مقالات الرأي

سورية.. الخسائر المستمرة

مع انطلاقة موجة ثانية من إسقاط الأنظمة في الجزائر والسودان بتظاهرات سلمية، عادت الحسرة للسوريين، وكأنهم استفاقوا في غفلة منهم على وقع الخسارة، خسارة شربوا مرارتها جميعًا، وعاشوا المأساة بكافة أبعادها وتجلّياتها، وازدادت محاولات المقارنة بين هذه الدول وشعوبها، وبين سورية وشعبها العالق على ضفاف الموت في الحرب وفي شائعات السلم. مقارنة لن تقدّم شيئًا سوى زيادة الوهم الذي كان أساسًا في قراءة الوضع السوري خلال السنوات الماضية.

ثمانية أعوام مضت على انطلاق موجة الربيع المحمّلة بالتعثّر أكثر من الإنجاز، على مستوى الدول العربية، وأكثرها تعثّرًا في سورية، التي تحوّلت إلى لقمة سائغة لكل المستفيدين من الحرب والمتنفّذين فيها، والذين عزلوا السوريين عن أخذ دورهم في إيجاد الحلول، أو في تقديم رؤى قادرة على الإنقاذ يمكن نقلها من حيّزها النظري لتصير واقعًا. فالطروحات والمكاشفات الكثيرة التي قدّمها السوريون من مختلف الأطياف السياسية، خلال الفترة المنصرمة، كانت تدور حول سؤال مركزي: “أين الخطأ ومن المخطئ؟” وكل يدير دفّة الخطأ باتجاه الآخر، بحسب التقسيم الذي درج “موالاة ومعارضة”، ثم دخل في الحيثيّات بعد أن ركبت النخب السياسية والعسكرية عربة اسمها المنطقة، وأخرى اسمها المذهب والطائفة، وأخرى اسمها معارضة الخارج والداخل، لتسود هستيريا الاتهامات والإدانات بين أطياف المعارضة.

المواقف التي اتخذتها القوى السياسية والعسكرية المعارضة تجاه الحلول، كانت تعكس هيمنة الرؤية الوثوقية على أساليب تفكيرها وعملها، على الرغم من اختلاف انتماءاتها العقدية والأيديولوجية. وثوقية لا تنبع من قدرتها الميدانية وقوتها الفعلية على الأرض، إنما من التعويل على الداعمين وتأثيرهم، مع تجاهل التركيبة شديدة الخصوصيّة لنظام الحكم السوريّ وقدرته على توحيد الكثير من الأطياف في “مواجهة المؤامرة”، والتجاهل لدور المحيط الإقليمي ووزنه في تغيير المعطيات، إضافة إلى تجاهل التوازنات التي صيغت بعناية طوال عقود مع “إسرائيل”، والتي تتناسب مع رغبة الدولة العظمى “أميركا”، على الرغم من الشقاق المعلن بين النظام وبين واشنطن، وتتناسب مع أجندة روسيا التي تدرك أن دخولها الحرب في سورية يعتمد الحفاظ الكلي على خط التوازن بين سورية و”إسرائيل”.

بوصلة صوغ السياسة الأميركية والروسية، إزاء سورية، هي “أمن ومصلحة إسرائيل”، على الرغم من التراشق الدبلوماسي بين موسكو وواشنطن، نتيجة تباين المصالح. هذه البوصلة حكمت السياسة الأميركية طوال العقود الماضية، وستستمر، أما روسيا فحدود بقائها الاستراتيجي في سورية تندرج حول إدارة التفاعلات المرتبطة بالقضية السورية، وتمتين العلاقة مع كافة الفاعلين في الحرب، وعلى رأسهم “إسرائيل”. فـ “أمن إسرائيل” كان أحد الأولويات التي وضعتها روسيا نصب عينيها منذ دخولها إلى سورية، والتنسيق بين موسكو وتل أبيب لم يكن خافيًا حتى على محور الممانعة الذي طالما أشاد بالدور الروسي في حفظ أمن سورية! ومن بين المشيدين إيران التي تعدّ أن دخول روسيا إلى سورية كان بناء على طلبها.

ما تمّ التغاضي عنه خلال الحرب صار أكثر انكشافًا مع شائعة نهاية الحرب، وقد توضّح باعتراف ترامب بـ “سيادة إسرائيل” على الجولان، والصمت الروسي وتجاهل محور الممانعة. الخبر بحدّ ذاته لم يكن صاعقة في سماء صافية دبلوماسية أو ميدانية، فقرار ضمّ الجولان اتخذته “إسرائيل” أول مرة، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981. ومنذ نهاية العام الماضي، أشارت “نيكي هايلي”، مندوبة واشنطن السابقة لدى ​الأمم المتحدة،​ إلى أن أميركا ستصوّت ضد قرار الأمم المتحدة القاضي بانسحاب ​”إسرائيل​” من ​هضبة الجولان​، وأن هذا التصويت عديم الجدوى، والقرار متحيّز ضد “إسرائيل”، وأن النظام السوري ليس أهلًا للحكم، مع أن مسألة الحقوق السياسية والسيادية للدول لا تقاس بطبيعة النظام السياسي الحاكم هنا أو هناك ولا بأهليّته. وخلال فترة الحرب علت كثير من الأصوات التي تشير إلى مسألة بيع الجولان، وأن النظام هو الحامي الأكثر إخلاصًا وتفانيًا لحدود “إسرائيل”، كأن نقرأ عن مصادر أمنية إسرائيلية ما يفيد بضرورة بقاء النظام، حرصًا على الأمن القومي الإسرائيلي، أي أنه منسجم في هدفه مع روسيا التي وصل حرصها على المشاعر الإسرائيلية إلى حدّ تقديم الهدايا القيّمة، بدءًا من دبابة معركة السلطان يعقوب عام 1982، إلى ساعة كوهين التي أخذها الموساد بعملية “سرية”، إلى بقايا الرقيب زكريا بوميل، انتهاءً بجثة إيلي كوهين، وكلّه يشير إلى أن الممانعة الوهمية تقتصر على خطاب إعلامي تمارسه القنوات التلفزيونية لإقناع من يرغب، ولم تكن أكثر من مماحكات سياسية.

في لعبة النهاية لدبلوماسية الأزمات، اتّضح ميلان الدفة الروسية لمصلحة “إسرائيل” وإمكانية المقايضات معها مقابل الحصول على امتيازاتها في سورية، وبات استعدادها لإخراج إيران الصديق المفترض، أكثر ضرورة. وهو ما بدا واضحًا في التحركات الأخيرة للميليشيات التابعة لإيران في درعا، وارتفاع حدّة الصراع بين الجانبين الروسي والإيراني، التي دفعت إلى تدخل المخابرات الأردنية، ومن ورائها الأميركية لدعم التوجّهات الروسية لردع محاولات طهران رفع درجة التحدّي لـ “إسرائيل” على أمل الحصول على بعض المكاسب أو استرداد جزء مما قدّمته خلال الحرب، والذي يبدو بعيد المنال بالنسبة إليها، علمًا أن تقليص الوجود العسكري لا يعني تقليص الوجود الإيراني في سورية.

خروج سورية من مدارات الحرب إلى تصفيات نهاية الحرب، جعل بلوى التعويل على وجود حلول خارجية، تُقدّم على طبق من فضة لإنقاذ سورية والسوريين، تصل إلى أشدّها وخصوصًا عند المعوّلين على واشنطن أو موسكو بأنهم المتحكّمين في مربط النهايات واستقرار سورية، فطبق الفضة حمل رأس الجولان ضمن مقايضات لا تعطي أي اعتبار لمصالح السوريين. وإن استعادة التعويل على الخارج، في ما يتمّ تسريبه من جديد حول خطة لعدالة انتقالية وفجر جديد لسورية يقدّمه الجانبان الأميركي والروسي، تعيد للأذهان صيغ الوهم المرصّعة بالوعود الضبابية التي غالبًا ما يتم تفسيرها أو تأويلها بعقلية الرغبات والتمنيات. فأميركا لم تعنِها مساعدة الشعب السوري أو غيره في إزاحة الأنظمة، وتجربة العراق لن تكررها في سورية، وروسيا فقدت بريق حمايتها بعد الترويج للانتصار المزعوم الذي كشف زيفه الواقع المعاشي المنعكس سلبًا على معظم سوريي الداخل، مع سيطرة حيتان المال والسعي الروسي للاستحواذ على الاستثمارات والمصالح الاقتصادية والسياسية الاستراتيجية.

السوريون في نهاية المطاف خسروا معاركهم مع بعضهم في اتهامات الخطأ والخطيئة، وخسروا مع الأمل الزائف بالمنقذين، ولكنهم لم يلتفتوا حتى الآن نحو السؤال الفعلي: “ما الحلّ وما العمل”. هذا السؤال ما زال متعثّرًا بالطرح على مستوى واسع، فحال التمزّق قد طالت كافة القضايا التي يمكن أن يرى فيها السوريون مخرجًا لواقعهم، مع غياب الاتفاق على فهمٍ مشتركٍ للمشكلة والواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق