تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الركائز الثلاث لأيديولوجية بوتين

كشفت الثورة السورية الوجهَ الحقيقي لدكتاتوريات وحشية، في عالم تملؤه المصالح على حساب القيم والأخلاق الإنسانية، وظهرت الكثير من الأنظمة بوجه قبيح تجاوز كل المعايير، والسؤال: كيف نفسر تلك العقليات الإجرامية، من نيوزيلندا إلى البوسنة ومن فنزويلا إلى عالمنا العربي؟ وما هي الخلفيات الاجتماعية والأيديولوجية والنفسية لمرتكبي تلك الجرائم بحق شعوبهم والإنسانية؟ وقد برز في السنوات الأخيرة عدد من الدكتاتوريات التي تفوقت على بقية الأنظمة الشمولية وغيرها في العالم، وهي عقلية كل من بوتين وخامنئي وتابعهم الأسد، كما ظهرت خلال سنوات الثورة السورية الأوبامية والترامبية والساركوزية والماكرونية وغيرها من الأيديولوجيات المتعارضة والمتناقضة فيما بينها. ولكن ما هي الأيديولوجية البوتينية وما هي ركائزها؟ ولماذا سورية ولاجئوها في أوروبا والعالم مستهدفون؟

الأيديولوجية البوتينية :

أراد الفيلسوف الروسي ميخائيل إلتشانينوف الدخول في عقل فلاديمير بوتين لفهم طريقة تفكيره؛ فاستنتج أنه يستند في تفكيره إلى ثلاثة أفكار رئيسية هي العقلية المحافظة، والأسلوب الروسي، والطريقة الأوراسية، وأضافت المؤرخة الفرنسية فرانسواز توم “الستالينية” في خطاب بوتين.

بعد تسعة عشر عامًا من حكمه لروسيا، وحوالي أربع سنوات على تدخله في سورية؛ يتضح إصراره على فرض نظام سلطوي، يفرض من خلاله تصوره للعالم وتصوره للسلطة في الداخل الروسي، فقيّد الأحزاب المعارضة، وحوّل البرلمان إلى غرفة توقيع لمشاريعه، وفي الخارج يمارس سياسة إمبريالية أكدها في جورجيا عام 2008، وفي أوكرانيا التي عاد جزء منها تحت وصاية موسكو، وبلغت ذروتها في سورية، وقامت رؤيته -بحسب الفيلسوف ميخائيل إلتشانينوف- على تجذير الوعي القومي الروسي، وتعبئة جمهوره حول مشروعه.

حول الإشكالية الأيديولوجية لرؤية بوتين، يقول الفيلسوف إن بوتين يحاول حفر اسمه في التقاليد الروسية، فمن المؤكد أنه براغماتي، فهو ليس بالفيلسوف ولا بالمثقف، لكنه محاط بمنظرين مثل فلاديمير ياكونين، وهو الرئيس التنفيذي لشبكة السكك الحديدية الروسية، وأحد مستشاريه المقربين، كما أن خطابات فلاديمير بوتين تشهد على اهتمامه بالعودة إلى المصادر العميقة للثقافة الروسية، وهو يمثلها بين المسؤولين والمتابعين.

الخلفية الحمراء :

يقول ميخائيل إلشانينوف: إن بوتين في أعماقه يمتلك أيديولوجيا حمراء، بالمعنى السوفييتي للكلمة، ولكن دون الجانب الشيوعي للسوفييتية، فهو في الواقع مخلص للوطنية الروسية وللروح العسكرية المقتنع بها، فضلًا عن تبنيه فكرة الإمبراطورية، ومن هذه الخلفية تأتي الإشارات إلى ستالين وفليكس جيرزينسكي، مؤسس الشرطة السياسية بالاتحاد السوفييتي السابق، هذه الرؤية التي استند إليها بوتين وطورها إلى ثلاثة أركان هي: العقلية المحافظة، والأسلوب الروسي، والطريقة الأوراسية، فيتم التعبير عن المحافظة عن طريق تفسير الغرب بأنه “ملتزم بطريقة منحلّة ومدمرة للذات”، وأنه “نسي جذوره المسيحية ويعيد التعرف إلى نفسه عبر النسبية المعممة”.

ومن بين هذه المصادر التي يستند إليها بوتين، كما يشير الفيلسوف، الراهب الروسي كوستنتين ليونتييف (1831-1891)، الذي قدّم فرضيته في الأعمار والأجيال الثلاثة للحضارة ونقده للديمقراطية، والليبرالية والمساواة، والعلمنة. كما يشير أيضًا إلى الفيلسوف السلطوي إيفان إيلين (1883-1954)، الذي طرد من روسيا عام 1922، واعتبره بوتين “بطل المحافظين الأوروبيين، ذا الرؤية النبوية”.

الركيزة الثانية: وتسمى الأسلوب، أو العقلية الروسية، القائم على فكرة أن “على روسيا أن تتبع طريقها وتحارب الغرب الذي يريد منعها”، وهي مستوحاة من كتابات الفيلسوف السلافي نيكولاس دانيلفسكي (1822-1885) الذي توقع الصدام بين روسيا وأوروبا، وعنوان عمله الرئيس “روسيا وأوروبا”، والذي يدعو إلى توحد الشعوب السلافية، لمواجهة “التأثيرات الضارة القادمة من الغرب”.

الركن الثالث للعقلية البوتينية هي الأوراسية، التي يتم التعبير عنها من خلال مشروع اتحاد أوروبي آسيوي، لمواجهة الاتحاد الأوروبي، ويشير بوتين بشكل خاص إلى عالم الإثنولوجيا والمؤرخ الروسي ليف غوميلوف (1912-1992) الذي تبنى بيولوجيا الشعوب، مؤكدًا “الطاقة الحيوية” للمجتمعات، الصاعدة في روسيا والمنحدرة في الغرب، والمنظر إليكساندر دوغوين (ولد عام 1962) وهو اليوم المنظر الرئيس للأوراسية، ومؤسس حركة أوراسيا، وله تأثير قوي على فلاديمير بوتين.

ووفقًا للفيلسوف ميخائيل إلشانينوف، فإن “الترقيع” الأيديولوجي لبوتين يمزج بين المراجع الفلسفية، ولكنها تقوم على رؤية علمية زائفة (وهي نظرية الأجيال الثلاثة للحضارات والأوراسية)، وتقوم على افتعال الحروب والصراعات لتبرر الإمبريالية الروسية، والدفاع عن المسيحية، الأمر الذي يساعد أوروبا في إعادة الاتصال بهويتها، وكراهية الغرب المتدهور، بحسب العقلية البوتينية، وهدفه الليبرالية السياسية التي تعارض منطق “هوية صراع الحضارات”، من خلال تعبئة الثقافة الروسية، ويأمل الرئيس الروسي الحصول على دعم جزء من الرأي العام الروسي.

عقلية (كي جي بي)

المؤرخة الفرنسية فرانسواز توم، المتخصصة بالموضوع الروسي ومؤلفة كتاب (بيريا: يانوس الكرملين)، وبيريا هو أشهر رئيس للاستخبارات السوفييتية، وأكثرهم دموية، وحكم الاتحاد السوفييتي 100 يوم بعد موت ستالين، وأعدمه نيكيتا خروتشوف عام 1953، ويانوس هو إله البوابات والمداخل والمخارج والممرات والانتقالات في الميثولوجية الرومانية، وله وجهان واحد للشرق والآخر للغرب، في اختزال الطبيعة البشرية لا يلتقيان، حيث ترى المؤرخة أن الأفكار -بالنسبة إلى بوتين- هي مجرد أدوات، وتشدد على أن بوتين هو رجل أولًا وأخيرًا لتحقيق توازن القوى، والغرض الوحيد من هذا التوازن هو “الخداع” و”التجنيد”، وقراءته للأمور تعطيه الذخيرة لفكره المرتكز على عقلية جهاز الاستخبارات (كي جي بي)، والقائمة على الرواسب الأوراسية القائمة على معاداة الولايات المتحدة بشكل رئيسي، التي تسبق الرواسب السلافية القائمة على الروح الروسية لقتال وعداء أوروبا.

توضح المؤرخة أن أساس البوتينية هو الأيديولوجيا الستالينية، التي تغذيها الكراهية تجاه “عدو مذنب في كل شيء”، وتقوم على مفهوم “الداروينية للمجتمع والتاريخ”. تصر فرانسواز توم على ثقل “الأساطير الإمبراطورية الروسية”، وتعتقد أن المفهوم الأساسي للبوتينية هو “تجمع الأراضي الروسية”، وأن الدولة الروسية من أجله في “تمدد دائم”، ومنحها سيّد الكرملين بفضل “نظامه الاستبدادي”، طابعًا خاصًا بأن الإمبراطورية والإمبريالية يسيران جنبًا إلى جنب، ليرسم نفسه “الزعيم المثالي لإمبراطورية يهودية مسيحية ولكن انعزالية”، من وجهة النظر هذه فإن الإرادة الأوكرانية بالعودة لأوروبا هي “ضد حركة التاريخ الروسية” التي استبدلها بوتين “بإرادة السلطة”، فضلًا عن تدخله الوحشي في سورية، وتعاونه مع “إسرائيل”، وشرائه ميناء طرطوس وقاعدة حميميم باللاذقية، ودعمه لنظام الأسد، وتدميره لحلب -وهي إحدى أعرق مدن الأرض- بطيرانه الهمجي، بحجة الوجود الروسي بالمياه الدافئة، ضمن مشروعه الأوراسي.

بالمقابل، يؤكد رئيس حزب الاختيار الديمقراطي الروسي المعارض فلاديمير ميلوف أن أفكار بوتين مرفوضة لدى الشعب الروسي، والمجتمع الروسي يتطلع إلى أوروبا، وأن بوتين مجرد عباءة لمناورات سياسية، وبالنسبة إلى الفيلسوف ميخائيل، فإن بوتين طوّر بنفسه أيديولوجيا تورط فيها، ويعيش خطر حبس نفسه داخلها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق