تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لماذا تُصعّد موسكو في إدلب؟

لم تنتظر روسيا الإعلان عن مسودة البيان الختامي لجولة أستانا الأخيرة، المنعقدة في 25- 26 الشهر الماضي، حتى تعلن عن فشل المحادثات، بلغة التصعيد والإبادة وحرق أرياف إدلب وحماة، وهي مناطق يُفترض أنها مشمولة ضمن “المنطقة المنزوعة السلاح” بحسب اتفاق (سوتشي) الذي تم توقيعه بين الرئيسين: الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، في أيلول/ سبتمبر عام 2018.

وتزامن التصعيد، على ريفي حماة الشمالي والغربي، وريف إدلب الجنوبي، مع تصريح للرئيس بوتين في العاصمة الصينية بكين، قال فيه: “لا نستبعد عملية عسكرية في إدلب”، مضيفًا: “علينا البحث عن أفكار جديدة في الملف السوري”، في إشارة إلى ضرورة إنهاء دور التنظيمات الإرهابية (هيئة تحرير الشام).

كذلك كشفت صحيفة (الوطن) الموالية للنظام، عن وصول حشود عسكرية تابعة له، إلى ريفي إدلب وحماة، استعدادًا لإطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب، إلى جانب عودة البراميل المتفجرة إلى المناطق المأهولة بالسكان، لأول مرة منذ سبعة شهور، وبحسب آخر إحصائية فإن 700 غارة تم شنها خلال الأسبوع الماضي، وتسببت في مقتل أكثر من 270 مدنيًا، وفق ما وثق (منسقو الاستجابة)، وتسبب القصف أيضًا في خروج مشفى كفرنبوذة ومخيم للنازحين في ريف حماة، ومركز إسعاف في بلدة اللطامنة، ومشفى التوليد في بلدة قلعة المضيق في حماة، عن الخدمة، ونزوح أكثر من 9000 آلاف شخص من المناطق المستهدفة، وهذا الأمر بات يدعو إلى التساؤل عما تريده روسيا من وراء عودة التصعيد والتلويح بعمليات عسكرية، قد تفضي في مكان ما إلى نسف اتفاق (سوتشي)، وإنهاء كامل التفاهمات بين الضامنين ( التركي والروسي)، ومنه إلى نعي مسار (أستانا)، وذلك بسبب الكثير من إشارات الغموض على الموقف التركي الملتزم بالصمت عن الإفصاح عما يجري، حيث اكتفى برمي الكرة في ملعب الفصائل المعارضة الرافضة أيّ وجود روسي في “المنطقة المنزوعة السلاح”.

كما يكشف التصعيد عن فشل ذريع لجولة أستانا الأخيرة، وهذا يدعو إلى التساؤل الأهم عن الخلاف الواضح بين موقف روسي متصلب، وتركي متراجع، ولا سيما أن البيان الختامي لم يأت بجديد، باستثناء التنديدات التي أُطلقت بسبب إعلان ضم الجولان، والإعلان عن إدخال دول عربية جديدة في جولات أستانا القادمة.

ويذهب العديد من المحللين إلى وصف المشهد الأخير بأنه ضبابيٌ ومعقد، بسبب كثرة التناقضات وتقاطع المصالح في محافظة إدلب، سواء بين الدول الضامنة لمناطق “خفض التصعيد”، أو تأثير الدول الإقليمية على المشهد الراهن. مع ذلك، وبعيدًا من استشراف مصير المنطقة، يمكن التوقف عند جملة من المعطيات التي تقف وراء التصعيد الأخير، على رأسها ما رشح عن جولة (أستانا) في جزئية ملف إدلب، ومن المعلوم أن الجولة الأخيرة كانت مخصصةً للإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية، ومناقشة ملفي إدلب والمعتقلين، لكن شيئًا من انفراج بعض الحلول للملفات الثلاثة لم يحدث، فملف اللجنة الدستورية، كان الأكثر نصيبًا من المحادثات، بحسب تصريحات وفود المعارضة، الذين عدّوا الخلاف على ما يتعلق بملف الدستور، أعقد وأبعد من مجرد خلافٍ على ستة أسماء متعلقة بسلّة المجتمع المدني، وفي هذا إشارة إلى وجود نوع من “بازار” دولي لم ينضج بعد.

أما في ما يخص ملف إدلب، فقد كشف أيمن العاسمي، عضو وفد (أستانا) عن موعد تسيير دوريات مشتركة روسية تركية، في “المنطقة المنزوعة السلاح” وخارج مدينة إدلب بداية أيار/ مايو، وهذا ما أكده المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينتيف، بعد اجتماعه مع وفد المعارضة، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ بلاده لن تشن عملية عسكرية شاملة في إدلب، بل ستحافظ على اتفاق سوتشي، بالتنسيق مع تركيا، بهدف تطبيق كامل خريطة الطريق.

إن الإعلان عن تسيير دوريات مشتركة تركية-روسية، كان أحد الأسباب الرئيسة التي فجرت الخلاف التركي-الروسي، وهو ما دعا الطرفين إلى التركيز والبحث في هذه المسألة، مقابل ترحيل بقية الملفات (اللجنة الدستورية، وملف المعتقلين) إلى الجولة القادمة في تموز/ يوليو 2019.

الإعلان عن الدوريات المشتركة إلى جانب عودة مفاجئة لإيران، كطرف فاعل في ملف إدلب، أثار حفيظة الداخل السوري (فصائل عسكرية، ومجالس محلية، ومدنيين، وسياسيين)، وبحسب مصدر مطلع، فإن إيران كانت حاضرة في المحادثات، محاولة إعادة تأثيرها على المشهد السوري، بهدف الحفاظ على مناطق نفوذها في الشمال الغربي، وهي تريد أن تخفف من وطأة الحرب الاقتصادية عليها، وتثبت أنها قادرةٌ على التأثير خارج نطاقها الجغرافي، على الرغم من كل الضغوطات الغربية.

على الصعيد السوري، يبدو أن هناك انقسامًا واضحًا في موقف الفصائل العسكرية المعارضة، فمنها من يلتزم الصمت أمام ما يجري، من إملاءات روسية، لإرضاء الجانب التركي، وأخرى تعتبر أن أي وجود روسي في “المنطقة المنزوعة السلاح” يُعدّ خطًا أحمر، غير قابلٍ للنقاش، وسيكون بمثابة شرعنةٍ لاحتلال مناطق المعارضة، كـ (جيش العزة) مثلًا، الذي صرح قائده مصطفى بكور، بأنه سيتم استهداف أي وجود روسي في مناطق المعارضة، وللتنبيه، يُعدّ (جيش العزة) من أشد المعارضين للتوجهات الروسية، وغير ماثل للتوجهات التركية أيضًا، ويتبنى تطلعات الشعب السوري بالدرجة الأولى، وخاض العديد من العمليات المنفردة ضد استفزازات النظام وروسيا.

“هيئة تحرير الشام” رفضت، هي الأخرى، وجود الدوريات للوهلة الأولى، ودفعت (حكومة الإنقاذ) إلى رفضها عبر إصدار بيانات من المجالس المحلية، لكن آخر ما صدر عنها، يشير إلى أنها قد تقبل بالدوريات المشتركة بشرط أن تكون تحت رعايتها، وإن تحقق هذا الأمر، فهذا يعني أنّ تركيا رمت بهذه الورقة بأيدي الفصائل، لأنها غير قادرةٍ وحدها على إجبار المعارضة المنقسمة، على الرضوخ للتوجهات الروسية، فجاء التصعيد كوسيلة ضغط على الفصائل، للقبول بموضوع الدوريات الروسية، وهو الأمر الذي قد يفتح الباب حول خطر حقيقي على مستقبل المنطقة، فمن شأن تسيير الدوريات الروسية أن يفتح شهيتها على قضم كامل “المنطقة المنزوعة السلاح”، تماشيًا مع سياسية “الخطوة بخطوة”، التي أعلن عنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سابقًا، وبالتالي فإن الاستراتيجية الروسية تتمثل في تأمين العمق الاستراتيجي لقاعدة جورين وحميميم، بالسيطرة على الشريط الممتد من ريف حماة الشرقي والشمالي وإدلب الجنوبي، وصولًا إلى السيطرة على مثلث جسر الشغور وسهل الغاب، وإذا تحقق لروسيا ذلك، فإن المعارضة ستخسر نصف مساحة المحرر الباقية في إدلب.

ولعل ما قامت به روسيا من تحركات الشهر الفائت، يثبت ويؤكد صحة النظرية الروسية الأخيرة، حيث كشفت بعض التقارير، عن إنشاء روسيا معسكرًا جديدًا لقواتها جنوب غرب قرية حيالين بريف حماة الشمالي، بهدف إشرافها على مناطق التّماس مع المعارضة، جاء ذلك بعد أن تمكنت من السيطرة سابقًا على  خط التّماس الغربي في سهل الغاب، وعملت روسيا على تهجير أهالي مناطق (بريديج، الجرنية، الطار) في الشمال الغربي لحماة، بذريعة أن سيتم استهدافها بغازات سامة، لكن الغاية تكمن في الاستيلاء الروسي عليها، وجعلها خطوطًا خلفية لإدارة المعارك.

وقد ذكر القيادي في (الجيش الحر) العقيد فاتح حسون، لإحدى وسائل الإعلام، أن روسيا توجه رسائل عدة من جراء نشر قواتها بالقرب من خطوط التّماس مع المعارضة، إحداها موجهة إلى حلفائها، إيران والنظام، ومفادها عدم تجاوز الحدود الروسية المرسومة، والثانية مخصصة لبعض الخصوم، حول إمكانية قيام روسيا بأعمال عسكرية واسعة، في حال عدم التفاهم حول القضايا العالقة، كملف الدستور، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

بناءً على المعطيات الأخيرة؛ لا يبدو أنّ انفراجًا قريبًا سيحدث في ملف إدلب، بل إن الأمور متجهة نحو المزيد من التعقيد، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصدرت بيانًا دعت فيه كل الأطراف إلى الالتزام بوقف التصعيد، فإن ذلك يبدو لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام، فروسيا أصبحت صاحبة القرار، وتسعى جاهدةً لرسم وتحديد مناطق نفوذها في عمق الجغرافية السورية، كخطوة تكتيكية تلي السيطرة على ميناء طرطوس، وهو ما يُعد تطويقًا لتركيا في مياه المتوسط، وإضعافًا لدورها في مناطق عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري، وقد يقودها لاحقًا نحو مزيدٍ من التراجع على حساب التمدد الروسي، الذي لا يبدو أنه سيقف عند حدود إدلب، بل سيتعدى الجغرافية السورية، وصولًا إلى البحر الأحمر وشمال أفريقيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق