مقالات الرأي

هل تغيّر شيء حقًا!

كانت ألفية جديدة مع أمنيات وآمال عظيمة. أوليس عظيم الحظ من يشهدها، كما قيل دائمًا؟ العالم يتغير وكل شيء ينبئ بالجديد، الحرب الباردة انتهت، الاتحاد السوفيتي لملم أعلامه مهزومًا، وشعوب لم تعرف سوى المطرقة والمنجل المسلطين على رقابها، تنضم بثوراتها الملونة إلى “جنة” العالم الديمقراطي، والتوقعات بعالم تحول إلى “قرية صغيرة” بفضل ثورة الاتصالات، تصل إلى الأقصى، فالقيود أزيلت، وهناك مساحات التعبير الحرة للجميع.

حسنًا. لنعترف بأن كثيرًا من الأقوال التي قيلت تبيّنَ أنها ما كانت إلا أضغاث أحلام، بناها الوهم وتفاؤل أحمق، وليكون التعبير أكثر إنصافًا: ثمة أشياء تغيّرت حقًا، ولكن التغيير كان انتقائيًا، حيث يمكن القول حاليًا، بكل ثقة، بعد سفك دماء الملايين وتدمير أكثر من خمسة دول عربية، بأن ما تغيّر ليس بذي أهمية.

بانتهاء الحرب الباردة وسيادة العولمة الاقتصادية والعولمة الثقافية، ولا سيّما الهوليودية؛ اعتقد الجميع بأن عصر الأيديولوجيات والأحكام القطعية ولّى إلى غير رجعة، وأن عصر الديناميكية الفكرية سيؤسس لاختلافات أقلّ حدة، ولعالم أقلّ استقطابًا وتحيزًا، ولكن جملة أطلقها جورج بوش الابن، رئيس أقوى دولة في العالم، في 2001: “إما أن تكونوا معنا أو أنتم مع الإرهابيين” أسست لنوع جديد من العلاقات الدولية، ومنحت شرعية لأنظمة استبدادية ادعت دعمها الحرب على الإرهاب.

وعلى الرغم من الاختراق الكبير الذي أحدثته ثورات الربيع العربي، أو الذي كان من المتوقع أن تحدثه، تمكن النظام العربي الرسمي من استيعاب المفاجأة، وانتقل للهجوم عبر دفع الرشاوى المناسبة للقوى الإقليمية والدولية، وهكذا انحازت واشنطن ضد الشعوب العربية، وقامت جيوش روسيا ووكلائها بمهاجمة سورية لمواجهة ثورتها، وكأننا في عام 1956، حين اقتحمت الدبابات السوفيتية وربع مليون جندي شوارع بودابست لتسحق الثورة، بمباركة أميركية وأوروبية، لم تخل طبعًا من تصريحات إعلامية قوية منددة لا تخرج عن نطاق العلاقات العامة، التاريخ هنا لا يعيد نفسه، بل يستنسخ أكثر صوره ظلمًا ومرارة.

نعم، تغيّر العالم، وعلى الرغم من ذلك، ما زال هناك ما يبدو أنه عصيّ على التغيير، فالنظام السوري لم يجد ما يفعله، بعد كل ما فعله طوال السنوات الماضية، إلا تدشين تمثال هزيل لباسل الأسد، وروسيا لا تملّ الحديث عن أن طائراتها أجبرت طائرة أميركية، في مكان ما من حدود روسيا، على التراجع، بينما ما زالت إيران تتفاخر بقواربها الحربية، وهي تتحرش بالحاملات الأميركية الموجودة قبالة الشواطئ الإيرانية، مع التهديد من وقت لآخر بإغلاق مضيق هرمز، أما لعبة القط والفأر الإسرائيلية الإيرانية، فما زالت مستمرة، من دون أن يعرف أحد لماذا دامت، أكثر من أربعين عامًا، من دون مواجهة واحدة حقيقية بين الطرفين.

ومع تغيّر الإعلام في كل أنحاء العالم، وعقد مئات الندوات واللقاءات لمناقشة الهجوم الإنترنتي الخطير على وسائل الإعلام التقليدية، يمكن القول إن الإعلام العربي ظل صامدًا محافظًا على مكانه من دون أن يتزحزح، وبالرغم من ظهور آلاف التسميات الجديدة من مواقع إعلامية عربية، فإن الإعلام العربي الرسمي تمكن من تقاسمها وفرض الوصاية عليها، ومنحها صوته ونَفَسَهُ. وهكذا تغيرت الوسيلة من صحيفة أو شاشة تلفزيون، إلى شاشة موبايل أو كمبيوتر، ولكن الكاتب المنافق ما زال هو هو، يردد ما يريده السلطان، فيهاجم هذا ويمدح ذاك.

وعلى الرغم من أن ما يسمى بالإعلام البديل للثورات العربية شكّل بقعة ضوء، فإن ضعف التمويل والتساهل في تقاليد المهنة، أو بالأحرى الجهل بها، ساهم في الاختفاء المتتالي لهذه المنصات التي التهى معظمها باللهاث خلف الإثارة الاستهلاكية، وإثارة النعرات الطائفية والغرائزية.

لا يجادل أحد في التغييرات الكبيرة التي حدثت في العالم منذ مطلع الألفية الثالثة، ولكن يختلف كثيرون في ماهية هذا التغيير، وكيف حدث، فالجميع وجد نفسه فجأة أمام طائرات تقتحم ناطحات السحاب في نيويورك، ورئيسًا أميركيًا يحاول جهده أن يبدو غاضبًا ومدركًا لما يجري من فترة لأخرى، يقف ليعلن حربه الصليبية الجديدة، وحين اعتقد الجميع أنها النسخة الحديثة من صراع الأديان، كان البعض، الذي يصبح أقل فأقل، يبحث عن أصل الحكاية في مكان آخر، بين الطموح الأبدي للمزيد من المال، وشعبويين يبحثون عن فرصة لطرح فرضياتهم وسرقة وعي الناس.

المشهد السابق لم يتغير كثيرًا حتى الآن، وإن اختلف بعض الأبطال، وبالرغم من ذلك يعتقد كثيرون أن موجة الشعبوية، وترأس اليمين المتطرف على كثير من دول العالم الغربي، اكتسبا دفعة قوية، مع وصول ترامب إلى رئاسة أميركا، وهناك من يعدّ ذلك ميلادًا جديدًا لهذه القوى، وبالتالي توجه الكثير من الجهد المعرفي والبحثي لملاحقة ترامب وتفسير العالم وأحداثه، من خلال تصريحات الرجل ومواقفه، ولكن مع هذا التركيز وعدم نقد تجاهل الكثير من الإشارات والعلامات التي سبقت ترامب، فإن العالم يدفع ثمنًا كبيرًا وسيدفع، على ما يبدو، أكثر بكثير في قادم الأيام، مع نمو سرطاني الكراهية والعنصرية في الغرب، وفي أرضنا المكلومة مع نمو سرطانات الطائفية والتعصب القومي.

ويبدو أن المشكلة أننا لم نقرأ، ولم نعرف ماذا يعني عصر العولمة، والأكثر وضوحًا أن من وضع أسسه واستعجل قطف ثمار سقوط السوفييت، أي الغرب بقيادة أميركا، لم يدرك أيضًا ماذا يمكن للقرية العالمية أن تحدث من زلازل.

ربما يكون ماركس قد أصاب، حين تنبأ بتطور الرأسمالية إلى الإمبريالية، ولننسَ كلام اليساريين، ففي أيام عزّهم لم يكن هناك إمبريالية، لقد أسس الغرب ما تمنى أن يكون نظامًا عالميًا تسوده الشركات العابرة للحدود، التي تعود برأسمالها وأرباحها إلى دول الغرب، بعد أن تعبر حدود العالم، من دون أن تستطيع الحكومات إيقافها. لكن ما لم يدركه ماركس ومهندسو النظام العالمي الجديد، أن قرية الاتصالات العنكبوتية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وغضب الشارع الغربي، لأنه لم يقطف ثمار فوز دوله بسيادة العالم، وغضب شوارع العالم الثالث، لأنها دفعت للجميع ثمن قوتهم، ستقلب قانون حركة التاريخ، وسيصبح للأفكار والشعارات والكلمات اليد العليا، وسيسير العالم منقادًا للأفكار، وليس لوسائل الإنتاج.

استطاعت شعبويات وأفكار ترامب العنصرية أن تهزم إرادة كبرى اللوبيات الأميركية، وانتصر ترامب رغم أنفها، ليبدأ بسياسة إعادة موطنتها، بعد أن تخيلت هذه الشركات أن العالم ملكها، ومع صعود ترامب، اشتد ساعد اليمين الأوروبي اليميني المتطرف الأقرب للنازية. فيما في جنوب وشرق المتوسط، بحيرة النزاع الحضاري منذ آلاف السنين، يتقاتل الدكتاتوريون العرب مع الإسلاميين المتطرفين، ويتبارون من يدمّر أكثر، ومن يستغل عواطف الشعوب المنكوبة.

إلى أين نسير؟ لا أحد يعلم كما يبدو، فهو عصر الفوضى الهدامة، أو كما سمّته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عصر “ما بعد الحقيقة”، حيث تُهزم الحقيقة، وتسود بدلًا منها الأكاذيب والحماقات، نعم يبدو أن شيئًا لم يتغيّر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق