مقالات الرأي

المجتمع المدني وسلطة الاستبداد

أثبتت التجارب في العالم العربي، بوجه خاص، أن المجتمع المدني، والسلطة، أيًا كانت طبيعتها وقدراتها، سياسية أم دينية، لا يلتقيان. وأن كليهما يتجه نقيض الآخر، وتبدو فكرة العمل المشترك أشبه بفكرة عبثية يستحيل الوصول إليها، وفقًا لمعطيات الراهن، مهما بذلت جهود في هذا السياق، على خلاف ما يتأسس عليه المجتمع المدني، في الدول الديمقراطية: الغرب مثلًا، تبعًا لعراقة التجارب المدنية.

ونعني بالمجتمع المدني -من دون الذهاب إلى توصيفات وظيفية تسود عالم اليوم- المنظمات والنقابات، والجمعيات غير الحكومية ذات الطابع الأهلي، كما تسميها بعض المجتمعات، ومراكز البحوث والدراسات، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، التي يفترض أن تلعب دورًا رئيسًا في توجيه السياسات العامة، ومراقبة أداء مؤسسات الدولة، وتوجيه الرأي العام. بمعنى آخر، أكثر أهمية ودقة: قوى المجتمع الحيّة.

شهدت سورية في العهد الفيصلي، مطلع القرن العشرين، تجربة مهمة للمجتمع المدني، من حيث تنظيم الدولة، والدستور، والحكومة المسؤولة أمام برلمان منتخب. لكن الاحتلال الفرنسي قوّضها، إلى أن أخذت الجمعيات والأحزاب تظهر بشكل محدود، وشهدت نموًا ملحوظًا في عشرية الاستقلال الأولى قبل الوحدة مع مصر، وصولًا إلى سيطرة البعث على السلطة في آذار/ مارس 1963، فكانت النقابات والجمعيات والأحزاب أولى ضحاياه، فقد أوقفت سلطة البعث آنذاك العمل بقانون الجمعيات الصادر عام 1958، بحكم حالة الطوارئ التي فُرضت، ليُفتح الطريق واسعًا أمام إعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني، بحيث لا تكون مستقلة عن الدولة، بل منبثقة عنها، وتخدم سياساتها، كمنظمات “رديفة” لحزب البعث، يؤطرها المرسوم التشريعي 224 لعام 1969، ومع عسكرتها، مطلع الثمانينيات، دخلت سورية حالة مواتٍ سياسي – مدني، قائمة على ثنائية الخوف والقمع، طوال الحقبة الأسدية، في ضوء الولاية المباشرة لأجهزة الأمن، على النقابات والمنظمات والجمعيات.

المرحلة ذاتها، لم يكن العالم العربي بعيدًا منها. ففي الوقت الذي قادت فيه حركات التحرر الوطني إلى نهوض ملموس للمجتمع المدني، في بلدان مثل مصر والمغرب العربي ولبنان والعراق، حجّمت الحكومات التي أعقبت الاستقلال، بما فيها “الثورات الانقلابية”، نشاطَ مؤسسات المجتمع المدني، بصورة تدريجية وسريعة، كي تُجهز عليها. حدث ذلك في ليبيا والجزائر، ثم كرر البعث في العراق ما حدث في سورية، أما في لبنان وتونس ومصر، فقد حافظت على وجود محدود التأثير، لتشكل جزءًا من صورة “تمدن” الدولة و”ديمقراطيتها”!

لم تكتف الأنظمة “التقدمية” -التي تحولت إلى دكتاتوريات- بالإشراف والمتابعة الدقيقة لعمل منظمات المجتمع المدني، ومصادرة قراراتها، وتوجيه سياساتها، وإفراغها من قيمتها ورؤاها، وحظر دورها النقابي، بل إنها نظرت إلى نشطائها كأعداء لأنظمتها الحاكمة، وعملاء لـ “الخارج”. عمدت إلى ملاحقتهم، وزجت بهم في السجون، وعرضتهم للتعذيب والتصفية، والاعتقال طويل الأمد، وأخضعتهم للمحاكم الاستثنائية: أمن الدولة، ومحكمة الشعب، والمحاكم العسكرية والميدانية.

لقد جلب استيلاء العسكر على السلطة وبالًا على شعوب المنطقة، ما زلنا نعيشه منذ أكثر من نصف قرن، فرضت فيه الأنظمة سياسات تتقاطع مع مدنية الحكم، وتقطع الطريق على إعادة بناء الدول، مدنيًا وديمقراطيًا، على أسس سيادة القانون والمساواة والعدالة. ولم يستطع العسكر الابتعاد من منطق الهيمنة والاتباع لمؤسسات المجتمع وقواه الحيّة، بما فيها المؤسسات التي يفترض أن تبرز عبرها الممارسة الديمقراطية، كالبرلمان، أو مجلس الشعب، التي أضحت مجرد هيئات صورية، لا دور فعليًّا لها في التشريع، وليست قادرة على القيام بمسؤولياتها، في المحاسبة أو مساءلة سلطات الدولة: الرئيس والحكومة، أو في رسم السياسات العامة.

وكلما كانت السلطة في مأزق؛ تضاعف تهميش المؤسسات المدنية، وبرز تدخل الجيش والأمن، وتعرض المجتمع المدني للمزيد من الانتهاكات في الحقوق والحريات، ونشر القمع والقهر.

مع انطلاقة الربيع العربي، برز الحراك المدني، كتعبير فعّال، عن الكمون الذي اختزنته مجتمعات المنطقة، من دون أن يكون له أي مظهر تنظيمي يقود انتفاضاته، من تونس إلى مصر وليبيا وسورية، واليمن، والجزائر. لنلاحظ أن سمات التسلط والمواجهة، والنظرة الاستعلائية للسلطات في دول الربيع العربي، متقاربة إلى درجة التطابق، فيما مشكلات المجتمع المدني تكاد تكون واحدة أيضًا: القهر والإقصاء والخوف، وضعف التنظيم، وتجاوز الحراك المدني لقيادات العمل السياسي والاجتماعي. تونس، وحدها، وإلى درجة أقلّ مصر، لعبت فيهما بعض النقابات ومؤسسات المجتمع المدني دورًا فعالًا ومؤثرًا، ليس في توجيه الرأي العام، وإنما في صناعة القرار المتصل بمسار الانتفاضة، وما يليها من عملية سياسية.

الدور الأكثر أهمية لمؤسسات المجتمع المدني المنظم يبرز في السودان، الذي قاد انتفاضة مهمة، وما يزال يخوض صراعًا مريرًا في إطار المفاوضات التي يجريها مع المجلس العسكري، الذي لجأ هو الآخر إلى سلوك طريق الاستبداد، بحلّ النقابات والمنظمات المدنية، في مواجهة صلابة الموقف التفاوضي لقوى الحرية والتغيير، المدعومة من الشارع.

في سورية، ثمة الكثير مما يستوجب أن تتناوله مراكز الدراسات والبحوث، فالمجتمع المدني، الذي ظل كامنًا على جمرته نصف قرن، أطلقت الثورة مارده. ومنذ البدايات بدأ نظام الأسد تصفية واعتقال وتغييب قادته، ونشطائه، مثلما فعلت الجيوش والفصائل الإسلامية، و(النصرة) و(داعش) على حدّ سواء. ومنذ أواخر 2011 لعبت تلك القوى دورًا محوريًا في إقصاء المجتمع المدني، عن الفعل والتأثير في مسار الثورة السورية، باعتباره “يمثل قوى كافرة مضللة (الديمقراطية كفر)، وأنها تابعة للأجنبي، مرتبطة به وبأجنداته”، كما يسوّق نظام الأسدية.

بلا شك، تتحمل منظمات المجتمع المدني السورية مسؤولية كبيرة، بسبب سياساتها (إضافة إلى المشكلات الفكرية والتنظيمية المعقدة) عما آلت إليه من ضعف وتهميش، وسوف يأتي وقت المراجعة. لكن المسؤولية الأساس يتحمل أوزارها النظام الأسدي، الذي لم يترك وسيلة للنيل من قوى المجتمع السوري إلا استخدمها، حتى الشراكة مع قوى الإرهاب التي أنتجت هذا الخراب العميم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق