سلايدرقضايا المجتمع

العمّال والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في سورية

رصد الآثار الاقتصادية والاجتماعية، للمجتمع السوري في ظل الاحتلالات المتعددة، وعبر فترة زمنية قصيرة ضخمة، بالنتائج والأرقام، يبدو عملية بالغة الصعوبة والتعقيد؛ نظرًا إلى تشابك العوامل المؤثرة وصعوبة تحديد أبعادها من جهة، وحجب الحقائق والتضليل المتعمد من قبل النظام السوري وحلفائه المحتلين من جهة ثانية، وما يجعلها صعبة أيضًا أن النظام عمد -منذ بداية الثورة- إلى زج فئة من العمال في أتون الصراع القائم؛ فحوّل قطاعات واسعة منهم إلى بلطجية وشبيحة، جرى توزيعهم بين أزقة المدن والقرى والحواري، لقمع التظاهرات.

والقسم المتبقي منهم نال نصيبه، كما بقية المجتمع، من دمار وتهجير وقتل واعتقال، إضافة إلى اختفاء ومسح منشآت تجارية وصناعية وزراعية من على وجه الأرض، كانت تشكل ملاذًا للعمال والكسبة والفلاحين في عموم الجغرافية السورية. وقبل الخوض في التحولات الاقتصادية والاجتماعية، أو لنقل أبرز هذه التحولات والمتغيرات، لا بد من التنويه بإيجاز عن أهم التطورات والتأثيرات التي أوجدها النظام وقوى الاحتلال في القطاعات الثلاث: الزراعة والصناعة والتجارة، التي أصبحت تابعة كليًا إما لنفوذ الإيراني والروسي، أو لزيادة تغول النظام فيها بعد أن دمّر كليًا هذه القطاعات التي تعتبر الأساس الذي قامت عليه هذه التحولات:

على صعيد الزراعة، نجح النظام في تدمير معظم الأرياف السورية التي تشكل خزان الغذاء للمجتمع السوري، والرديف الاقتصادي للمجتمع القائم على تلبية حاجاته بنفسه من هذا القطاع، وتدمير قطاع العمال المشتغل به وتجريفه وتغييره ديموغرافيًا، فقد تحولت مساحة الأراضي الزراعية، منذ اليوم الأول للثورة، إلى ساحات ثأر من قبل دبابات الأسد التي تباهت بجرف الأراضي الزراعية وحرقها، في درعا وريفها.

ثم كانت السنوات التالية أكثر ما تكون بعدًا ووضوحًا، على إثر التقلص الكبير للمساحات الزراعية التي دمرتها طائرات وصواريخ الأسد، وبالجرائم والمجازر التي طالت اليد العاملة والثائرة، حيث اضطر قطاع واسع من العمال إلى النزوح القسري، بعد تعرّض عشرات الآلاف منهم للقتل، عن طريق مجازر نفذها النظام وعصاباته بحقهم، في بلداتهم وقراهم وداخل منازلهم. ومن بقي داخل حدود القرى أو الأحياء المتمردة تعرّض لأبشع عمليات الحصار والموت جوعًا، ومن الآثار السلبية أو المدمرة لهذه السياسة تدني أو تقلص اليد العاملة الزراعية في بعض المناطق، وانعدامها في مناطق واسعة للأسباب نفسها.

وعلى صعيد الصناعة، لا يختلف نهج النظام الثأري المتبع مع بقية القطاعات، إذ استهدف التخطيط الاقتصادي للنظام على إحياء دائرته الضيقة، من خلال تشريع وتسهيل السطو على قطاع الصناعة، وتوفير الدعم المالي لخزينته من الإمارات وإيران، لتمويل عمليات القتل والقصف الروسي، أو تدمير وتعفيش ما لم يستطع إخضاعه، فقد تعرضت الصناعة لاستنزاف كبير، من خلال تدمير واستهداف المنشآت الصناعية، وممارسة التشبيح والابتزاز على الصناعيين والعمال، وممارسة أعمال الخطف وطلب الفدية، اي السطو على رأس مال الصناعيين بطرق عديدة (هذا الأسلوب اتّبع مع عدد من الصناعيين قبل اندلاع الثورة) ومن ثم تدمير منشآتهم وممتلكاتهم، وبالتالي أدت سلسلة الاجراءات التدميرية التي مارسها الأسد إلى تدمير قطاع الصناعة، في وقت مبكر من عمر الثورة، من خلال القصف المباشر بالقنابل والصواريخ للمنشآت الصحية والغذائية والصناعية تحت ذرائع واهية، ومن بين الآثار الكارثية في هذا القطاع، احتكار النظام وعصاباته المحلية والمستوردة لسوق السوريين، لإذلالهم يوميًا.

أما على صعيد التجارة، فتعتبر السوق السورية وإجراءات النظام الهادفة إلى حماية كرسي الحكم، مكملة للخدمات التي يقدمها لقوى الاحتلال على الأرض: العقود الضخمة للفوسفات والطاقة للإيرانيين، وتأجير ميناء طرطوس، وتقديم قاعدة حميميم، والسماح للمحتل الإيراني بالسطو على ممتلكات العمال السوريين، وعلى بيوتهم واحتلال تاريخهم وحواضرهم، مقابل تأمين كرسي الأسد ويده القاتلة.

بعد هذا، يمكننا أن ننتقل إلى رصد أبرز التحولات الاجتماعية- الاقتصادية، التي يمكن أن تعتبر، بصورة مباشرة وغير مباشرة، نتيجة السياسة الاقتصادية والأمنية التي انتهجها النظام السوري، حيال المجتمع السوري.

البنية الاجتماعية

لعل من بين التحولات والتطورات الواضحة، التي طرأت على بنية المجتمع السوري خلال الأعوام الثمانية، اضمحلال وسقوط هيبة صنم الأسد الأب والابن، فبعد أن سعى الابن الوريث للتعامل مع المجتمع السوري، من خلال المجازر والدمار الواسع للطبقة العاملة التي كان يرى فيها لبّ الخطر، والتي كانت تشكل الشريحة الأولى والأكبر في المجتمع؛ جرى إحداث شرخ عمودي داخل المجتمع السوري، بعد أن باتت قواعد السيطرة الاجتماعية في المجتمع ترتكز بين أيدي النظام وأعوانه.

أخيرًا، معظم القرى والبلدات والمدن السورية يندرج سكانها تحت بند العمال، إن كانوا طلبة أو فلاحين أو مزارعين، مهندسين ومحامين وموظفين، ولا تكمن الإشكالية في تسميتهم أو انتمائهم، بل في وجودهم فوق الأرض، وتجمعاتهم الكبيرة أو الصغيرة، حيث تحتدم عوامل القهر والألم والثورة المستمرة، وبالتالي فقد أراد النظام، مع بقية أعوانه المحتلين، تصفية وجود السوريين فوق أرضهم، لكن هيهات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق