أدب وفنون

“ديسفيرال”.. حياة على شفير الهاوية

رواية (ديسفيرال) الصادرة عن دور نشر (سطور وسومر وسنا) في العراق، هي الرواية الرابعة للكاتب نوزت شمدين آغا، والعنوان الملفت للنظر هو اسم لدواء يأخذه مريض (الثلاسيميا) خمس مرات على الأقل في الأسبوع، مدى الحياة، وذلك لسحب الحديد المتراكم في الجسم، من جراء أخذ الدم من المتبرعين بشكل مستمر. تقع الرواية في (256 صفحة) من القطع المتوسط.

“وحدهم أبناء الشرق البائس من يدفعون ثمن تذكرة العبور إلى الدنيا، ويبقون يدورون في فلك ظروفها القاسية التي لا ترحم، فتكون الأيام بلياليها سواء بسواء، لا شيء جديد، لا خيط وهم للخلاص يلوح في الأفق، وحده المكان من يمسك بتلابيب أرواحهم البائسة مثل شرقهم، وينذرهم بنكباته كل مرة، دأبه دأب المؤرخّ، لكنه يؤرّخ حيواتهم الآيلة إلى السقوط والعدم، ليشتعل يقين الفناء في داخلهم، ويؤكده المرض والعلل التي لا تنتهي، لتقبع الأجساد تحت رحمة السوط في صيرورة أبدية، وسلسلة هواجسها التي تضع النصل أيقونة على أعمارهم التي نذرت نفسها للفناء والعدم؛ لعلهم ينجون به من رحلة العذاب الطويلة، رواية تسرد حكاية المكان، حكاية الإهمال للكثيرين من أبنائه الذين نال منهم المرض، بسبب عدم اتخاذ أية إجراءات وقائية أو علاجية، ليذهب الكثير من هؤلاء ضحية المرض والفقر والإهمال، مثلهم مثل غيرهم من الدول التي يدفع أبناؤها ثمن ذلك أيضًا”.

 دواء (الحيا موت)

تفرغ الحياة من مضامينها مع موت ينتظره كل لحظة، ليعيش (جابر) بطل الرواية، والمصاب بمرض (الثلاسيميا) عمره بين الحياة والموت؛ يشده أحدهما من الآخر، ليبقى رهين العتبتين معًا، ويمضي هو غير آبه بشيء؛ بعدما فقد جسده غلالته، فيبقى مالكًا لروحه وحدها التي تطرق باب أمل مقفل، روحه التي تعد الأيام في كل مرة يتناول فيها دواء (ديسفيرال) الذي يؤرّخ ساعات عمره الماضية والقادمة، ليدوّن في صفحته ذكرى عربة مليئة بالهموم، لجسد ينكمش على نفسه، ويقترب من الرحيل، في رغبة عارمة لوضع حدّ لمأساة تستمر سنوات، ويستمر الديسفيرال معه؛ ينذره بموت نجمته الشاحبة، للوهلة الأولى التي أخذ فيها أولى جرعات هذا الدواء، والذي هو نفسه يبقيه على قيد الحياة، وهو الذي يفتح له باب النهاية على آخره، ليحمل نفسه مستدعيًا شمس غيابه، ويضع نقطة الموت على سطر ضياع حياته في ردهات المشافي؛ “ليس أمامك سوى تزويده بالدم مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع.. وبعد فترة حقنه بدواء جديد اسمه (ديسفيرال) تحت الجلد معظم أيام الأسبوع… يجب حدوث هذين الأمرين مدى الحياة. منع الدواء عنه يعني إعدامه”. ليدعو جابر اللهَ لكي يخلصه مما هو فيه: “هل يحبني الله.. لماذا إذن لا تشفيني”.

حيوات متعددة

تسكنه أرواح كثيرة، أشباح وظلال لا حصر لها؛ في ذلك الجسد الضعيف؛ الذي يحمل كل تلك الأرواح فيفرح لفرحها، ويبكي لبكائها، ويعيش معها ذكرياتها العابقة بألم الفوضى والضياع، والحزن الدفين لسجنٍ هو أوردته التي تمتص الدم كل ثلاثة أسابيع مرة واحدة، ويقرر إخفاء معالمه عن أعين أهله المتشددين دينيًا؛ ويمنعونه من استعمال التلفاز، أو أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى اللعب بسبب هشاشة عظامه وضعفها، ولم يفعل ذلك إلا خشية من معالجته من قبلهم بالسحر والشعوذة؛ لإخراج تلك الأرواح التي تعيش معه أيامه، “علاج ابنك بشيئين لا  ثالث لهما. الأول بالرقية الشرعية، والثاني بامتناع الأم عن تناول الملح حتى يبرأ الرضيع من سقمه”، فبات هذا الشيء متعته ليتخلص من رتابة الأيام حوله، ومن الكآبة والوحدة التي أسدلتا على روحه بسبب المرض. فكان يخفي ما يشعر به بين ثنايا روحه المتألمة التي اخترعت فيما بعد لعبة تهبه بعض الأيام، حينما قرر أن يحتفظ بذلك السرّ وحده، ويتماهى مع كلّ من يعطيه دمه في كلٍّ واحد، فيصبح المتبرّع المؤنس والصاحب الوحيد له في عالمه الضائع، ليبقى على وضعه هذا حتى تمنحه (ليان) الفتاة المتبرعة له وقتًا قصيرًا بأيامه، كبيرًا بلذّته وأحلامه، لتجعله يعيش السكينة بكلّيتها في أيامها وحدها؛ من دون جميع الأرواح السابقة، (ليان) بائعة الزهور التي تعرّف إليها عن طريق تبرّعها بالدم له؛ ذلك الدم الذي احتلّ مكانًا له في جسده؛ ليعطيه الأمل لأول مرة في الحياة، وهو يستعيد به، وعن طريقه في عقله الملايين من صور ذكرياتها الجميلة، والتي دفعته إلى عشق الحياة وحبّها.

زمن طويل بحجم الألم

زمن طويل يطول معه وجع جابر الذي ينتظر لأكثر من عشرين سنة حدثًا مفاجئًا؛ موتًا مفاجئًا تأخّر عن وعده وموعده له، وكلما كان يمنّي نفسه به تستجد في شرايينه أشياء جديدة، يهرب بها إلى تهويمات الخيال، إلى عالمه السرّي الذي صنعه لنفسه هربًا من إبر تمنحه الحياة مرة واحدة كل شهر، ليعيش به حتى الشهر الذي يليه؛ في سلسلة لا متناهية لعذاب لا متناهٍ؛ أو على تلك الإبر التي تحفر عميقًا في جسده، بعمق حزنه كل يوم؛ لإعطائه دواء (الديسفيرال).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق