هموم ثقافية

تكريم واحتفاء.. في الوقت الضائع

ما فائدة تكريم المبدعين بعد وفاتهم؟!

قبل وفاته بأشهر قليلة، كُرِّمَ الشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش” بإطلاق اسمه على أهم ميادين مدينة “رام الله”، فقال حينها: “ليس من المألوف أن يكرم الأحياء، فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم، وما استمعت إليه اليوم هو أفضل تأبين أود أن أسمعه فيما بعد”، فثمة ظاهرة منتشرة فى الأوساط الثقافية والفنية وحتى العلمية، والمستغرب أنها منتشرة بشكل واسع، وهي تكريم المبدعين.. سواء أدباء أو شعراء أو علماء راحلين والاحتفاء بهم، فيما ظلوا -هم أنفسهم- بعيدين عن الأضواء والجوائز طيلة حياتهم حتى في فترات مرضهم لم يتذكرهم أحد! إذن.. ما فائدة التكريم المتأخر؟! هل هو شعور بالذنب وتأنيب للضمير أم أننا قد اعتدنا تكريم الأموات وإنكار إنجازاتهم وهم على قيد الحياة.

ظاهرة الاحتفاء بالمبدعين والعلماء والمفكرين الأموات هي ظاهرة قديمة حديثة، بالنسبة إلى الأمة العربية، على اعتبار أنها أمة تمجد الأموات على حساب الأحياء، وتحب أن تعيش الماضي على الحاضر والمستقبل، فمن الطبيعي والمعمول به في الدول المتقدمة كافة أن التكريم للمبدعين يتم أثناء حياتهم الإبداعية، وكلّما أنجزوا أعمالًا مهمة ولافتة للنظر، عكس ما يحدث في أوطاننا، عندما يتذكرون المبدع في حال مرضه أو وفاته، وهذا وضع بائس، لأن الكتابة السريعة المطلوبة للتغطية على حادث مؤسف لأديب بالمرض أو الموت، هي كتابة متعجلة، تركز على المديح لا على المنجز، وهي أشبه بكتيب دعائي لا يكاد يصدقه أحد، كما أن ضيق المناسبة أو مفاجأة الحدث تجعل كثيرًا مما يغطونه يكسلون عن فحص حقيقي وتقييم جاد لمنجز الراحل، فينقلون عن بعضهم، وفي النهاية نكتشف أن الخبر نقلته مئات المصادر كما هو في نصه الأول المغلوط والقاصر والمبتسر، أو المجامل وغير المحايد، وهذا لا يضيف لقيمة المبدع بل ينتقص منه.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يكون تكريم المبدع بتقديم الدروع أو تسمية مسابقة أدبية باسمه أو الاحتفاء بمنجزه إعلاميًا وتقدير منجزاته؟ هذا أمر معنوي لا بأس به، لكن برأيي إن التكريم الذي يحتاج إليه المبدع هو الاحتفاء بعطائه وهو على قيد الحياة، عن طريق التناول النقدي بميزان موضوعي يسهم في تطوير المنجز، والأخذ بيده لإيصال إبداعه؛ لأنّه لا يستوفي مساحة الفرح المشروع، ولا يقطف ورود البهجة المتأتية، إلا من وصول إبداعه، وهذا ما يفترض أن يكون في حياته، لا بعد وفاته، فلا مبدع في حاجة إلى تكريمه بعد موته، وأخال أنّ هذا النّوع من التكريم ليس إلا رقصًا سخيفًا ورخيصًا على قبره، فتكريم واحد لساعة في حياة المبدع يساوي تكريمًا موصولًا له بعد مماته، لا حاجة إلى المبدع بتماثيل تنصب له في كلّ مكان بعد موته، منكودًا وحيدًا مقصًى، بجريمة واحدة، وهي أنّه مبدع حقيقيّ ومتميّز قد همشه الحاقدون والجهلاء!

يقول الشاعر (لا ألفينك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما قدّمت لي زادا)، يحضرني هذا البيت، كلما تنادى الأدباء والمثقفون لحفلة رثاء وبكائيات لتأبين أديب غادرنا، فتتقاطر عليه مقالات التعظيم والكلمات الدامعة، والدروع المصقولة خالية الروح، وتتداعى ذكريات الرفقة الحميمة في حُمّى وفاء مؤقتة، لا تلبث أن تتلاشى وينفض المحتفون، وكأن لم يسمر بمكة سامر، ويُنسى المحتفى به وكأنه لم يكن، تلك الفعاليات مجرد شُبْهة تكريم! فالمبدع شجرة عطاء، له نظرته ورؤيته للحياة والمجتمع، سخّر فكره وقلمه ووقته وماله لخدمة مجتمعه، وظل طوال حياته يرمل في اتجاه هدف التغيير إلى الأفضل، سواء بلفت المسؤول إلى قضايا المجتمع، أو لفت المجتمع إلى ذاته وتصحيح مساراته، وتعزيز بعضها، وله على مجتمعه ومسؤولي وطنه حق رد الجميل في حياته، لكن ما يحدث -غالبًا- هو عكس ذلك. إن تكريم الأديب صاحب الإنجازات الكبيرة بعد وفاته فقط، هو تكريم فاقد لمعناه، حتى لو اعتبرناه نوعًا من الاعتذار، فلن يغني ذلك شيئًا، ومن العجيب أن نجد مظاهرات إعلامية تصاحب وفاة المبدع، وفي معظمها ليست تكريمًا ولا دلالة على عمق إنتاج الفقيد، بل هي نوع من المجاملات، يدرك القراء أنها مظاهر حزن وليست تقييمًا لمنجز، فتكريم الشخصية العربية المبدعة بعد موتها ما هو إلا استهزاء بها في واقع الأمر، ففي الوقت الذي كان لها أن تسعد بنجاحها، وتقطف نتائجه، نراهم لا يهتمون بها كشخصية رائدة في مجالها، بل يقننون عليها الحصار حتى لا تنتج شيئًا مميزًا للمجتمع. فشعوبنا العربية -مع الأسف- تعيش ازدواجية كبيرة، إذ يكون بيننا العالم أو المفكر أو المبدع، ولا أحد يهتم له ولعبقريته، ولكن بعد وفاته تبدأ احتفاليات النفاق والتهليل، على أن الراحل كان من أنجب أبناء الأمة! هذه الأمة التي ترفض أن يبقى عبقريوها على قيد الحياة وكأنهم شوك في حناجرهم، لا يرتاحون منه، إلا لحظة وفاته.

في كثير من الأحيان يظل المبدع (سواء أكان فنانًا أو عالمًا أو شاعرًا أو كاتبًا أو أيًا كان مجاله) مجهولًا للعامة، ومعروفًا للخاصة وأهل الاهتمام بإبداعه، والمتخصصين في مجاله، وبمجرد وفاته، يصبح علمًا مشهورًا يعرفه كل الناس، وتتحدث عنه كل الصحف والفضائيات، وتتبارى الملتقيات والمهرجانات ومؤسسات المجتمع في الاحتفاء به وتكريمه، والتعريف بأعماله وإبداعاته، لتتكرر نفس الأسئلة، متبوعة بعلامات كثيرة للاستفهام والتعجب.. لماذا لا تبرز نتاجات المبدعين أثناء حياتهم وخلال فترة عطائهم؛ حتى يعرفهم من يجهلهم ويستفيد الجميع من عطائهم؟! لماذا نتعمد أن يستفيد ورثة المبدع من تكريماته في حين ظل المبدع نفسه بعيدًا عن الأضواء، يتعفف المطالبة بنظرة اهتمام لما يقدمه؟ هل يمكن معالجة الأمر.. أم أننا اعتدنا تكريم الأموات، وتجاهل الأحياء من أهل الإبداع؟!، ما نطالب به هو أن يتم التكريم والاحتفاء في أثناء حياة المبدع لتكون دافعًا له في معاودة الإبداع، وليدرك في حياة عينه أنه لم يُضع حياته هباء، بل أسهم بإبداعه في منسوب الحياة الإبداعية لشعبه، وليتلمس بنفسه مقدار حب الناس لفنه، وليرد على المغالطات والأكاذيب المنسوبة إلى إبداعه بنفسه، إنما التقدير والتكريم بعد وفاة المبدع لا يفيده ولا يضيف عليه، فأعماله التى تركها بين أيدى القراء والنقاد هي التى سترد اعتباره، وتضعه في الموضع المناسب، حتى بعد مغادرته الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق