تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العلاقة الروسية-الإسرائيلية.. تاريخ طويل ومصالح متشابكة

من مع من؟ ومن ضد من؟ هذا يَهبُ الجولان لـ “إسرائيل” خلافًا لكل القرارات والمواثيق الدولية، فيما الآخر يَهبُ رفات جندي إسرائيلي ودبابة صادرتهما القوات السورية بشق الأنفس، في معركة (السلطان يعقوب) إبان حرب لبنان 1982، التي خسر فيها السوريون 14 بطارية صواريخ و29 طائرة في يوم واحد، فضلًا عن قوافل الدبابات والشاحنات السورية التي احترقت على طريق دمشق بيروت.

هذا يعترف جهارًا نهارًا بالقدس “عاصمة أبدية لإسرائيل”، في حين كان الآخر قد اعترف بذلك أصلًا، منذ رحلة الحج الأولى إليها، أواخر عام 2012، بقوله وهو يتجول في ساحة البراق مرتديًا القلنسوة اليهودية: “هنا يُشاهَد التاريخ اليهودي محفورًا على حجارة القدس”، والحبل على الجرار.

يفهم السوريون، ومعهم القوميون العرب، أن المقاومة والممانعة التي آمنوا بها، ودفعوا لأجلها كل غالٍ ورخيص، إنما هي في مواجهة العدو الصهيوني، وكل من يقف خلفه من أدوات قد تنال من تراب وطنهم العربي عمومًا والسوري خصوصًا، وعندما يستنجد هؤلاء بالطرف الروسي، للدفاع عن قضاياهم وسيادة أوطانهم، مَن سيمانعون في هذه الحال؟

في مسرحية (فيلم أمريكي طويل) لزياد الرحباني، يتحدث أحد المجانين إلى طبيبه عن الأسباب التي دفعته إلى الجنون، فيروي أنه كان يقاتل إلى جانب من يطلقون على أنفسهم مقاومة الاستعمار، وبإحدى مراحل القتال حدث أن نضبت الذخيرة من أياديهم، فما كان من الاستعمار نفسه إلا أن قام بتزويدهم بالذخيرة والمال والسلاح، بُغت المجنون بذلك، وعندما نزل مع رفاقه إلى خندقهم للتصدي للاستعمار، رأى أن هذا الأخير ينزل معهم بنفس الخندق، معلنًا أنه سيقاتل إلى جانبهم، حاول ورفاقه المقاومون إقناعَه بأنهما أعداء، لكن الاستعمار أصرّ على موقفه، فأصيب المتحدث بالجنون، بعدما اختلط عليه العدو من الصديق، ومن يومها لم يعد باستطاعته التفريق بينهما، فالعدو الذي نشأ على معاداته وقتاله ها هو اليوم أصبح بجانبه بخندق واحد، ولكن ضد من؟ لا أحد يدري، لقد فقد المسكين عقله وأصيب بالجنون.

كلهم يتسابقون لإرضاء هذا الكيان الغاصب، بعد أن ساهموا في طبخه، ليس بلفور ولا حكومة جلالة الملكة وحدها المسؤولة، وإنما هي مسؤولية الجميع، بين عامي (1944،1948) كان الاتحاد السوفيتي صاحب مواقف داعمة لإعلان قيام الكيان الصهيوني، أكثر من أميركا وأوروبا نفسها، وفقًا لما ذكره فيليب منديز في كتابه (اليهود واليسار) لذلك كان أول دولة تعترف بـ “إسرائيل” اعترافًا قطعيًا بتاريخ 17 مايو 1948، بحسب (ويكيبيديا).

وكان ستالين يحلم بأن تقوم جمهورية صهيونية اشتراكية في فلسطين، تكون موالية للاتحاد السوفيتي، ومناوئة للغرب، كما يقول الباحث هيرواكي كرورميا، في كتابه (ستالين) غير أنه بالغ كثيرًا بأحلامه، عندما اعتقد أن اليهود الذين هربوا بجلودهم من مطاردات الغرب ومحارقه، ولم يجدوا من يحتضنهم سوى الدولة السوفيتية، سيكونون امتدادًا لثورتها البلشفية.

وما جعل ستالين يستغرق في هذا الحلم أكثر هو أن أقوى الأحزاب والمنظمات الفاعلة التي كانت تعمل على الساحة الفلسطينية عند قيام “إسرائيل”، كانت اشتراكية، على رأسها حزب (العمل) الذي يُنظر إليه أنه الحزب المؤسس لـ “إسرائيل”، والذي حكمها طوال عقدين من الزمن بعد تأسيسها، إلى درجة أنه كان بالإمكان العثور على صور ستالين معلقة على الجدران في الكيبوتات، باعتباره لدى البعض، الرجل الذي ساعد في تحقيق الحلم الصهيوني (مترجم عن الطبعة الروسية للشيوعية العالمية، المجلد الأول، لينينغراد، 1960، ص 144)

وكان ستالين يرى أنه يجب ألا تُترك “إسرائيل” مهما كان الثمن، كي لا تذهب باتجاه الغرب، لذلك سارع إلى إعطائها السلاح لمقاتلة العرب، في 5 شباط/ فبراير عام 1948 وصل موشي شيرتوك الذي أصبح لاحقًا وزير خارجية “إسرائيل”، إلى موسكو والتقى بغروميكو، وزير خارجية الاتحاد السوفيتي، طالبًا منه تسليح “إسرائيل” بعد أن رفضت كل من أميركا وبريطانيا تسليحها مباشرة.

من جهته، طالب غروميكو بضمانات أن يكون اليهود قادرين على استقبال الطائرات وضمان سلامتها، وهو ما تعّهد به بن غوريون، ببرقيته التي أرسلها للسوفييت بذلك الوقت”. (ستالين ومسؤوليته عن نشوء إسرائيل، طريف سردست 2012 / 10 / 22)، (المصدر: الفيلم الوثائقي الروسي، اعتمادًا على الأرشيف السري السوفيتي).

بناءً على ذلك؛ سمحت موسكو لتشيكوسلوفاكيا ببيع صفقة أسلحة لـ “إسرائيل” في أثناء الهدنة في حرب (1948، 1949) بين العرب و”إسرائيل”، وهو ما أدى إلى قلب نتائج المعركة كليًا لصالحها”، وفقًا لما ذكره وزير الخارجية ورئيس الوزراء الروسي السابق يفغيني بريماكوف، في كتابه (روسيا والعرب)، وبالتالي فإن تلك الأسلحة هي التي حسمت انتصار “إسرائيل” على سبع دول عربية في أول الحروب معها.

وبعد أن أشرف ستالين شخصيًا على وضع ذلك، أرسل الأمر إلى غروميكو وفيشينسكا، من أجل التعاون مع الصهيونية، مؤكدًا أنه من الضروري تخريج المسرحية، بحيث لا تتضرر مواقع الاتحاد السوفيتي في أعين العرب. (ستالين ومسؤوليته عن نشوء إسرائيل، المصدر السابق).

ليس ذلك فحسب بل قام ستالين بتشجيع “الشيوعيين” على الخدمة في القوات المسلحة الإسرائيلية، القوات نفسها التي ارتكبت جرائم بشعة ضد العرب، وبعد ذلك قام السوفييت أنفسهم بطرح فكرة التقسيم، تحت ذريعة “الحقوق المشروعة للشعب اليهودي”، (مقدمة كتاب الاتحاد السوفييتي وتأسيس دولة إسرائيل، أمين محمود)، عندما ألقى غروميكو خطابه المشؤوم بالأمم المتحدة، موافقًا على تقسيم فلسطين، تم تخريب مكاتب للحزب الشيوعي السوري بدمشق. (مترجم عن الطبعة الروسية للشيوعية العالمية، المصدر السابق).

مما سبق؛ نستطيع القول إن العرب والفلسطينيين حقيقة لم تكن حالهم بالأمس أفضل من حالهم اليوم، كانوا ولا يزالون مجرد بيادق بيد الأمم، أكان الروس أم غيرهم، في عام 1955 كتب السفير السوفيتي في مصر لحكومته قائلًا: “مطالبتنا بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم تهدف إلى خلق أقلية عربية، يمكنها الضغط على القرار السياسي لتل أبيب”.

كان العرب ولا يزالون يتآمرون على بعضهم البعض، بعد ثلاث سنوات من رسالته تلك، يكتب السفير السوفيتي نفسه في مصر قائلًا: “حكومة مصر لا تؤمن بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية، لأنها لا تريد التخلي عن قطاع غزة”. (ستالين ومسؤوليته عن نشوء إسرائيل، المصدر السابق).

لكن ما الذي ساهم في تغيير السياسة الروسية إزاء “إسرائيل”؟ عندما قامت الثورة المصرية عام 1952 لم تُرّحب بها موسكو بدايةً، وذلك خلافًا لما هو مشاع من معلومات، إلا أنه عندما أيقن “خروتشوف” أن اليهودية السياسية و”دولة إسرائيل” عبارة عن مشاريع إمبريالية أوروبية، عندها لم يجد بدًا من دعم عبد الناصر، بهدف استخدام القوميين العرب لردع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، خصوصًا مع عدم تمكُّن الشيوعيين العرب من الوصول إلى السلطة، ليتوج ذلك بقطع العلاقات الدبلوماسية مع “إسرائيل” عام 1950، بسبب انحيازها المطلق إلى أميركا بالأزمة الكورية (أمين محمود).

منذ ذلك اليوم، قِبلة القوميين العرب، خصوصًا أصحاب “حزب البعث في سورية” متجهة إلى موسكو، التي استطاع بوتين إعادتها من جديد للعب على وتر من الذي يكسب “إسرائيل”؟ كان ذلك بعد أن انقلب بوتين على الثورة البلشفية وكامل مبادئها، وبالتالي انقلب على تحالفات الاتحاد السوفيتي السابقة، من بينها بكل تأكيد التحالف مع سورية، والتي يبدو أنها لم تقدم لروسيا سوى المزيد من الخيبات.

بالنتيجة، أين تكمن مصلحة روسيا اليوم؟ مع “إسرائيل” أم مع سورية؟ بعيدًا من جعجعات القوميين العرب وأوهامهم، للإجابة على ذلك يكفي التذكير بأن نتنياهو قد زار روسيا منذ التدخل الروسي في سورية بالعام 2015 أكثر من (10) مرات، أبرم خلالها العديد من الاتفاقات الاستراتيجية والتحالفات الأمنية المختلفة، في ضوء تجذر العلاقات بين البلدين، سياسيًا وسياحيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

ويكفي التذكير أن في “إسرائيل” اليوم يوجد أكثر من مليون ونصف إسرائيلي من أصل روسي، أي أن نصف سكان “إسرائيل” يتحدثون بالروسية، وهنا “مربط الفرس بالنسبة إلى بوتين” الذي اعتبر أن هؤلاء، في خطابه بتاريخ 20 يوليو 2011، “جزء من العالم الروسي والثقافة الروسية، لقد قدّموا مساهمة كبيرة في نهوض إسرائيل، وإنهم يلعبون اليوم دورًا مهمًا جدًا كجسر يربط بين روسيا وإسرائيل”، مضيفًا: “صحيح أن إسرائيل هي وطنهم، لكننا نعتبرهم مواطنينا أيضًا”.

بالمقابل، هناك أكثر من 100 ألف إسرائيلي في موسكو، يتدخلون في تفاصيل الحياة الروسية المهمة، إلى جانب حجم التبادل التجاري بين البلدين البالغ حوالي (5) مليار دولار، معظمها من الأسلحة التكنولوجية الدقيقة وغيرها، ليس ذلك فحسب، فالسوّاح الروس هم الأكبر عددًا، بالنسبة إلى عدد السوّاح الذين يزورون “إسرائيل”، فضلًا عن أن روسيا هي المموّل الأول أحيانًا لـ “إسرائيل” بالنفط، إلى درجة أن الأخيرة تجري نقاشًا جادًا للانضمام إلى الاتحاد الجمركي مع روسيا، هذا عدا عن التعاون العلمي والتكنولوجي بمختلف المجالات الطبية والنووية”. (6 نيسان 2019 ALNASHRA).

وبالتالي، كلٌ منهما يحتاج إلى الآخر، حيث إن الرئيس بوتين (الذي نشأ في عائلة فقيرة وترعرع في مساكن شعبية جماعية إلى جانب عائلة يهودية رعته وعلّمته كثيرًا من عاداتها وتقاليدها، وتعرّف إلى التوراة جيدًا) يستند اليوم، بسياسته المالية والإعلامية والدولية، إلى دعم عدد من كبار رجال الأعمال والإعلام اليهود في روسيا، فضلًا عن السيطرة اليهودية على الإعلام الروسي وعلى قطاعات مصرفية واسعة، كما أن بوتين يعتقد أن تقاربه الكبير من “إسرائيل” يمكن أن يحقق له تأييد اللوبي اليهودي في أميركا وفي العالم، وبالتالي هو يحتاج إلى إرضاء “إسرائيل”، أكثر من أي طرف آخر. كما يقول الكاتب في قناة (الميادين) سامي كليب (صفحة أصدقاء سورية 9-4-2019).

كذلك في ما يتعلق بنتنياهو، الذي تلاحقه تهم الفساد، وهو بدوره كان ولا يزال بحاجة ماسة إلى دعم بوتين، لكسب الأصوات اليهودية من أصول روسية في الانتخابات البرلمانية التي ربحها منذ أيام، فضلًا عن حاجة “إسرائيل” الماسة إلى التنسيق العسكري والاستخباراتي المستمر مع روسيا، في ما يتعلق بالساحة السورية وشؤون المنطقة.

وبالتالي، يُخطئ كثيرًا من يعتقد أن روسيا قد دخلت إلى سورية، نهاية العام 2015، بهدف نجدة النظام من السقوط فحسب، وإنما تدخلت لتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى، وحماية مصالح “إسرائيل” بالدرجة الثانية، أما المصلحة السورية فتأتي بالدرجة الأخيرة، وهي عبارة عن فائض تلك المصلحتين.

والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة، وفقًا لما ذهب إليه سامي كليب، ليس ابتداءً بالمساعدة في تسليم مخزون سورية الكيمياوي، والدور الروسي في إبعاد إيران وميليشياتها من الحدود الإسرائيلية، والعمل على إخراجها من الأراضي السورية، وليس انتهاءً بالتنسيق العسكري الاستخباراتي المشترك بين الجانبين، في ما يتعلق بالساحة السورية، واستباحة أجوائها وأراضيها، من دون قيد أو شرط.

إضافة إلى المساهمة الفعالة في إضعاف الدولة السورية، من جراّء استمرار التناغم الروسي الأميركي طوال سنوات المحرقة، من خلال القفز عن مقررات (جنيف) وتغيير البوصلة الدولية إلى (سوتشي) بما يحول دون التوصل إلى الحلول السياسية، ليتضح للقاصي والداني أن ما سُمّي مؤتمرات دولية لمجموعة “أصدقاء الشعب السوري” وغيرها، لم يكن في الواقع سوى خدعة كبرى تعرّض لها الشعب السوري، بكل أطيافه وتوجهاته السياسية، سواء أكان موالاة أم معارضة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق