سلايدرقضايا المجتمع

العالقون في كمّاشة الذّل والاستخفاف بالعقول

جِراح السوريين التي فتحتها أنياب الحرب القاسية في القتل والتشرّد والدمار، لتنزف طوال ثماني سنوات، صارت -مع استعادة النظام لمعظم المناطق- تنزف صديدًا، وتطال أولئك الفقراء العالقين في كمّاشة الذلّ فوق أرض الوطن، والمتنقلين بين أزمات لا تُعدّ ولا تُحصى. فثقل الفاتورة وطول مدّتها راكما الخسائر، حيث لم يبقَ للسوري أيّ رجاء في فردوس قادم ينتشل ما تبقى منه، فالحديث عن هذا الفردوس لم يكن واردًا ضمن فوضى الدماء والمجازر، ولم يعد واردًا بعد التهدئة واستمرار الأزمة المعيشية المُغلّفة بتبريرات حكومية وشرعية.

شريعة العنف التي سادت لم تُفسح المجال للسوريين في البحث عن فرصة للنجاة، أو المطالبة بالحلول، فهذه المطالبة أحرقت الأخضر واليابس، والنجاة اقتصرت على الفرار من وجه الحرب، أما الباقون في ساحة الحرب المختلطة، فكان شغلهم الشاغل أن يدفنوا ضحايا اليوم، ليأتي الغد بضحايا جدد. إنها عبثية الأزمة، ولكل أزمة مبرراتها، حيث إن “للحرب الكونية أكثر من وسيلة، من السلاح إلى الحصار الاقتصادي”، إنه “العالم الشرير” الذي لا يرحم السوري، ويصدر بحقّه عقوبات اقتصادية ليحرمه من نعمة الغاز والنفط، بعد أن حرمه من نعمة الكهرباء والماء ومن نعمة الحياة؛ هذا ما تقوله الماكينة الإعلامية التي لم يعد يفيدها الاختباء خلف أصابعها بعد انكشاف زيفها، وهاجس البحث عن مبررات تعرف أنها لن تقنع أحدًا، وهذا ليس هدفها مطلقًا، الهدف ألا تقول إلا ما يسمح لها بقوله، ولا يهمّ أصدّق السوريون ما يقال أم لم يصدّقوه.

سعي السلطة للالتفاف على الأزمة الراهنة للبنزين ومن قبلها الغاز، والتعجيل بحلّها، لا يعني بأي حال انتهاء الأزمات على الصعيد المعيشي، فلا حلول فعلية ومدروسة تقدّمها الحكومة للشعب، والأزمات المتتالية التي تلت “الانتصارات” العسكرية المدعومة من روسيا وإيران، تدلّ على العجز عن تأمين أبسط الاحتياجات المعيشية الضرورية لحياة المواطن السوري، وإن التوجّه لإدارتها، كما أُديرت الحرب، باستيراد المزيد من المشتقات النفطية العاجزة عن تغطيتها بالعملة الصعبة، يدل على أن الأمور ستمضي نحو المزيد من الانهيار، أما تحميل أسبابها للخارج وتحويل الكازيات إلى مسارح دبكة ودبّيكة، فلم يجد فيه السوريون سوى تأكيد على الاستخفاف بالعقول الذي حفظوه عن ظهر قلب، ولا سيّما أن لهم تجارب مع عقود طويلة من “العمل والبناء والتطوير”، والخطط الخمسية الفاشلة، بسبب أولئك الذين أوغلوا في جسم الدولة ومؤسّسات البلد نهبًا واسعًا وفسادًا عريضًا.

نشر الإعلام الرسمي التطمينات عن حلّ الأزمة أو اقتراب حلّها، ما عاد نافعًا. لكن أن تنتقل أزمة البنزين من اتهام رئيس الحكومة عماد خميس، للسلطات المصرية بمنع عبور ناقلات النفط الإيرانية المتجهة إلى الموانئ السورية عبر قناة السويس تنفيذًا للعقوبات الأميركية، ومن عجز “الصديقة” روسيا عن توريد النفط بسبب عدم توفُّر بنية تحتية برية لذلك (أنابيب أو نقل بري)، إلى اعتبار هذه الأزمة ناتجة عن موقع (هاشتاغ سوريا)، فإن هذه تُعدّ سابقة تبريرية لا تقتصر على الاستخفاف بالعقول إنما على عودة سياسة القمع التي صارت تمدّ أذرعها ضدّ كل ما يمكن نشره.

ما فعله موقع (هاشتاغ سوريا) في نشره لخبر مفاده أن “الحكومة تتحضّر لإصدار قرار برفع الدعم عن البنزين ليصل إلى النصف عمّا هو عليه حاليًا، وبموجب القرار الجديد سيرتفع سعر تنكة البنزين بمقدار الضعف أي من 4500 إلى 9000 ليرة، وهو السعر الموازي للسعر العالمي للبنزين”، أدّى إلى توقيف صاحب الموقع محمد هرشو، من قبل فرع (الجرائم الإلكترونية) بتهمة العمل لصالح مافيات معادية، وأن هدف نشر الخبر هو إرباك الرأي العام، الذي “لم يُربكه” منظر الكازيات المتنقلة التي تجوب دمشق لتبيع ليتر البنزين 95 أوكتان بـ 600 ليرة سورية، والتي تُعتبر أولى خطوات رفع الدعم عن المادة، إنما أربكه حرمانه من “الرحلة الترفيهية” التي يقوم بها في الكازيات، بحسب توصيف خطيب الجامع الأموي مأمون رحمة، قبل إقالته من قبل وزارة الأوقاف السورية، وإعلانها في موقعها على (فيسبوك) أن الخطابة في الجامع الأموي ستصبح “بالتناوب بين كبار علماء دمشق”.

السلطة السورية -على الرغم من العنف والدم والمجازر- لم تعترف حتى الآن بوجود أزمة سياسية واقتصادية ومجتمعية عميقة وحقيقية، بينها وبين “شعبها”، فالحفاظ على الامتيازات والمكاسب، واستمرار تلك النخب السلطوية في الدفاع عن مواقعها، جعل صدمة ما بعد الحرب -بالنسبة إلى من بقي على أرض سورية- تبدو في عمقها أقسى مما عاشوه في واقع الحرب ومرارتها. فالحروب -كما يعرفها الجميع- لا تكون يومًا رحيمة، إنها تحيك إيقاع الموت بسلاسة، أما ما يُحاك الآن من إخضاع للأمر الواقع، مع فرض الصمت عن المعاناة اليومية المستمرة، فإنه يضع السوريين داخل كمّاشة الذلّ التي لن تدوم طويلًا، فالمسكّنات لا تلغي الألم، رغم المراوغة وتحويلهم تلك المعاناة “بطاقة ذكية” إلى مادة للسخرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق