تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مستوطنة “ترامب” ومستوطنة الأسد

بينما كانت طائرات موسكو تشنّ سلسلة غارات على بلدات إدلب بعشرات القذائف والصواريخ، ومدفعية النظام تقصف أريافها مع ريف حماة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “يستمتع” بهدوء “عيد الفصح اليهودي” على مرتفعات جبل الشيخ، في هضبة الجولان السوري المحتل، وكان بشار الأسد، من قصر المهاجرين على سفح جبل قاسيون، يعطي الأوامر لجيشه ومرتزقته، بأن تُمطر البلدات والقرى السورية في الشمال، بمزيد من حمم الموت.

الاثنان المحتل والأسد يعتليان أعلى قمتين: قمة جبل الشيخ تكشف طريق دمشق حمص من مرتفعات الجولان المحتل، وقمة قاسيون حيث يتربع على سفحه قصر الأسد، ومراكزه الأمنية والعسكرية التي كان لها دور الإطباق والسيطرة على العاصمة السورية، واستخدامها في قصف وتدمير عدة مناطق في محيطها.

والخبر أن رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو يعلن، من قمة جبل الشيخ، عزم حكومته بناء مستوطنة في هضبة الجولان السوري المحتلة تحمل اسم (دونالد ترامب)، وأنه سيطرح على الحكومة هذا القرار، وذلك “تقديرًا” لاعترافه بـ “السيادة الإسرائيلية على الجولان”.

في زمن آخر، تكاد ظروفه تختلف كليًا عن ظروف ما يتعرّض له الشعب السوري، وُجهت “نصيحة” إلى حافظ الأسد، من قبل من يعرف ويهتم بالعقلية الصهيونية مفادها: إذا كنتم تريدون فعلًا استرجاع الجولان أو الأرض السورية المحتلة؛ فعليكم الدفع بالمجتمع السوري إلى أن يكون حيًا وقائمًا في المناطق الحدودية المحاذية للمناطق المحتلة، لا أن تكون منطقة آمنة وهادئة للمحتل، وعليكم بناء القنيطرة كلها، وتوفير بنية تحتية فيها تجعل أهلها يصمدون فيها للأبد، لأنهم وحدهم لديهم القدرة على إعادة الأرض وإرباك المحتل.

انتهت النصيحة، بهزّ الأسد لرأسه من دون إعطاء إجابة، مع أن مقدم “النصيحة” كان يعرف الجواب، الذي يعرفه كل أهالي الجولان السوري المحتل، ومن هجر من القرى والبلدات السورية، وكل زائر وعارف بطبيعة المنطقة الجغرافية، من الجهة السورية، يدرك معاني إبقاء المنطقة خالية من سكانها أو من السوريين عمومًا الذين كانت تصاريح الفروع الأمنية تمنحهم حق “التمتع” بقليل من شمسها وهوائها، في مواسم سنوية.

وفي نصيحة موازية، وُجّهت إلى قادة الكيان الصهيوني، من قبل خبرائه الأمنيين والمخططين الاقتصاديين، دعوة للاستفادة من احتلال مرتفعات الجولان، ومن المنطقة الشمالية التي تعد “عمق الطمأنينة” للمجتمع الصهيوني، لما وفرته عقود الأسد الأب من أمن وهدوء، عاد بالفضل على إنشاء وتطوير كثير من الصناعات الإلكترونية والعسكرية، في مصانع الشمال الصهيونية القريبة من الجولان، حتى باتت المنطقة لا تقتصر على إنشاء مشاريع اقتصادية عملاقة، بل صارت تنشئ مشاريع سياحية جرى استغلالها على مدار عقود.

نتنياهو “المستمتع” بثلوج جبل الشيخ، والمنتعش من هواء قمة الجبل الذي يستطلع عبر منظاره الضخم، يعلم ما يفعله ساكنُ القمة المقابلة في سفح قاسيون، الذي لم يسمح للسوري منذ خمسين عامًا أن يكون ساكنًا فوق أرضه على تخوم الهضبة المحتلة، حتى يتم توفير الأمن الذي بموجبه تكاثر الاستيطان وتعاظم اقتصاد الاحتلال. وتم التعامل مع السوريين، أهل الجولان والقنيطرة وكل المنطقة الجنوبية، على مبدأ الشك في ولائهم لمستوطنة الأسد، والتعاطي معهم يمرّ عبر فروع الأمن الكثيرة التي استحدثت لإذلال أهل الجولان خاصة والمنطقة المحاذية للمنطقة المحتلة ولعموم السوريين.

إعلان نتنياهو نية حكومته بناء مستوطنة “ترامب” في الجولان، له رسالة واضحة: أن مستوطنة الأسد في قاسيون هي التي تمنح المحتل إنشاء مستوطنات لأكثر من ألف سبب وسبب، معادلة السيطرة والاستيطان لم تكن تنبع من فكرة المؤامرة فحسب، بل هي خطط جرى تنفيذها بدقة بين المحتل والطاغية، إذ تشير إلى أن كل حركة وسلوك أتى عليه الطاغية والمحتل، بما يخص الجولان، أو ما تعلق بالمنطقة الحدودية من الجهة غير المحتلة، كانت تخدم خطط الاحتلال ومشاريعه، ويبدو أنها ستبقى كذلك طالما أن بوصلة الأسد لا تختلف عن بوصلة المحتل، وتلتقيان عند خط واحد، من سفح قاسيون إلى سفح جبل الشيخ، للاستثمار في مستوطنتي المحتل والطاغية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق