تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أفق التصعيد والمواجهة بين طهران وواشنطن

ما كان منتظرًا، أصبح أمرًا واقعًا، مع تنفيذ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كامل الوعود المتعلقة باستراتيجية الخنق المستمر لاقتصاد إيران، فبعد مضيّ عام على ذكرى فسخ الاتفاق النووي مع إيران، وتسليط سلاح العقوبات الاقتصادية بحزمتيها الأولى والثانية، ومضي ستة أشهر على موضوع الإعفاءات للدول الست، من المعاملات التجارية مع إيران، اتخذت واشنطن منحًى تصاعديًا ضد إيران، تمثل في تصنيف “الحرس الثوري” في قوائم الإرهاب، كجيشٍ كامل لأول مرة، ومنع تجديد الإعفاءات الممنوحة لكلٍّ من  كوريا الجنوبية، اليابان، الصين، روسيا، تركيا، والهند، ويعني ذلك أنّ أميركا قررت تنفيذ معادلة تصفير النفط الإيراني، مع جميع الدول المتعاملة معها من دون استثناء، بهدف تحقيق جملةٍ من المكاسب السياسية، تراها اليوم ضرورة في المرحلة الحالية، لإجبار إيران على تغيير سلوكها المتبع، منذ سقوط نظام الشاه ونجاح الثورة الإيرانية في 1979.

وبناءً على تصريحات كبار الساسة الأميركيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي فرض على إيران في أيار/ مايو 2018 تنفيذ 12 بندًا، من بينها تفكيك وإنهاء ميليشياتها في سورية، ظهر إصرار أميركا على فرض واقع جديد في كامل المنطقة، وتغيير قواعد اللعب، خصوصًا بعد إعلانها الانتهاء من محاربة تنظيم (داعش)، فوجهت بوصلتها مرة أخرى نحو إيران، بهدف استجرارها إلى طاولة المفاوضات وتوقيع صيغة جديدة بما يخص برنامجها النووي والكيميائي، والصواريخ الباليستية، والتفاوض حول دورها الإقليمي في المنطقة، لأن الإدارة الأميركية باتت ترى أن موضوع توسع النفوذ الإيراني أخذ حدًا أكبر من الخطوط الممنوحة لها، حتى أصبح مبعث خطرٍ، وتهديدًا على منظومة الأمن والسلام في المنطقة، بحسب وجهة نظرها.

على الطرف المقابل، أصبحت إيران بموقع المتأثر أمام سلسلةٍ من القرارات، قد تقودها في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى أحد الخيارات: النزول عند رغبات ترامب، أو المواجهة العسكرية المباشرة، ولا سيما بعد ظهور تداعيات حزمة العقوبات، إضافةً إلى تدهور الأوضاع في الداخل الإيراني على وقع أزمات السيول، وارتفاع نسب التضخم، وفقدان المزيد من قيمة العملة الإيرانية، وارتفاع معدّل البطالة والفقر، الذي باتت ظاهرًا للعيان.

كل ذلك لم يدفع صناع القرار في الحكومة المركزية في طهران حتى الآن إلى القبول والتعاطي مع توجهات ترامب، بل على العكس، فإنّ التصريحات الإيرانية الصادرة من الرئيس حسن روحاني، والمرشد الأعلى آية الله علي خامئني، ووزير الخارجية جواد ظريف، والصف الأولى من قيادات الحرس الثوري الإيراني، جميعها تصب في خانة رفض العقوبات، واعتبارها غير قانونية، والتهديد بالتصعيد والمواجهة العسكرية، كما صرّحت الخارجية الإيرانية بأن إيران لن تسمح لأي دولة بأخذ حصتها من النفط في السوق العالمية، في حين فُسّر تعيين حسن سلامي قائدًا لـ (الحرس الثوري) الإيراني بدلًا من علي جعفري، كرسالةٍ سياسية إلى واشنطن، ودليلٍ على استمرار إيران في نهجها المتبع، وذلك لأن سلامي معروف بمواقفه المتشددة ضد الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى ولائه المطلق لـ “ولاية الفقيه” في طهران.

على الصعيد العسكري، لُوحظ انتشارٌ عسكري كبير، لقوات بحرية أميركية في شرق المتوسط، كتعبيرٍ عن حالة التأهب والاستعداد لكل احتمالات التصعيد، جاء ذلك بعد إعلان إيران تهديدها بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي قد يشكل إغلاقه خطرًا على حركة الملاحة الدولية، وانقسامًا دوليًا على صعيدٍ إقليمي واسع، لأن مثل هذه الخطوة تعني -فعليًا- إعلانَ إيران حربًا دولية بامتياز، الأمر الذي قد يفضي إلى حرب بَحرية عالمية، وفي الوقت نفسه تعلم إيران تمامًا حجم المناورة وحدودها، كما تعلم حدود الدول المسايرة لها في موقفها ضد واشنطن، كروسيا وتركيا والصين، بأنهم لن يذهبوا إلى حد المواجهة المباشرة مع أميركا.

وبناءً على المعطيات المذكورة، فإن العديد من التساؤلات بحاجةٍ إلى إجابة، كتلك التي تقول: هل قررت أميركا فعلًا الانقلابَ على إيران، وهي مستعدة لشن حرب عسكرية عليها؟ أم أن ما يجري من رفع وتيرة التصعيد تجاه إيران إلى أقصى حدودها، هو نزع أهدافٍ سياسية فحسب، من دون أن يؤثر في إسقاط النظام في إيران، وبالتالي فإن مؤشرات الحرب هي لاستهداف أذرع إيران في المنطقة فحسب، من أجل بلوغ الهدف المنشود سياسيًا؟ وهل أميركا مستعدة اليوم لتحمل كل نتائج التصعيد من قبل إيران، التي قابلت التصعيد السياسي بالمثل؟ فأميركا تعلم جيدًا أن إيران تمتلك بالًا طويلًا في موضوع الالتفاف على العقوبات، منذ ستينيات القرن الماضي، والأمر عليها ليس بجديد، أضف إلى ذلك معرفة واشنطن بقدرة إيران على زعزعة الأمن الإقليمي، عبر أذرعها المنتشرة في (سورية، العراق، اليمن، لبنان، الخليج، المغرب العربي، إفريقيا، وأميركا اللاتينية)، من المؤكد هذه المرة أن إيران ستتجاوز مرحلة تصدير الشعارات، إلى تنفيذ سلوكات وأفعال، فمن غير المنطقي أن يصل بها المطاف إلى معادلة التصفير، وتبقى متفرجة، تقابل ذلك بشعارات مقاومة وممانعة ومحاربة “الشيطان الأكبر” وغيره، فعلى سبيل المثال، إذا ما استطاعت مفاعيل استراتيجية ترامب الاقتصادية الوصول إلى أهدافها، فمن شأن ذلك أن يقود إلى انهيار الدولة المركزية في إيران، لا إلى تغيير سلوكها فحسب، كما هو مطلوب منها، وعليه فإن إيران لن ترضى البقاء بموقع المتأثر، من دون إظهار نوع من التأثير، على الأقل خارج نطاقها الحيوي.

لذا فإن الحديث عن خيارات إيران المتاحة تبقى كثيرة، لكن ظهورها سيبقى رهن جدية وصدق نيّات الإدارة الأميركية، التي وعدت أكثر من مرة بإنهاء دور إيران في المنطقة، وانطلاقًا من هذه المعادلة وفي حال ثباتها، فمن الممكن الحديث عن مجالات الردع الإيراني، من دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة، حيث إن كل الأطراف -الآن- غير راغبةٍ في الدخول إلى مواجهةٍ مباشرة. وفي آخر تصريح لوزير الخارجية جواد ظريف قال: “إن ترامب غير راغبٍ في الدخول بحرب مباشرة مع إيران، لكن هناك أطرافًا تدفعه إلى تلك المواجهة”، مع ذلك يمكن حصر بعض خيارات إيران، في حال ارتفاع نسبة تأثير الاقتصاد على الداخل الإيراني.

أولًا: بما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز، وبغض النظر عن امتلاك إيران القدرة على إغلاقه، فإنها في المدى القريب لن تُقدِم على اتخاذ هذه الخطوة، لأسباب لا يمكن حصرها في هذا المقال، لكن منها ما يتعلق بأسباب داخلية، على وقع تصاعد الأزمات، ومنها ما يتعلق بشأن دولي، فالمضيق لا يخص إيران وحدها، بل هو عصب التجارة الدولية، والأهم من ذلك أن إيران، إبان الحرب الإيرانية العراقية، لم تُقدم على هذه الخطوة، على الرغم من أن حرب استهداف الناقلات البحرية كان في أوجِه، بل قامت بعرقلة حركة الملاحة بوجه الناقلات التابعة للعدو فحسب، ومن المرجح اتباع ذلك الأسلوب لا أكثر، للتضيق على السفن السعودية الإماراتية، وسبق لإيران أن استهدفت أكثر من مرة ناقلات نفطية تابعة للملكة العربية السعودية، وبارجةً أميركية أيضًا في الفترة الممتدة بين 2016- 2018، ولأن السعودية والإمارات تخوضان حرب استنزاف مع إيران، فقد تلجأ إيران إلى استخدام التكتيك السابق.

ثانيًا: تمتلك إيران مركز قوة عسكرية في مناطق نفوذها، وقد تلجأ إلى التضيق على القوات الأميركية وقواعدها في العراق، وتنفذ عمليات منفردة عبر قنوات التأثير على الميليشيات التابعة لها، وهذا من شأنه أن يقود العراق إلى فوضى عارمة، لن تصب في صالح توجهات الإدارة الأميركية، التي تعمل منذ زمنٍ على استقلال القرار العراقي عبر حلفائها الخليجيين، ولعلّ الاتفاقيات التي وقعتها السعودية مع حكومة عادل عبد المهدي مؤخرًا تدخل في سياق تحقيق الرغبة ذاتها.

ثالثًا: قد تلجئ إيران إلى تفعيل الجبهة الجنوبية في لبنان، عبر ذراعها حسن نصر الله، الذي صرح منذ أيام باحتمالية إقباله على صيف حار، عندما اعتبر أن “إسرائيل” قد تشنّ حربًا عليه، قد تؤدي إلى اغتياله، ومع رفض حسن نصر الله كامل استراتيجية إدارة ترامب ونقده سياسية الخنق الاقتصادي، فمن المحتمل أن تعود أجواء حرب 2006 مجددًا، فـ “إسرائيل” تتأهب لإشعال هذه الجبهة بحكم امتلاكها كل الذرائع التي تدفعها إلى ذلك، كإزالة الأخطار عن هضبة الجولان، وتدمير منظومة الصواريخ التي يمتلها “حزب الله”، التي تعتبرها خطرًا على أمنها القومي، وستعمل إيران جاهدة، في حال اشتعال الجبهة، على دعم “حزب الله” لإحداث نوع من التأثير على سياسات ترامب، وتخفيض وتيرة حرب العقوبات.

رابعًا: في سورية تمتلك إيران قوة بشرية ضخمة، تستطيع من عبرها خلط الأوراق، وشن عملياتٍ إرهابية تهدد مناطق النفوذ الأميركي في شرق الفرات، ومركز الوجود الأميركي في قاعدة التنف، عبر ميليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني، إضافةً إلى رفع نسبة الأخطار على “أمن إسرائيل” في الحدود اللبنانية السورية.

من خلال ما تم ذكره، فمن المؤكد أن مرحلة جديدةً ستطرؤ على منطقة الشرق الأوسط، لكن احتمال الحرب المفتوحة ما يزال مستبعدًا عند جميع الأطراف، لعدة أسباب، والثابت في الموضوع أن حالة العداء المرتفعة من أميركا، غاياتها واضحة وصريحة من دون المساس بأركان النظام في إيران، والأخيرة تعلم ذلك جيدًا، لذا فإيران، على الرغم كل الضغوطات، ما زالت تعوّل على بعض الدول الحليفة بهدف التكيّف مع طبيعة الواقع الجديد، بما يضمن لها استمرار الالتفاف على العقوبات، وعدم الانزلاق إلى حد شفير الهاوية، لذا قد تستمر إيران في استراتيجية الاحتواء، حتى نهاية فترة ترامب الرئاسية في 2020، فأحد الاحتمالات لدى إيران هو التعويل على ذهاب ترامب، ومجيء إدارة جديدة تعيدها إلى طاولة المفاوضات، ضمن نظرية التكافؤ، في سبيل إنجاز صيغة جديدة من اتفاقاتٍ، تضمن لها الحفاظ على سلسلة إنجازاتها التي حققتها منذ تسعينيات القرن الماضي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق