سلايدرقضايا المجتمع

عنف المدينة المعاصرة

تعد المدينة المعاصرة Contemporary City، من وجهة نظر علم الاجتماع، ظاهرة اجتماعية بامتياز، على غرار باقي الظواهر الاجتماعية، مثل الأسرة والمدرسة والدين والشباب، لكونها تعبّر عن مجال اجتماعي Espace Social يخضع لتعدد الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأيضًا لتنوع أنماط الحياة الاجتماعية التي تحدث عن طريق التفاعل بين السياقات والشروط الاجتماعية التي ينتجها المجتمع مع متطلبات الحياة الاجتماعية التي تفرزها العولمة. فالمدينة المعاصرة عبارة عن نظام مفتوح يستوعب كل القيم والعادات والتقاليد والأساليب والأفكار الجديدة بقصد احتوائها وإدماجها في الحياة الحضرية لدى أفراد المجتمع، إنها مكان مخالف للأمكنة الأخرى، لأنها تتميز بالتكاثر الاجتماعي والتنوع في الجنسيات والعرقيات والثقافات، إلى جانب أنها تقوم على القراءات المتعددة، باعتبارها نصًا اجتماعيًا يساهم فيها أفراد المجتمع في كتابة نصوصهم اليومية.

ترجع نشأة المدينة المعاصرة إلى العديد من العوامل التي ترتبط أساسًا بحماية المجتمع من المخاطر المحدقة به، وتحقيق رفاهية أفراده وخلق متنفس لهم للتعبير عن حريتهم وأفكارهم، والارتقاء بهم نحو تحقيق التنمية البشرية على مستوى التعليم والصحة والشغل والسكن، ووسائل الاتصال والمواصلات، وهي تحاول أن تلعب دورًا مهمًا، من خلال الانتقال بالأفراد من الحياة القبلية التي تتميز بالولاء القبلي، إلى الحياة المدنية التي تتميز بالواقعية والعقلانية والتفرد. فالمدينة المعاصرة هي شكل من أشكال المجتمع المحلي الذي يتميز بالوحدة السياسية على مستوى المصالح الاجتماعية والاقتصادية، وأيضًا على مستوى القيم الأخلاقية والاجتماعية المشتركة بين أعضائه. غير أن هذه المدينة شهدت منذ أواسط القرن العشرين تفاقمًا في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بسبب المخططات الحضرية التي كانت تنجز بشكل تقني، ولم تستحضر التمثلات والتصورات الذهنية للمجتمع حول المدينة، مما دفع صناع القرار إلى البحث عن سبل وحلول من أجل مواجهة تلك المشكلات والتحديات المرتبطة بها، مثل الهجرة وترييف المدن والتلوث البيئي.. إلخ.

ومن بين أهم المشكلات التي تعانيها المدينة المعاصرة، انتشار ظاهرة “العنف” Violence بين الأفراد والجماعات الذين يستوطنون ويعيشون في المدينة. حيث يساهم العنف يوميًا في تدمير حياة العديد من سكان المدينة، ويخلق لديهم شعورًا بعدم الأمن والطمأنينة، وهي ظاهرة يلاحظ أنها تنتشر بشكل متزايد في الهوامش والأحياء الفقيرة بالمدينة، كما أنها قد عرفت انتشارًا في بعض المناطق السكنية الخاصة بالطبقة المتوسطة والغنية؛ فسرقة السيارات، والتحرش الجنسي والاغتصاب، والسطو على المحال التجارية، وتجارة المخدرات، وتكسير الحافلات وتشويه الممتلكات العمومية، وبروز الفوضى الاجتماعية وصناعة الإرهاب، كلها تعدّ مظاهر للعنف الحضري Urban Violence  الذي تمارسه فئات اجتماعية تعيش الحرمان الاجتماعي، بسبب غياب التضامن الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى طغيان منطق “المجهولية” Anonymous بتعبير عالم اجتماع “جورج زيمل” (Georg Simmel) نظرًا لأن المدينة تجمع الغرباء داخلها، وهو الأمر الذي يشجع على العنف، ويساهم بشكل خطير في أنه يترك أثرًا بالغًا على ضحايا سكان المدينة.

إن إشكالية العنف باعتبارها ظاهرة سوسيولوجية هي أكثر تعقيدًا وغموضًا، فهي ملازمة للإنسان وللجماعة معًا عبر التاريخ، فالعنف يبقى في الغالب رهينًا بما هو نفسي، إلا أنه يُعد نتاجًا اجتماعيًا يمارسه الأفراد تعبيرًا عن إكراهات المجتمع، في حالة عدم امتثالهم للقيم الاجتماعية والثقافية والدينية التي تخصّ المجتمع الذي ينتمون إليه، ولهذا يجد العنف نفسه من خلال المجتمع، إذ إن تطور المجتمع على مستوى الأنساق الاجتماعية يساهم بدوره في تطور العنف، ويجعله يأخذ أشكالًا متعددة ومتنوعة، من حيث آلياته وأساليبه خاصة في الوسط الحضري، فهناك العنف الرمزي الذي يُعد وسيلة ممتازة لدى العديد من المؤسسات العمومية التي تحتكم إلى القوانين والتشريعات، بهدف ضبط المجتمع والسيطرة عليه، الشيء الذي يجعل المدينة المعاصرة فضاءً للصراعات الاجتماعية، ومجالًا لنشأة أنماط متفاوتة في القوة والضعف، مثل “الحركات الاجتماعية” Social Movements.

ينبع العنف غالبًا من ظروف الحياة التي يعيشها الأفراد، بسبب افتقارهم إلى الوظائف المناسبة التي يمكن أن تساعدهم في الاندماج في النسيج الاجتماعي، وكذلك من غياب الأجهزة الأمنية في بعض المناطق من المدينة، مما يساهم بشكل أو بآخر في انتشار السلوك الإجرامي، وهو الشيء الذي يمكن أن يؤدي إلى خوف الناس من المستقبل وافتقادهم للأمل، ويضع كل من الأطفال والشباب والنساء في خطر الوقوع ضحية للعنف بكل أشكاله وآلياته.

كما أن انتشار العنف في ضواحي المدينة المعاصرة يدفع الكثير من أفراد المجتمع إلى التفكير في الهجرة منها إلى القرية، على الرغم من أن المدينة المعاصرة تعدّ مركزًا للجذب والاستقطاب لعدد من سكان العالم. ومع ذلك، فهي تُعد أيضًا مركزًا للطرد، بسبب انتشار العديد من الظواهر السلبية مثل التلوث البيئي والجريمة، إضافة إلى الانفجار السكاني الذي تعرفه المدينة بسبب عوامل لها علاقة بالهجرة غير الشرعية، تساهم في ظهور مشكلات أخرى مرتبطة بالإسكان والمواصلات والصحة وغيرها.

إن السؤال المطروح عادة، بالنسبة إلى علم الاجتماع، هو كيف يمكننا تفسير انبثاق العنف في المدينة؟ أو بتعبير آخر: كيف تساهم المدينة كبناء مجالي في إنتاج العنف؟

يمكن اعتبار العنف الإجرامي والقمع السياسي وعنف العصابات والعنف بين الجنسين نموذجًا للعنف الذي يمكن العثور عليه في أي مدينة من العالم. إن العنف في المجالات الحضرية هو ظاهرة ما زالت تثير اهتمام العديد من ممارسي التنمية، والباحثين، والمختصين في سوسيولوجيا المدينة، الذين سعوا منذ القرن الماضي إلى توضيح أسباب ارتفاع العنف بمختلف أشكاله في المدن حول العالم، بهدف المساهمة في تقديم الحلول التي يمكن أن تساعد في معالجة ما يطلقون عليه باسم “العنف الحضري”، وذلك انطلاقًا من استحضار البعد الخاص بـ “المجال”  Espaceكرافد ثقافي وفيزيقي في فهم عملية العنف التي تخلقها المؤسسات والجماعات والأفراد بالمدينة.

يمثل مصطلح “المجال” أهمية خاصة في السوسيولوجيا، وفي سوسيولوجيا المدينة على وجه الخصوص. فقد أدرك العديد من علماء الاجتماع مثل “هنري لوفيبر” (Henri Lefebvre) أهمية المجال بالنسبة إلى الإنسان، وهو ما جعله في مؤلفه “إنتاج المجال/ The Production of Space” يؤكد على الدور الذي يلعبه كل من المجال والزمان في التأثير على الحياة الاجتماعية، وأنه لفهم هذه الحياة الاجتماعية لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار مسألة المجال والزمان معا وتأثيرهما على الإنسان، فالمجال والزمان هما أغلى ما يمتلكه الإنسان. بهما يستطيع ضمان بقائه من خلال استعمال الطاقة المتوفرة فيهما، والتي هي في متناوله، وخصوصًا في العمليات التي تندرج تحت أنماط الإنتاج، فقد كان هنري لوفيبر يؤكد أن المعرفة المطلقة للمجال يجب أن تعالج من حيث مسألة إنتاجها.

يعتبر المجال هو المجتمع عند علماء الاجتماع، لأنه ما من مجتمع إلا له مجاله الخاص. فالمجال يعتبر ضروريًا لاستمرار المجتمع وبقائه، وهو يتميز بتعاقب الأجيال عليه، ويمارسون داخله مجموعة من الأنشطة الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، وليس بالضرورة أن تكون هذه الأنشطة متشابهة من حيث الممارسة الاجتماعية. وكما يرى جورج زيمل، فإن المجال هو عنصر أساسي وحاسم في التجربة الإنسانية، لأن الأنشطة الاجتماعية والتفاعلات يجب وضعها في سياق مادي.

إن المجال بطبيعة الحال، ليس معطًى ماديًا فحسب، بل هو انعكاس حقيقي للتنظيم الاجتماعي، يأخذ معناه من خلال تنوع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا يمكن تحديد المجال سوسيولوجيًا إلا من خلال إسقاط الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية عليه، والعمل على تحليل قوة هذه الأنشطة وتأثيرها على تطور المجال وخصوصًا “المجال الحضري” Espace urbain، وهو الشيء الذي يجعل الحياة الاجتماعية المعاصرة ترتبط بشكل كبير بالمعطيات التي تميز المجال الحضري عن باقي المجالات، فالمجال الحضري يتميز بأنه أكثر المجالات تعقيدًا، كونه مجالًا خارجيًا محملًا بالصفات السلبية والمتعارضة مع الداخل؛ أي القرية التي تجسد الصفات الإيجابية.

في الوقت الراهن، فإن المجال الحضري هو عبارة عن نسق من العلاقات الاجتماعية التي تقوم في كثير من الأحيان على مبدأ التنافس والصراع. ويتألف المجال الحضري من مؤسسات وجماعات وأفراد يتنافسون داخله من أجل تحقيق مجموعة من الرهانات. وأهم هذه الرهانات هو ما يتعلق بـ “السلطة” Authority، فامتلاك السلطة يعني القدرة على التحكم والسيطرة، إضافة إلى تكوين التحالفات داخل المجال الحضري بهدف تحقيق الرأس المال الرمزي والمادي الذي يوفره هذا المجال.

تتميز المدينة المعاصرة بأنها قائمة على التمايز المجالي، ويتمثل هذا التمايز في طبيعة الأمكنة، حيث نجد تباينًا واختلافًا في القدرة على امتلاكها والسيطرة عليها والمساهمة في إنتاجها. فليس كل أفراد المجتمع قادر أو باستطاعته أن يشغلها كلها، أو أن يلجأ إليها في سلام تام. فهناك صراع ونضال من الفاعلين الاجتماعيين، من أجل إشغال الأمكنة التي يريدون امتلاكها والسيطرة عليها إلى درجة الهيمنة. ففي ظل العلاقات الاجتماعية ذات الطابع الرأسمالي تصبح الممارسات المكانية عند الفاعلين الاجتماعيين ذات صبغة طبقية. وهو ما يسمح للأمكنة، في كثير من الأحيان، بأن تصبح مجالات تنتج وتستهلك وتتحول بفعل عامل الصراع الاجتماعي الذي يرتبط أساسًا بالعمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمؤسسية المعقدة التي تساعد في جعل العنف وسيلة منتشرة لتسوية النزاع واكتساب السلطة.

يرتبط العنف في المدينة المعاصرة باحتكار قواعد ممارسة السلطة من طرف المؤسسات التي تقوم بتدبير موارد المجتمع، إذ إن للعنف نفسه دورًا في إدامة العمليات السياسية داخل المدينة، ومن ثم، فإنه لا يمكن فهم العنف بشكل كامل من دون تحليل للسلطة. فعندما يتم خلق النزاعات والفوضى ويصبح المجتمع منجذبًا نحو المواجهة مع الكتلة التي تمتلك السلطة، فإن المدينة، وانطلاقًا من أجهزتها الأيديولوجية والقمعية التي تحتكر العنف، تتحول نحو علاقة أكثر براغماتية من أجل الضبط الاجتماعي.

تقوم المدينة المعاصرة على العديد من آليات العنف، أهمها آلية الإكراه والترهيب، وهما آليتان أساسيتان لفرض إرادة أولئك الذين يسيطرون على مؤسسات المجتمع. فالمدينة المعاصرة تساهم في تشكيل وبناء المعنى حول أهمية امتلاك السلطة في أذهان الناس، حيث إن الطريقة التي يفكر بها الناس في طبيعة العلاقة الاجتماعية تؤدي إلى تحديد مصير المؤسسات والأعراف والقيم التي ينظمها المجتمع. وبالتالي، فإن ما يعتقده الناس حول المدينة المعاصرة بأنها تعبير عن الديمقراطية وعن الحرية وعن تقدم المجتمع، مثل تمكين الناس من التعليم والسكن والعمل والترفيه هو أمرٌ مبالغ فيه. فما يميز المدينة المعاصرة عن القرية، يكمن في توفرها على العديد من المؤسسات التي لا يمكن أن تدوم طويلًا دون استنادها إلى آليتي الإكراه والترهيب. إذ يكون العنف في بعده الرمزي أهمّ العناصر الحاسمة في الحفاظ على التسلسل الهرمي والهويات والمعايير التي تدعم السلطة. ولكي يستمر العنف، يجب أن يكون حاضرًا في مصالح معينة.

يمكن للمدينة المعاصرة أن تساهم في انبثاق العنف في حالة اعتقاد أغلبية الناس بطرق تتناقض مع القيم والمعايير الموجودة في القوانين والأنظمة التي تفرضها المدينة على المجتمع، الأمر الذي قد يحدث تغييرًا في النظام الاجتماعي، وربما هذا هو السبب الذي يجعل الصراع داخل المدينة المعاصرة يقوم بالدرجة الأولى على معركة بناء المعنى في عقول الناس، وقد يكون أهمَّ سبب في تحول المدينة نحو حيز من الضعف والخطر وعدم الأمن، وذلك عكس ما كانت عليه في بداية القرن العشرين. حيث كان يوجد نوع من الشعور بالعيش المشترك بطريقة منظمة على مستوى المعالم التاريخية المشتركة والمساحة المتقاربة بين أفراد المجتمع في الحياة اليومية بالمدينة.

في الختام: إن فهم المدينة المعاصرة في بعدها المجالي يشكل أحد المكونات الضرورية في تحليل العنف، ويستلزم استكشاف العنف في الأماكن الخاصة، انطلاقًا من دراسة المنزل ثم المدرسة ثم الشارع، مرورًا بالمؤسسات القانونية والسياسية والاقتصادية. حيث يجب أن يُنظر إلى أنواع العنف المختلفة التي تحدث في أماكن متفرقة من المدينة المعاصرة، على أنها سلسلة متصلة ومترابطة، بدلًا من الاعتقاد بأنها منفصلة عن بعضها البعض وأنها بعيدة من التناقضات الاقتصادية والسياسية. علاوة على ذلك، فإن هذا الاعتقاد يتميز بعدم الوضوح حول الخطوط التي تربط بين أنواع العنف المختلفة، وبالتالي، بين الفاعلين المساهمين في ارتكابها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق