أدب وفنون

الفارس المهزوم بين سرفانتس ونزار قباني

توصف رواية (دون كيشوت) للكاتب الإسباني (سرفانتس) بأنها واحدة من أعظم الروايات العالمية، إن لم تكن أعظمها على الإطلاق، وفقًا للمرحلة التاريخية التي كُتبت فيها. تكشف رواية سرفانتس هذه عن ثقافته العالية، ولم يكن تصنيفها بين أربعة أعمال عالمية خالدة عبثًا، فقد استحقت أن تكون بين (إلياذة هوميروس، وكوميديا دانتي الإلهية، وفاوست غوتة). هي رواية ترسم بتفاصيل قصصها وحوارات شخوصها وجمالية إسقاطاتها وتحولاتها الرمزية عمق النفس البشرية، وتزيح الستار بشفافية عن كثير مما يدور في ذوات الشخوص، وتتجلى فيها ثقافة سرفانتس الموسوعية؛ وتتراءى لنا من خلال بطلها (دون كيشوت) شخصية روائي ذكي مثقل بقصص الشعوب وآداب الفرسان الشجعان والجوالين وحكمة الفلاسفة وتطورات الواقع وتحولاته الرمزية.

وضع سرفانتس مخطط روايته، عندما كان في سجن سافيل بين عامي 1957 و1602م، واستمر في كتابتها حتى أنجزها عام 1605م. وهذا التروي في كتابة هذا العمل الخالد ينبئ عن حكمة صاحبها وأَنَاتِه وترويه وفلسفته من جانب، ويذكرنا بشعراء الحوليات العرب من جانب آخر، وهذا التروي في الكتابة يتيح لصاحبه أن يزاوج بين القراءة والتأليف في آن واحد؛ فالقراءة تشحذ الفكر كلما تعرض لنزعة من نوازع الخمول أو الملل، التي قد تمنع الكاتب من الكتابة بين وقت وآخر.

يُشبه الصديقان (دون كيشوت دي المانتشا وسانشو بانثا) في رواية سرفانتس الصديقين (جلجامش وأنكيدو) إلى حد بعيد، مع أن سرفانتس كتب روايته سنة 1615م، ولا يوجد أي دليل على اطلاعه على ملحمة جلجامش، فقد اُكتشفت هذه الملحمة سنة 1853م، ومع ذلك فإن هذا لا ينفي أن تكون هذه الملحمة قد وصلت إليه، كلها أو بعض شذراتها، من خلال التراث الشفوي المتناقل عبر الأجيال بوصفه إرثًا حضاريا مشتركًا بين الأمم والشعوب. ومهما يكن تكشف رواية (دون كيشوت) عن مدى ثقافة سرفانتس الموسوعية واستفادته الكبيرة من مجمل النصوص الأدبية السابقة لنصه، ويبقى له الفضل الكبير في نسج الرواية وتوليفها.

تحكي الرواية عن رحلة حب عصامية يقوم بها (دون كيشوت) الفارس الجوال، يبحث فيها عن المجد والحب والعدالة، ويرافقه فيها صديقه وسائس بغله (سانشو بانثا)؛ لتنتهي بالعجز عن تحقيق الأهداف المنشودة منها؛ وتلقّي الهزيمة -في نهايتها- بعزم وثبات.

ولعل صورة (الفارس العاشق المهزوم) في هذه الرحلة قريبة جدًا من صورة (الفارس العاشق المهزوم) في تجربة نزار قباني الشعرية، وهو الشاعر المعجب بالحضارة الأندلسية، الذي يكشف شعره عن إعجابه الشديد بغرناطة والحمراء وسائر المدن الأندلسية، وتعلقه بقصص الحب فيها على نحو إعجاب (الدون كيشوت)؛ بطل سرفانتس بمدينته (ألمانتشا) وتعلقه الشديد بحبيبته الخيالية (دلثينا دول توبوثو)، ولعلنا نجد كثيرًا من أصداء فكرة البحث عن (الحبيبة المتخيلة) في نصي: (قارئة الفنجان) و(قصيدة الحزن)، وهما اثنان من أبرز نصوص القباني وأشهرها.

قد تكون ثقافة القباني الموسوعية سمحت له بالاطلاع على رواية سرفانتس وكثير من الآداب العالمية، والاستفادة منها ضمن ميدان التجريب الشعري، على نحو ما فعل في قصيدته (مع جريدة) التي أثارت عاصفة نقدية، بعد أن غنتها ماجدة الرومي، فانقسم النقاد بين مدافع عن مشروعية التجريب والاستفادة من الآداب العالمية، وبين منتقد لما أطلق عليه تسمية الإغارة على آداب الأمم الأخرى من خلال الترجمة؛ حيث يُتهم نزار قباني بسرقة قصيدة (غذاء الصباح) للشاعر الفرنسي جاك بريفير.

تتراءى صورة الفارس العاشق المهزوم في نص (قارئة الفنجان) من خلال قول القباني:

فحبيبة قلبك.. يا ولدي!/ نائمةٌ في قصر مرصودْ/ والقصر كبيرٌ.. يا ولدي!/ وكلابٌ تحرسهُ وجنود/ وأميرة قلبك.. نائمةٌ/ من يدخلُ حجرتها مفقودْ../ من يطلب يدها.. من يدنو../ من سور حديقتها مفقودْ/ من حاول فك ضفائرها/ يا ولدي!.. مفقودٌ.. مفقودْ…” إلى قوله: “مقدورك أن تمشي أبدًا/ في بحر الحب بغير قلوعْ/ وتحب ملايين المرات../ وترجع.. كالملك المخلوعْ.”

أخبرنا نزار قباني عن جلوسه أمام العرافة في مطلع نصه (قارئة الفنجان) بطريقة نرى فيها توظيفًا جديدًا للميثولوجيا؛ يشبه جلوس جلجامش أمام أمه العرافة، أو يختلف عنه قليلًا، عندما تنبأت له بموت صديقه أنكيدو، وأخبرته بضرورة عودته وتلقي خسارته أو هزيمته أو متاعب حياته بثبات مثل أي بطل مهزوم، مثلما تشبه (دلثينا) حبيبةُ (الدون كيشوت) الخيالية التي تنام في قصر من البلور، حبيبةَ نزار قباني التي تنام في قصر مرصود، وقد جاء في رواية سرفانتس:

“في الصباح الباكر خرج (حزين الطلعة وسانشو) فارسين، وكأنهما في نشوة مغامرات جديدة، وصرخ (دون كيشوت) فرحًا آمرًا:

-رحلتنا إلى (توبوسو، إلى الجنة حيث حوريتي (دلثينا) في قصر من البلور، تنسج غلالة رقيقة من الذهب والدر وألبسة من الحرير.

سكت قليلًا ثم أكمل بفرح:

-ألم ترها هكذا يا (سانشو) في المرة الأخيرة؟ عندما أرسلتك سفير غرامي وحامل رسالتي إليها.

وعندما يسخر منه سانشو، يغضب دون كيشوت ويقول: “صه، قاتلك الله، وليذهب عنك سحر الشياطين”.

لعل نموذج (الفارس العاشق المهزوم) في (قصيدة الحزن) لدى نزار قباني غير بعيد من نموذج (الفارس العاشق المهزوم) بعمومه، ومثلما عاد (الدون كيشوت) إلى (ألمانتشا) دون أن يحظى بحبيبته (دلثينا) التي تنام في قصر من البلور، رجع نموذج (الفارس العاشق المهزوم) في نهاية (قصيدة الحزن) دون أن يحظى بحبيبته (بنت السلطان)، التي حلم بأن يتزوجها، وراح يرسم وجهها بالطبشور على الحيطان، ويطارد وجهها في الأمطار وفي أضواء السيارات، من دون أن يحظى بشيء غير الأحزان، حين قال:

علمني حبك.. كيف الحب/ يغيّر خارطة الأزمان/ علمني.. أني حين أحب../ تكف الأرض عن الدوران/ علمني حبك أشياء../  ما كانت أبدًا في الحسبان” إلى قوله: “وحلمت بأني أخطفها مثل الفرسان../ وحلمت بأني أهديها أطواق اللؤلؤ والمرجان.

تعيدنا صورة (الآخر المعشوق/الحبيبة النائمة) في قصرها المرصود ضمن قصيدة (قارئة الفنجان) بشكل مباشر إلى رواية سرفانتس، حين خاطب (الدون كيشوت) العاشق سائسَه (سانشو) قائلًا: “الحظ السعيد يتبعنا يا سانشو! والمغامرات تسعى إلينا، لا شك من أن هذين الأسوَدين ساحرين، وقد سبيا الأميرة، وأحاطوها بالأقزام والمسوخ…إلى القتال”.

وكذلك يعيدنا كل من قراءة أقاصيص الأطفال ودخول قصور ملوك الجان إلى سرد الراوي في رواية سرفانتس، حين وصف بطله (الدون كيشوت) وسائسه سانشو؛ حيث قال: “ثم حاول النهوض فلم يستطع، وكرر عدة مرات، وكان مصيره الفشل. أما الفارس فقد استطاع أن يقف بعد أن لفظ اسم (دلثينا) سبع مرات”.

وكذلك تضعنا محاولة العاشق أن يخطف حبيبته مثل الفرسان في (قصيدة الحزن) أمام هذا المشهد من رواية سرفانتس: “هذا الشكر لا يكفيني، بل عليكم أن تذهبوا إلى (توبوسو) لتركعوا عند قدمي ملاك الهوى، وملكة سيفي، أنا سيد الفرسان…”.

إلا أن الفارسَين العاشقين المهزومين لدى سرفانتس والقباني يستسلمان لفشلهما في البحث عن الحبيبة الأسطورية المتخيلة، ويعترفان بأن البحث عن هذا النوع من الحب ما هو إلا نوع من الجنون، ويتلقيان هزيمة الحب الرومانسي الحالم بعزم وثبات؛ حيث جاء في ختام رواية (الدون كيشوت) الحوار الآتي بين الدون كيشوت وصديقته السائس سانشو بانثا:

– آه! يا مولاي! لا تدع نفسك تموت! وإن أكبر جنون في الدنيا، هو أن يترك الإنسان نفسه تموت قبله، وعندما لا يقتله أحد. فقم لنمارس الحياة الرعوية… وسوف ترى (دلثينا) بين الأشجار!

– صه يا سانشو! فأنت الآن تحادث عاقلًا، فاترك جنوننا السابق، وآمل أن تكون توبتي، ومشاعري الصادقة، ورفضي للجنون والأوهام التي ملأت رأسي سابقًا، سببًا كافيًا لاسترداد احترامكم لي الآن….

على قبر دون كيشوت، نقشت مئات المرثيات، من بينها شاهدة (سمسون كريسكو)، وهي تدل على محبة وإكبار:

(هنا يــــرقد النبيل الباسل الذي بلغ الغايات بشجاعته … تـحدى الدنيا بأسرها، وإن ما أمن له السعادة، هو أنه مات عاقلًا بعد أن كان مجنونًا)

مثلما اعترف القباني في (قصيدة الحزن) أن البحث عن هذا الحب الرومانسي الحالم هو نوع من أنواع الجنون أو الهذيان، حين قال:

علمني حبك سيدتي ما الهذيان/ علمني كيف يمر العمر/ ولا تأتي بنت السلطان..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق