أدب وفنون

“قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي”.. الكتابة بوصفها صرخة احتجاج

لعله من الندرة أن تلتقي بصوت شعري يبحث عن خصوصيته، في ظل الفوضى العارمة؛ ولا سيما من جهة نسج جملة ذات بنية جمالية غاية في البراعة والإتقان، جنبًا إلى جنب مع العبارة المبتكرة، عدا عن شحنها بمزيدٍ من الانزياحات الشعرية والبلاغية المحببة، ما يجعلنا نعيد قراءة النص مرةً تلو الأخرى، دون أنْ يفقد تكرار القراءة شيئًا من الدهشة المرجوة.

يأتي في هذا الاتجاه الكتاب الشعري الجديد (قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي)، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو 2018)، للشاعر البحريني جعفر العلوي؛ حيث نجد اشتغاله الجلي على الجانب البصري، في محاولةٍ منه للخروج بالقصيدة من أسر النمطية السائدة، فتبدو وكأنها كتابة تجريبية مفتوحة على العديد من الأجناس الإبداعية والفنية الأخرى، فيها من “الحدث” و”السرد” و”الحكاية” و”المونولوج”، بقدر ما فيها من روح الفن التشكيلي وجماليات التجريد واللون.

في قصيدة بعنوان (دولاب حظ كبير يدور منذ 32 عامًا)، يطرح الشاعر سؤال الذات وعلاقتها مع الآخر، من كائنات أو أشياء في العالم المحيط، حيث الانفتاح على السيرة الذاتية وتحديدًا عالم الطفولة، طفولة الشاعر والأشياء من حوله؛ الشاعر هنا يرسم أنشودته الحالمة، رفقة موسيقى الطبيعة؛ حيث يقول: “الشجرة الكبيرة/ التي كانت تتوسط الحي/ قصّوا جذعها مؤخرًا/ وحين سقطت/ كان يمكن بوضوح/ سماع صوت الأحذية/ الذكريات/ وضحكاتنا/ وهي ترتطم بالأرض”. وفي مكانٍ آخر، من ذات القصيدة، يقول: “كيف كانت ستبدو شجرة العائلة/ بلا غصن أمي؟/ أين كانت ستحط/ هذه العصافير؟”. العناية بالأشياء المرئية واللامرئية معًا، ومن ثم المزج الحميم فيما بينهما، هو ما نلحظه في القصيدة السابقة، حيث الزائل والأبدي -نجدهما هنا- وجهًا لوجه، ما يذكرنا بقول القديس بولس: “الأشياء التي ترى آنية، بينما الأشياء التي لا ترى فأبدية”.

التقابل أو لعبة المرايا

يعمل جعفر العلوي على مسرحة قصيدته، عبر اعتماده اللغة الإيمائية الشفيفة في قول ما يود طرحه أو البوح به من أفكار ورؤى؛ “أقول (أحبك). وأعني أن فراشةً تقف الآن على قلبي”.

من جهةٍ أخرى؛ نجد في معظم القصائد أن ثمة عملية تقابلية، أو ما يسمى بلعبة المرايا، ما بين عوالم متناقضة ومألوفة في الآن معًا، حيث “الداخلي” و”الخارجي”، “الأنا” و”الآخر”، “الواقع” و”المتخيل”.. نجدها معًا وفي درفةٍ واحدة، اللغة بدورها تدخل في هذا الحيز وتدعمه، كما في قصيدة (إجابة وحيدة لأسئلة متكررة، ولا حصر لها)، وفيها يقول الشاعر: “تطرقين الباب، فأفتح قلبي./ تدخلين، فيخرج هذا التعب كله،/ تقفين أمامي، فيجلس قلقي أمامك على ركبَتَيْه/ تمسكين يدي../ فتفلت مني هذه القصيدة”.

“الباب” في مواجهة “القلب”، و”الدخول” مقابل “الخروج”، إضافةً إلى “الوقوف” مع “الجلوس”، عدا عن “تمسك” إلى جانب “تفلت”؛ ثنائيات تظهر هنا أو هناك في هذه المجموعة، ولا معنى لإحداها دون استحضار الأخرى.

شعرية التضاد

كتاب (قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي)، الذي جاء في مئة وستّ وعشرين صفحة من القطع المتوسط، هو الإصدار الشعري الثاني في رصيد الشاعر جعفر العلوي، إذْ سبقَ له أنْ أصدرَ باكورته الشعرية، وحملتْ عنوان: “للتوضيح فقط” (بيروت- 2009). وفيه؛ يقف الشاعر على مسافةٍ واحدةٍ من التضاد والتناقضات التي تذخر بها الحياة، حياتنا. فيما القصيدة تبدو وكأنها حمالة أوجه عديدة، تقرأ لأكثر من مرة وتفسر بأكثر من معنى، لما فيها من جمالياتٍ جمة، لغوية وتعبيرية.

“أنا الطفل الذي نجا بأعجوبة من هذه الحروب كلها/ الطفل الذي فَقَدَ ذراعًا وذكريات/ وقصصًا وأصدقاء وعائلة./ في كل مرة يتهدم فيها بيتٌ على رؤوس ساكنيه/ أخرج رأسي من بين الأنقاض/ وأبكي في وجه العالم”، يقول الشاعر.

* الكتاب: قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي (شعر)

المؤلف: جعفر العلوي (البحرين)

الناشر: منشورات المتوسط- ميلانو 2018

الصفحات: 126 صفحة

القطع: المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق