مقالات الرأي

العرب أمام حكم العسكر

“لا توجد تجارب في التاريخ الإنساني تواجد فيها مدنيون في مجلس عسكري. ورغم ذلك، سنخوض التجربة. ولكن بالتأكيد سيكون رئيس المجلس هو رئيس المجلس العسكري الانتقالي. والسيادة لمجلس السيادة”.. جملة قالها صلاح عبد الخالق، عضو المجلس العسكري بالخرطوم، تعليقًا وجوابًا على مطالب قادة الحراك المدني، بمشاركة أغلبية مدنية في مجلس الرئاسة الانتقالي. هكذا، في السودان، ومنذ الإطاحة بعمر البشير على أيدي عدد من القادة العسكريين، كشف هؤلاء عن مشروعهم: مجلس عسكري سيادي، يمارس السلطة خلال سنتين قبل نقلها -افتراضًا- إلى المدنيين بعد إجراء الانتخابات. وحين استفحلت التظاهرات في مختلف المدن السودانية، بقي قادة الجيش مصرّين على عدم التخلي عن السلطة السياسية للمدنيين، تاركين لهم، في أفضل الأحوال، استثناء، ثلاثة مقاعد من عشرة في المجلس الرئاسي الذي لا بد من أن يرأسه عسكري، هو قائد الجيش.

أما في الجزائر، فلا يزال رئيس أركان الجيش أيضًا، وهو يؤكد على دعم المؤسسة التي يرأسها لمطالب الشعب، يستمر في الإصرار على تجاهل مطالب الجماهير الرئيسة التي تنادي بإسقاط النظام كله، منهجًا ورجالًا ورموزًا، متمسكًا بدستور ومؤسسات هذا النظام نفسه، معتبرًا أن الطريق الوحيد للاستجابة لهذه المطالب هو تطبيق الدستور حرفيًّا، وهو ما يعني في نهاية الأمر ضمان الاستمرار بوجوه جديدة تفرزها انتخابات تجري، كما جرت سابقاتها، حسب الأصول نفسها تحت إشراف القوة الرئيسة ذاتها، قوة الجيش.

هل من حاجة إلى القول إن هذين الموقفين المتشابهَين لقادة الجيش في البلدَين يقولان واقع وموقع السلطة السياسية في كل منهما، ماضيًا وحاضرًا، مهما اختلفت الوجوه والأسماء، وأنهما يتطلعان مستقبلًا إلى البقاء باسم “الأمن” و “الاستقرار”؟

صحيح أن خروج الجماهير في البلدين العربيين قد أعاد الحياة إلى الربيع العربي الذي عملت كل قوى الاستبداد والسلفيات المتنكرة بلباس الحداثة في عالمنا العربي على القضاء عليه، ويبدو أنها عازمة، هذه المرة مستفيدة من دروس سورية وليبيا، على القضاء على عودته في مهدها بأي ثمن، بالحيلة والمماطلة أولًا، أو بالمساعدات السخية ثانيًا لتوطيد سلطة من يقوم بالتنفيذ، أو بالقوة إن لزم الأمر، باسم القضاء على الفوضى تارة والحفاظ على “أمن البلاد” تارة أخرى. لا شك أن الجيش وحده هو القوة القادرة على تنفيذ ذلك. الجيش الذي لم يتوقف واقعيًّا في معظم الجمهوريات العربية، منذ استيلائه على السلطة اعتبارًا من منتصف القرن الماضي، عن ممارستها مباشرة أو من وراء ستار. بحيث بدا العسكر في العالم العربي كما لو أنهم صاروا بعد الاستعمار، قدَرَهُ الجديد. بل بلغ الأمر، من أجل شرعنة وتبرير امتلاك العسكر السلطة المطلقة دون سواهم، أن أجرى طبيبٌ وُرِّثَ رئاسة الجمهورية في سورية دورة عسكرية سريعة حمل على إثرها رتبة عسكرية عليا، ووزعت صوره باللباس العسكري لتأكيد شرعية رئاسته للبلاد، وفي الوقت نفسه شرعية حكم العسكر الأساس، بما أن الرئيس لا بد من أن ينتمي إلى الجيش ويحمل إحدى رتبه.

كانت محاولات الشعوب العربية في عام 2011 مجتمعة، ولكن من دون اتفاق مسبق أو تنسيق، تستهدف جوهريًّا وضع حدٍّ لأكثر من ستين عامًا من الحكم العسكري الصريح أو الخفي في بلدانها، ساعية للاستحواذ مجدَّدًا على حقها في حكم نفسها بنفسها وبإرادتها. على أن الجيش التف على مطالبها بحجج مختلفة، ولكن بوسيلة واحدة لا يعرف أصلًا سواها: القمع بالعنف.

صحيح أن ظاهرة الحكم العسكري، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، لم تكن مقتصرة على جمهوريات العالم العربي وحده، بل كانت منتشرة في معظم بلدان العالم الثالث أو القارات الثلاث، ولا سيما تلك التي نالت استقلالها خلال تلك الفترة. لكن أكثر هذه البلدان استطاع الانتقال تدريجيًا إلى الممارسة الديمقراطية والحكم المدني، باستثناء الجمهوريات العربية التي ووجهت محاولاتها الوصول إلى الحكم المدني الديمقراطي، بثورات مضادة قامت بها المؤسسة العسكرية، أو بحرب شعواء شنتها أنظمة الاستبداد ذاتها أو بدائلها.

المشكلة على الصعيد النظري أن اهتمام العلوم الاجتماعية بالظاهرة العسكرية واقترانها بالدكتاتورية والاستبداد واعتماد العامل العسكري فيها لم يبرز إلا في منتصف ستينيات القرن الماضي، حين نشر كورت لانغ عام 1965 دراستَين حول  علم الاجتماع العسكري. ويكاد أنور عبد الملك أن يكون المفكر العربي الوحيد الذي اهتم بهذه الظاهرة في العالم العربي خصوصًا، وفي دول القارات الثلاث عمومًا، حين نشر بالفرنسية عام 1962 كتابه (مصر، مجتمع عسكري) الذي ترجم إلى العربية، ونُشر في طبعتين بعنوانين مختلفين: الأول (مصر، مجتمع يبنيه العسكريون) والثاني (المجتمع المصري والجيش) سوى أن العنوان العربي في صيغتَيه يبقى أقرب إلى مضمون الكتاب من العنوان الفرنسي، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار بحثيه اللذين نشرهما في ستينيات القرن الماضي، وضمهما كتابه (الجدلية الاجتماعية) الذي نُشر عام 1972 ونشر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 2005، أي بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، ترجمة عربية له مختلفة نسبيًا عن النص الفرنسي، أشرف على مراجعتها المؤلف نفسه. فبحثه عن الجيش والتكنوقراطية في القارات الثلاث لم يترجم إلى العربية، في حين أعيدت كتابة بحثه الآخر (الجيش في الأمة، إسهام في نظرية سوسيولوجية للسلطة) تحت عنوان (الجيش والأمة: جوهر السلطة الاجتماعية). والفرق واضح في الدلالة بين العنوانَين! كتبت دراسات عبد الملك المشار إليها، بعد عشر سنوات على استيلاء الجيش على السلطة في مصر، أي في المرحلة التي كان فيها اليسار المصري يستعيد مواقع أمامية في الإعلام وفي السلطة في عهد عبد الناصر. ومن ثم كان من الطبيعي أن ينظر إلى الجيش بوصفه المؤسسة القادرة على استعادة العمل في بناء الدولة الحديثة، عبر ترسيخ استقلالها واستئناف ما كان محمد علي قد بدأه قبل نيِّفٍ وقرن من ذلك، ولا سيما في مجال بناء الصناعات الحديثة والثقيلة، وتعميم التعليم ومجانيته.

وأكبر الظن أن الزمن كان كفيلًا بحمل أنور عبد الملك، على إعادة النظر في بعض كتاباته في هذا المجال، كما فعل في الطبعة العربية لكتابه (الجدلية الاجتماعية) الذي ضم أبحاثًا كتبت كلها قبل وفاة عبد الناصر عام 1970، ولم تشهد التغييرات العميقة وفداحة نتائجها في المجتمع المصري فحسب بل كذلك في المجتمعات التي حكمها العسكر، خصوصًا في ليبيا وسورية والعراق والسودان. فالمعايير التي عناها في توصيفه النظري للجيش في الأمة، خلال ستينيات القرن الماضي، لا يمكن أن تنطبق على مختلف الجيوش العربية حتى في خطوطها العريضة. ولعلها تكون الأكثر بعدًا حين يتعلق الأمر بتوصيف الجيش السوري، منذ أن عكف حافظ الأسد على إعادة هيكلته وتنظيمه وصوغ عقيدته القتالية طوال سبعينيات القرن الماضي. ذلك ما يمكن رؤيته اليوم عيانًا، بالمقارنة مع موقف الجيش السوري من الحراك الشعبي عام 2011، موقف كلٍّ من الجيش الجزائري والجيش السوداني من الحراك الشعبي القائم اليوم في كلٍّ من البلدين، وهذا على اختلاف كل واحد من هذين الجيشين عن الآخر، في التكوين التاريخي وفي التجربة العملية، منذ تأسيس كل منهما.

من المحتمل ألا يقبل قادة الجيشَين الابتعاد من ممارسة السلطة مباشرة؛ ما لم ينتبهوا إلى أن الوضع التاريخي قد تغير، وأن وعيهم بهذا التغير يمكن أن يؤدي بهم إلى القيام بالدور المركزي الذي هو دور الجيش في الدول الديمقراطية الحديثة. وربما كان الوصول إلى صيغة تضمن مشاركة متوازنة في السودان بين الجيش والمدنيين، خلال مرحلة انتقالية يتوصل فيها الطرفان إلى إعادة تحديد دور كل منهما في حياة الدولة والمجتمع، أو الوصول إلى صيغة في الجزائر، يكفل فيها الجيش قيام حكم مدني ديمقراطي يؤسس قطيعة مع السنوات الأربعين الماضية، ويكون ضمنها الضامن الأساس للتوازن بين السلطات الثلاث، يمكن أن يكون اليوم الحل الأمثل على طريق اعتماد الدور المشار إليه ضمن ظروف إقليمية ودولية لا يمكن أن تتيح أي حركة طبيعية في اتجاه ترسيخ الدولة المدنية الديمقراطية المأمولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق