سلايدرقضايا المجتمع

جذور العنف السوري

لا بد من أن يتجاوز الوضع السوري ثنائية معارضة وموالاة، أو شبيحة وثوريين، أو سنّة وعلويين، فمهمتنا السورية اليوم هي أن نكتب ونتحدث ونتجادل، في كل ما قد يساهم في تعمير بنياننا وعمراننا السوري، ويبدو أن الخراب السوري المدني والمعماري والتحتي سهلُ الإصلاح، أمام الخراب النفسي والمعنوي والبنيوي والذهني الذي حلّ بالسوريين كلهم.

التأسيس لسورية المستقبل

علينا أن ننطلق في التأسيس الصحيح لسورية المستقبل، وخلق الأمل في نفوس السوريين، ولكي نجيب على سؤال ما العمل؟ علينا بداية أن نهدم جذور العنف والتوحش فينا، التي تبدو الأسدية المحصلة النهائية لهذا التوحش، وكما يقول إخوان الصفا “إنّ الهدم يجب أن يسبق البناء حتى على مستوى الأفكار”، لذلك يجب علينا اليوم تهديم أصول العنف السوري.

وما يدفع إلى المطالبة بهذا التأسيس الجديد لسورية، والخروج من عقلية التفكير المستريح الدارج في أوساط المعارضة من (شلح كل شيء بضهر الأسد) هو مشاهد العنف غير الموجه من سلطة الأسد. ويبدو لي أنّه أخطر ألف مرة على مستقبل السوريين، من العنف الموجه المباشر من سلطة الأسد، فالعنف الموجه والمباشر يمكن تحليله وفهم دوافعه وحصر نتائجه، وفق منطق السلطة الدكتاتورية والشمولية، وليس نظام الأسد بدعًا من هذه الأنظمة التي مارست العنف الموجه في فترات معروفة من التاريخ الحديث.

مشهد قتل الحمير

قام عناصر تابعون للنظام بتجميع قطيع من الحمير، وأطلقوا عليه الرصاص، مع ضحكات وتلذذ بقتل تلك الدواب البهيمية، إضافة إلى وجود فيديوهات عن حرق كلاب وقتل أحصنة وحيوانات أخرى .

يرتبط وجود الحمير بمجتمع القرية، ولطالما كانت تلك الكائنات خير البهائم في مساعدة الإنسان، منذ فجر التاريخ، في الريف السوري الساحلي، ويعدّ وجود الحمار من أساسيات البيت الزراعي، لكونه يُستعمل لنقل الأخشاب والحطب والقمح ومحاصيل الزراعة ولمواد البناء، والحمار في البيت الريفي السوري خير سند ومعين للإنسان السوري، وهو كذلك رمز من رمزيات الكفاح والفقر والشقاء.

غالبًا ما يقوم مالك الحمار ومستخدمه بضربه ضربًا عنيفًا، وهو يقوده بعصاه إلى حقله أو عند قضاء حاجته به. ممارسة العنف الوحشي في الريف السوري على الحمير تكاد تكون سمة عامة، ليس على الحمير فحسب بل على كل الحيوانات، إذ لا يوجد علاقة لطيفة بين الإنسان السوري ومخلوقات الطبيعة عمومًا، فمجرد أن ترى عصفورًا ستفكر مباشرة بحمل حجرة لقذفه بها. إنّ التفكير الهمجي الذي يجعل طفلًا يفكر في رمي حجرة على رأس عصفور، بغاية قتله لأجل القتل، هو مشهد بدائي همجي لا ينفصل عن مشهد العسكري الذي يحمل حجرًا ليرمي به رأس معتقل بين يديه.

إنّ العودة لصور القتل البدائية التي يمارسها جنود الأسد مرتبطة بالتفكير الهمجي البدائي الذي عايشوه في طفولتهم ومراهقتهم، مجرد أن ترى شحرورًا أو ترغلًا أو سربًا من الطيور المهاجرة؛ تسرع لإحضار بندقية الصيد، ليس هذا مع الطيور المحلية والمهاجرة فحسب، بل مع دواب الأرض والسماء، مع الأفاعي، مع السحالي، مع الحرباء (التي نفخت النار على النبي إبراهيم كما تزعم الأسطورة الخرافية) والتي يجب قتلها، ويُلقن الأطفال وجوب قتلها.

السوري، عندما يرى كائنًا حيوانيًا بريًا، يفكر في قتله مباشرة بالوسيلة التي يراها متاحة ومباحة بين يديه، هذه الرغبة الفجائية في قتل الكائنات الأخرى سمة سورية عامة، يجب فحصها ودراستها، وربطها بالتطور اللاحق في العقلية الإجرامية التي تستبيح المختلف عنك، لا أشك مطلقًا في أنّ جنود الأسد يملكون الشعور الطفولي الذي تربى عليه البعض، دينيًا، في وجوب قتل الحرباء لأنها ساهمت في إشعال نار النبي إبراهيم، مع تحول النار هنا إلى ثورة، والنبي إبراهيم إلى سلطة، والمتظاهرين في الشوارع إلى حرابيُّ يجب قتلها.

ترتبط حالة الصيد بحالة المجتمعات البدائية، وسواء أكان الصيد مبررًا قانونيًا ودينيًا تُجاه الحيوانات والطيور، أم غير مبرر تُجاه الحيوانات الأخرى بدوافع وهمية، فإنّ هذه الحالة البدائية من العيش وطبيعة العلاقة العدائية مع كائنات الطبيعة، تشكل تحديًا أمام المجتمعات التي ترنو نحو الحداثة والأنسنة والتقدم، إنّ حالة العداء مع الطبيعة تورث حالة عداء مع المجتمع والإنسان، وتنفجر هذه الحالة في الأزمات أو عند غياب السلطة الضميرية أو القانونية .

إنّ العبارة التي أطلقها واحتفل بها السوريون، عن رجل ثوري يقول: “أنا إنسان ماني حيوان يا بشار الأسد” تفيدنا في تفسير الشخصية السورية عمومًا، التي ترى في إذلال الحيوان وقتله عملية مشروعة ومبررة، في حين تهدف مقالتنا إلى القول إنّ المجتمع الذي يهين ويقتل حيواناته وطيوره بلا معنى سوف يصل يومًا إلى أن يقتل بعضه بلا جدوى ومعنى.

وغالبًا ما يسحب القتلة في التاريخ صفة الآدمية من ضحاياهم تبريرًا لقتلهم، وتطورت هذه المخادعة الإجرامية لاحقًا مع تطور الإنسان، عبر سحب صفة الإيمان، والاتهام بالكفر والهرطقة، فالمساعد الأمني ينظر إلى المعتقلين تحت يديه على أنهم حيوانات، حتى إنه يتحرز من مناداتهم بأسمائهم الحقيقية، وصار بالمقابل المساعد الإسلامي الثوري ينظر إلى الضابط أو الشبيح الذي بين يديه على أنّه كافر علوي أو مرتد سنّي.

بعد أن قتل ضباط الأسد وجنوده ناسًا وبشرًا مثلهم؛ لم يعودوا يشعرون بأي معنى إنساني في داخلهم، فاستوى عندهم إطلاق الرصاص على الحيوانات والحمير والخيول والبشر، وأصبح فعلًا بلا معنى، سوى ما يحمله من حجم الخواء الذي تعيشه أنفسهم أو الهواء الذي امتلأت به قلوبهم، بحسب التعبير القرآني “وأفئدتهم هواء!”

لا بد من أن توليد ثقافة جديدة للسوريين، تنقلهم من حالة العداء والتربص بكائنات الطبيعة وغاباتها وحيواناتها وطيورها، إلى حالة الصداقة والاهتمام والرعاية، عبر مناهج دراسية وجولات استكشافية، لتصبح الشجرة والأفعى والجربوع والضبّ ذوات هويات سورية يجب الحفاظ عليها، ورعايتها، كما كانت العنزة تحمل هويتها الشامية. إنّ العمل على تكوين هوية سورية للغابة السورية والحيوانات والحجارة والآثار التي تعيش في سورية والحفاظ عليها، لا ينفصل مطلقًا عن تكوين هوية جديدة للسوريين.

مشهد العنف اللفظي

في المجتمع السوري عمومًا، ومدنه وقراه غير المتمدنة خصوصًا، تنتشر شتائم تشيب لها الولدان ويحتار في تفسيرها فرويد وسبيرمان، وبقيت هذه الشتائم في عالم الألفاظ والعنف والغضب اللفظي حتى قامت الثورة، وانتشر الشتم العنفي والسادي والجنسي في أوساط السوريين، في مناطق النظام والمعارضة، انتشارًا مخيفًا ينذر بتشوه قيم الجمال والحب في سورية.

لقد كانت حفلات الاغتصاب في سجون النظام هي التحقق الفعلي للذهنية الجنسية العنيفة عند السوريين، وبقدر ما نهتم بضحايا العنف الجنسي للنساء اللواتي تعرضن للاغتصاب، يجب أن نهتم بفهم نفسيات الفاعلين، فهذا العنف اللفظي الذي تأسست مجتمعاتنا عليه وبيوتنا وشوارعنا سرعان ما ارتد علينا جميعًا وأصابنا شرره.

ولا يقتصر العنف اللفظي على شتائم الجنس فحسب، بل حتى على المستويات الدنيا بين الأب وبنيه، أو بين الأم وولدها، أو بين المعلمة وطلابها، أو بين مدير المعمل وعماله، أو بين صاحب الورشة وصناعه، فإذا ما نادى ولد يريد حاجة من أبيه الغاضب؛ كان جواب الأب مباشرة: “ورصاص”!! وإذا ما سمع رجل بكاء طفل صغير في الشارع، أو رأى أطفالًا يرفعون أصواتهم في الحي، فلا يتحرج من قوله لهم: “ورصاص الذي يخفي أصواتكم”، وإذا ما طلب ولد من أبيه الغاضب  في السوق أن يشتري له حلوى أو قطعة من الشوكولا، لا يتحرج الأب بالقول: “تأكل سمّ إن شاء الله”، بل إن هناك من الأمهات السوريات من إذا بكى أطفالهن الرضّع يردن الحليب؛ يقلن: “تفضلْ، ارضع سمّ اللي يريحني منك!”، وفي الورشة يبخل صاحب الصنعة بتعليم المتدرب لديه، إمعانًا في إذلاله، وخوفًا من تحوّله للصنعة وإتقانها باكرًا، فيتحول إلى منافس لمعلمه، فضلًا عن إذلاله حتى يبقى مكسور الرأس عند الكبر. كيف لهذا المتدرب الصغير أن لا ينمو الوحش الصغير الذي بداخله، وهو يقضي سنوات التدرب عند هذا الوحش الكبير؟”.

وفي المسجد، لدى مجتمعاتنا، يتم تعليم الأطفال الصغار جزء (عمّ)، فتقدح في نفس الصبي الصغير عبارات هادرة، يصعب على الصغير تحمل جرسها الترهيبي الواعظ: “… إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا، يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه، ويقول الكافر يا ليتني كنتُ ترابًا”، كيف لطفل يبدع ويتحمس لمعارفه أن نقول له انتظر عذابًا قريبًا، أو ازهد في هذه الحياة، وهو لمّا يرى نورها بعد؟

وفي المدرسة، لا يجد الموجه التربوي حرجًا في استعمال العصا في توجيه طلابه وتلقينهم دروسًا في العنف اللفظي: “والله لأسلخ جلدك، والله لأقلعلك عيونك، والله لكسرلك إيدك، والله لأخفيك من وجه الأرض…!”.

إن مجتمعًا يكثر فيه جواب مناداة بعضنا بـ “الرصاص”، كيف لا يأتي عليه يوم يهلكه الرصاص؟ ومجتمع ينادي فيه الأب ولده والأم رضيعتها بدعاء “السمّ”، كيف لا يتسمم بالشعلة والمخدرات؟ ومجتمع يبخل فيه المهني في نقل معارفه للمتدرب، كيف لا يصبح هذا المتدرب حاقدًا على مجتمع جعله جاهلًا في مهنته التي يحب؟ ومجتمع يصبح فيه العميد خائفًا من الرقيب -لأن الأخير مدعوم من السلطة- كيف لا يصبح هذا العميد حاقدًا على الدولة والسلطة التي منحت هذا الرقيب سلطة أخاف بها العميد؟ ومجتمع يهين فيه المدرس طلابه والمعلمة طلابها، كيف نستغرب استسهال أن يهينه الجلاد تحت الدولاب، أو أن يختفي أفراده في غياهب السجون والظلمات؟ ومجتمع يقتل الداعشي مرضعته يحتاج إلى ما هو أكبر من الثورة بألف مرة، والأهم لأنه يحتاج إلى رجال كبار، وليس إلى تجار صغار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق