أدب وفنون

آخر المعزين والجثة اليومية

آخِر المعزّين

أتذكر أنه كان أستاذي في المدرسة الابتدائية، تقريبًا منذ ثلاثة عقود.

مات اليوم خال صديقي، فذهبتُ إلى شقته لأعزيه، في الطابق السادس من بناء ضخم.

بقيتُ بجانبه حتى ساعة متأخرة، عانقته بحرارة على باب شقته، وكنتُ آخر المعزين، ثمّ التفتُ لأدخل المصعد… عندئذٍ شممتُ رائحة عطر أنثوي تفوح في فضاء غرفة المصعد الصغيرة، يبدو أن أنثى جميلة قد استخدمته منذ قليل.

استنشقته بمتعة حتى الطابق الأول، لم أقدر على مفارقة هذا العطر، فضغطتُ على زر في لوحة الأزرار ليصعد المصعد مجددًا إلى الطابق الأخير، وأنا استنشق بأنفاسٍ طويلة وبخلايا أنفي كلها هذا العطر الشهي للخيال.

رائحة عطر تلك المرأة الغريبة ومع كل شهيق، كان يطرد من رأسي أحد المعزين. في الطابق الأخير ضغطتُ على زر النزول، وأنا استنشق واستنشق بعد أن جلستُ مسترخيًا على أرضية المصعد.

من حسن حظي لا أحد يستخدم المصعد في هذا الوقت المتأخر من الليل.

وأيضًا، قد لا تمنحني الأقدار فرصة ثانية لأن أشم عطر امرأة في حياتي.

في الطابق الأول، رفعتُ يدي لأضغط على زر الطابق الأخير، وهكذا… لوقت لم أقدره، والمصعد يصعد وينزل بي، وأنفي يحصد حقول عطرها، والمعزون يتساقطون من رأسي، معزيًا تلو الآخر، نفسًا بعد نفس.

في المرة الأخيرة، وكنتُ لا أزال أشم منتشيًا، عطر الغريبة، وصل المصعد إلى الطابق الأول وفُتح بابه فشاهدتهم.

كان أمامي يرمقني بشكلٍ غريب بعد منتصف الليل، خال صديقي، وخلفه بقية المعزّين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجثة اليومية

ينهمر المطر بغزارة خارج غرفتي، أراقبه بضجرٍ من فوق كرسي أمام نافذتي.

أشعلتُ سيجارة وأنا أحاول أن أتخيل شيئًا جميلًا، امرأة عارية مثلًا، أو امرأة بثياب قليلة… للأسف فشلت، لدي مشكلة في خيالي… خيالي لا يجيد الأشياء الجميلة، ولا أعرف لماذا؟! لديّ مشكلة حقيقية في خيالي، للأسف الشديد.

هناك، خلفي تمامًا، ثمّة جثة ممددة على السرير، أعتقد أنها لصديق، قد تكون لعدو، لا أعرف! من الأقارب أم من الغرباء؟ أيضًا لا أعرف، نسيتُ اسمه، ونسيتُ متى مات، منذ ساعات؟ الليلة الماضية؟ صباح البارحة؟ منذ أيام؟ لا أتذكر.

فجأة، صاحب الجثة رفع كفه ليلوح به طاردًا الذباب فوق وجهه، ومن خلفي استدار إليّ وصرخ بصوت جاف:

ـــ هيييييه… ألا تريد أن تدفنني؟

ـــ عليك اللعنة (أجبته من دون أن ألتفت إليه) انتظر قليلًا حتى يتوقف المطر.

بعد دقائق زعق من خلفي مجددًا:

ـــ هيييييه… هيا، انهض وادفني، تبًا لك…

لم يتوقف المطر لكنه تباطأ قليلًا، مشيتُ إلى السرير، حملتُ الجثة ورميتها بنزق على كتفي، ثمّ خرجتُ متوجهًا إلى خلف غرفتي.

تجاوزت بصعوبة وبخطوات مضطربة وأنا أتمايل تلك المرتفعات المتواضعة والمتناثرة بشكلٍ فوضوي هنا وهناك، فوق الأرض.

وخلال ساعتين كنتُ قد حفرتُ حفرة رميتُ بها هذه الجثة، دفنتنها ثمّ رجعتُ متخطيًا تلك المرتفعات المتواضعة، وأنا أتنفس الصعداء.

دخلتُ غرفتي مع غروب الشمس، رميتُ جسدي على الكرسي أمام النافذة بتعب، سرعان ما زفرتُ بحنق عندما شاهدتُ جثة على السرير، صرخ بي صاحبها بصوت جاف:

ـــ هييييه… ألا تريد أن تدفنني؟

من صاحب هذه الجثة؟ نسيتُ اسمه، ونسيتُ متى مات، لكنني تذكرتُ أنني ومنذ زمن طويل، وأنا أدفن خلف غرفتي في حفرة متواضعة الجثة ذاتها، كلّ يوم تقريبًا.

ــــــــــــــــــــــــــ

* اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق