مقالات الرأي

الثورة واحدة في كل مكان

تتضافر جهود وخطابات الطغاة والمستبدين من جهة، إلى جانب الضحايا من طلائع الحركات الثورية أو الاحتجاجية أو المطالبية في الدول العربية، من جهة أخرى، في نفي إمكانية التشابه الذي يمكن للمرء أن يجده ويلحظه بفظاظة بين ثورة وثورة، وبين احتجاج واحتجاج، وبين انتفاضات اجتماعية وأخرى. فصار من المكرر أن تستمع إلى الطغاة يُنبهون ويحذّرون من أن بلدهم ليس ذاك البلد الآخر الذي شهد حراكًا مشابهًا. فالجزائر ليست سورية، بالنسبة إلى ممثلي القيادة السياسية غير المنتخبة في الجزائر. كما أن السودان لم تكن سورية، بالنسبة إلى الطاغية العسكري المهزوم. وأحيانًا، يسعى الحكام، بنجاح نسبي مهم، لإخافة جموع شعبهم بالتجارب التي تحوّلت ثوراتها السلمية إلى معارك طاحنة ودمار شامل. فنرى أن جنرالًا جزائريًا يقول إن استمرار الاحتجاجات يمكن أن يُعيد إنتاج الحالة السورية مثلًا. كما سبق لطغاة عرب، بطريقة سلبية حتمًا، أن أشاروا إلى نفس المثال، لترهيب شعوبهم من القيام بأي بادرة عامة أو تحرك جماعي للمطالبة بأدنى الحقوق المصادرة في أغلب تلك الدول المحكومة بالحديد والنار والفساد والإفساد.

نجح المستبدون إذًا في إثارة الرعب في أوساط مجتمعاتهم، وإبعادها عن أي ميل للمطالبة، وذلك من خلال استعراض حجم الخسائر والدمار الذي أصاب الشعوب التي تجرأت على ذلك. كما سعت دولٌ أخرى، تخشى التغيير والإصلاح، بطريقة أمرّ وأشد تخريبًا، لتبني مبادئ هذه الثورات في بداياتها، والركوب على موجاتها، وتمويل تحوّلها من سلمية وسياسية إلى عنفية وعسكرية، أو إنها استغلت الظرف الذي أدى إلى ذلك وأججته. وبالنتيجة، فسرعان ما تخلت عن الثورة التي ادعت يومًا أنها تقف إلى جانبها كذبًا، محولة المشهد إلى دمار الروح والأمل، وجثث ممزقة ودماء تسيل، مما يسمح لها، بسهولة نسبية، بالعمل على إقناع شعوبها، كما الشعوب الشقيقة الأخرى، بسلبية وعدم صوابية هذا التوجه. وقد ساعدها في تنفيذ هذه السياسة ضعف استقلالية بعض متصدري العمل السياسي المعارض، كما الحاجة والفاقة التي دفعت بعدد آخر إلى فتح الباب واسعًا أمام الاستثمار في قضيتهم الوطنية.

من جهتهم، سعى بعض المنخرطين في الثورات أو الحركات الاحتجاجية، على مختلف أنواعها، للتطهّر من أي مشابهة أو مماثلة أو إسقاط. فرأينا البعض يقول إن الجزائر ليست سورية، كما السودان ليست ليبيا. إلخ. وفي هذه الطهرانية هروب مفتعل، ولكنه غير منظور الوقع، للتخلص من أي تهمة تشكيكية في مشروعية تحركهم الاحتجاجي. كما أن من الملحوظ أن عددًا من متصدري الحراك الثوري في هذه البلدان، والذين يتطهرون من أي مطابقة، هم كانوا أساسًا دعاة أو داعمين للطغاة في البلدان الأخرى، ليس عن مصلحة بالتأكيد، بل عن موقف عقائدي متخشب، يجبرهم على التنديد بشكل أوتوماتيكي بما يمكن أن يكون فعلًا ثوريًا متأثرًا بتدخل خارجي يعدّونه إمبرياليًا أو استعماريًا. وبالتالي، فهم بنوا الظنون وتوهموا الأبعاد، وصدقوا ما بنوه من خيال قومي قائم على تصوّرات كاذبة لطبيعة ثورات الآخرين. وكذا، فإنهم آمنوا ووثقوا بطغاة دمويين، لمجرد أن خطاب هؤلاء الطغاة يتناسب مع مشاعر القومية والوطنية الزائفة التي تتضمن معاداة صوتية للعدو الخارجي وممانعة هلامية للتنازلات الإقليمية ومقاومة سفسطائية للهيمنة الإمبريالية التي يستعيضون عنها بإمبرياليات مستحدثة من إيران حينًا، ومن روسيا أحيانًا.

ما يجري في الجزائر وفي السودان اليوم، مرتبط أيما ارتباط بما جرى في تونس ومصر وسورية وليبيا.. وبمعزل عن التطورات الدموية والمآلات التدميرية المحبطة لبعض هذه الساحات، فإن الناس خرجوا بعفوية وتنظيم بدائي دقيق، في كل من هذه البلدان، مطالبين بالحرية وبالكرامة وبالعيش الكريم. ولن يتمكن أحد من التمييز، بين صياغة الشعارات التي عمّت في كل “الجبهات” الشعبية، لمواجهة طغاة المال والسلاح والموت. في المقابل، يمكن للتمييز أن يتم في معالجة أساليب التعامل الأمني والعسكري مع مختلف هذه الاحتجاجات. فعلى الرغم من تشابه الأنظمة في انعدام الشرعية، وفي استغلال ثروات البلاد لمنافع ذاتية ولبناء جيش من الولاءات التي تباع وتشترى، فإن درجة التعامل العنفي اختلفت من بلد إلى آخر. فعلى سبيل المثال، لم يكن للجنرال السيسي، بعد انقلابه على الشرعية، أن يقوم بمجزرة رابعة إلا بعد أن تأكد أن استخدام السلاح الكيمياوي في سورية لا عقاب عليه. وسواه من القادة، لم يتح لهم الزمن اللجوء إلى القوة، أو أن جيوشهم استبقت المأساة المباشرة في تنفيذ انقلابات صورية، استعادت فيها السلطة من أيدي الطغاة السياسيين، للتقدم إلى المسرح كأنها صانعة الحل، كما في السودان وفي الجزائر، وهي بذلك تعيد إنتاج ما تمت الإطاحة به، بسوء أقلّ ربما، ولكن بنفس الروحية الاستبدادية.

لا يفيد التطهر من المشابهة والمماثلة والمطابقة إلا الطغاة وأزلامهم وأولياءهم. وبالتالي، فمن المؤسف أن ينجر بعض المقتنعين فعلًا بثوراتهم الوطنية ومشروعيتها، مهما كانت عليه آراؤهم تتجه سلبًا في ما يخص ثورات الآخرين، إلى تمييزها عمّن سبقها وعمّن سيليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق