كلمة جيرون

يبيع ما لا يملك

كشفت موسكو مؤخرًا أنها ستستأجر ميناء طرطوس السوري لمدة 49 عامًا من النظام السوري، قابلة للتجديد 25 أخرى، ووضعت شروطًا تمنح حصانة للميناء والعاملين فيه، وتحوّله إلى “مستعمرة” عسكرية وتجارية ولوجسيتة روسية، مقابل فتات يحصل عليه النظام السوري.

هذه آخر عملية بيع وشراء معروفة، يقوم فيها النظام السوري ببيع شيء لا يملكه، كحال أي عملية نصب دولية، أو عملية “تعفيش”، يقوم ببيع أو منح ملكيات الشعب السوري لمن يضمن له البقاء في الحكم.

قبل ذلك، في عام 2018، باع النظام السوري لروسيا، بمبالغ رمزية جدًا، معمل غاز جنوب المنطقة الوسطى، ومعمل غاز في توينان، ومعامل شركة الأسمدة في حمص لمدة 40 عامًا، ومنحها حق استثمار واستخراج الفوسفات من مناجم الشرقية لمدة خمسين عامًا.

وقبلها، في عام 2015 وقّعت روسيا معاهدة مع النظام السوري، صادق عليها بوتين بعد أشهر، نصّت على منح روسيا حق استخدام قاعدة حميميم في اللاذقية بشكل مجّاني، لمدة 50 عامًا، مع إمكانية تمديدها 25 سنة إضافية، مقابل أن تحمي هذه القاعدة كرسيًا يتربع عليه رأس النظام السوري.

في السياق نفسه، سهّل النظام السوري، خلال السنوات العشر الأخيرة، للإيرانيين أن يشتروا دمشق القديمة والـ “كوريدور” الواصل بين هذه المنطقة والسيدة زينب، والممتد عدة كيلومترات، ليحصل مقابل ذلك على ما يرغب من تغيير ديموغرافي وسكاني خرّب نسيج دمشق القديمة، تراثًا وبشرًا، وحوّلها إلى مسخ لغير أهلها، وخلال ذلك وقبله، وقع مع إيران عشرات اتفاقيات البيع والمنح السرّية التي لا يعرف السوريون إلا جزءًا منها.

طوال مدة حكمه، كانت السياسة العامة لحافظ الأسد تعتمد على الصفقات السرّية والباطنية، والبيع والشراء، في التعامل مع القضايا المتعلقة بالوطن والشعب، فأخفى بداية عن السوريين أنه باع الجولان لـ “إسرائيل” مجانًا، في تمثيلية باتت مكشوفة بأدق تفاصيلها وبشهودها ووثائقها، وصفقة دفعتهم إلى الدفاع عنه وعن ابنه من بعده.

وبما أن نظام الأسد تأسس على البيع والشراء، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الوطنية، فقد باع الأب أيضًا، وبشكل سري، جزءًا من الحدود السورية الشمالية إلى تركيا، عبر اتفاقية “أضنة” السرّية، تلك الاتفاقية التي غيّرت ملامح الحدود بين البلدين، ومنحت تركيا الحق في حماية حدودها من داخل سورية، بقوتها الذاتية وبشكل قانوني.

ليست هذه فقط صفقات البيع التي قام النظام السوري، فقد باع سابقًا مياه نهر اليرموك للإسرائيليين، وباع آثار سورية لأي مشتر، وبينها كتاب تيجان للإسرائيليين، وأهدى لهم رفات الجندي باوميل، وقدّم للأميركيين برخصٍ موقفًا سوريًا معاديًا للعرب في “عاصفة الصحراء” مقابل ترسيخ حكمه، كما قدّم للإيرانيين برخصٍ أيضًا موقفًا معاديًا للعرب ليدعموه طائفيًا، حتى إنه لم يتوان عن بيع حلفائه وشركائه، من موسى الصدر إلى أوجلان.

يُحضّر النظام السوري نفسه لبيع ما تبقى من سورية، أو منحه، للشركات الروسية والإيرانية ولكل من سانده في حربه ضد الشعب، عبر مشاريع إعادة الإعمار، وتعهّد بأن يقدّم ما يستطيع بالمجّان عرفانًا لهم على دعمهم لتثبيته على كرسي الحكم.

يُرحّب النظام السوري بأي مشتر لأي شيء في سورية، مقابل أي مساعدة للبقاء في السلطة، وهو بهذا يُثبت أنه يتعامل مع الوطن كأداة ووسيلة لا كفكرة سامية، وكملك فردي لا جماعي، وكسلعة رخيصة لا كقيمة وطنية وهوية.

على المعارضة السورية أن تُركّز على أن كل ما باعه النظام السوري من الوطن، خلال خمسة عقود، هو بيع باطل، يجب إعادة النظر به على مستوى القوانين والدستور والشرع، وعلى حقوقيي سورية الأشاوس حمل ملفاتهم وخوض معركة طويلة مع كل من اشترى من نظام الصفقات المشبوهة الباطنية الفاسدة هذا، والتشديد على المستوى الدولي على أن لا شرعية، حتى جزئية أو مؤقّتة أو مرحلية، لكل صفقاته، عسى أن يستطيعوا إيقافه عن بيع ما تبقّى من أطلال وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق