت تركي وغربي، تجاه تدمير الخدمات الطبية والقيام بمئات الغارات على ريفي إدلب وحماة، والبراميل التي تكثفت بعد اجتماع أستانا الأخير، هذا الصمت المريب الذي يذكر بأحداث الجنوب السوري صيف العام الماضي، وبأحداث الغوطة الشرقية ربيع العام الماضي، مع هدوء نسبي لجبهة إدلب طوال عام تقريبًا، تخلله تصعيد بين الفينة والأخرى، فالضامنون لخفض التصعيد إما في حالة هجوم أو صمت مطبق، وبالمقابل تسخين تركي في تل رفعت ومناطق سيطرة (قسد)، فهل تمّت صفقة منطقة آمنة تركية أميركية مقابل إدلب، في الوقت الذي ينزح فيه عشرات آلاف المدنيين في إدلب؟

الخداع الروسي مستمر، بالوقت الذي تتعرض فيه تركيا للمزيد من الضغوط الأميركية الروسية العربية، من النواحي الاقتصادية، والتصعيد العسكري الروسي والنظام السوري وحلفائه الإيرانيين على إدلب.

روسيا لم تحقق أهدافها السياسية من اتفاق سوتشي، وكذلك تركيا لم تسيطر على “هيئة تحرير الشام”، وهو ما أعطى الروس مظلة شرعية وذريعة لتنفيذ التصعيد الأخير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق