هموم ثقافية

لولا السراب

أحسب أن كلّ مَنْ اعتُقِل في سوريّة يعرف تمامًا أن ما من تحقيق يُجرى مع المُعتقَلين. ضبَّاط الأمن الأسدي لا يعرفون شيئًا اسمه: التحقيق. وإِنْ عرفوا فما من وقتٍ لديهم لهذا الشأن، بسبب كثرة “الزبائن” في فروعهم الأمنيّة، وإِنْ كان ثمَّة وقت فكلّ علم التحقيق مع المُعتقَلين وأساليبه يتلخَّص -عندهم- بجملة واحدة: “اعترف وْلَكْ حيوان أحسن ما شيل عيونك!”

طبعًا، لا تُقدَّم الجملة للمُعتقل معزولة عن “مُقبّلاتها”؛ إذ ما إِنْ يُلفظ حرف الكاف في نهاية الجملة العتيدة حتى تنهال اللكمات والرّفسات واللطمات والتفّ والنَّفّ ودوس الأحذية فوق الرؤوس والأعضاء، لتلحق بها -إن لم يعترف المُعتقل- سلسلة “حفلات” التعذيب، غير الخافية أفانينها عن السوريين.

وفي الحكاية المُتداولة، أن معتقلًا ركب رأسَه ولم يمتثل لطلب الجلَّادين منه النطق بحرف الألف. فضُرب ولُطم ولُكم ورُفس ودِيس رأسه، إلى أن أُعيد إلى مهجعه -استراحةً للجلَّادين- علَّ نزلاء السجن معه “ينصحونه” بأن ينطق ما يطلبون منه، ويرتاح.

“يا رجل! قلْ ألف وارتاح! ألأجل نطق حرف واحد من الأحرف الهجائيَّة تُعرّض نفسَك إلى هذا القدْر الهائل من التعذيب!؟” طفق أصدقاؤه يحثّونه على التلفّظ بالحرف تأثّرًا بما رأوه من علامات التعذيب. ولم تكن نباهة منه أو عبقريّة قطّ أن أخبرهم بأن المشكلة لا تكمن في نطق حرف الألف، بل في الأحرف التالية، إذ ما إن يتلفّظ به، حتى يُؤمر -مع تعذيب أشدّ- بنطق الحرف التالي… وهكذا دواليك وصولًا إلى الحرف الأخير.

هل كانت تلك الحكاية، في عالم السجن المغلق الكابوسيّ الخانق، عِبْرة للسجناء وتنبيهًا لهم من الانزلاق بخطوة الامتثال الأولى المؤدّية نحو هاوية الاعتراف الكامل بكلّ شيء؟ هل اكتسبتْ تلك الحكاية أهميتها وحساسيتها لأنها تتعلّق بعالم آخر، مختلف تمامًا ومغاير كلّ المغايرة، لعالمنا نحن الطُلقاء؟ لا يبدو لي الأمر كذلك.

حالاتٌ عديدة، في حيواتنا الطليقة، تُعاود الحكايةُ حضورَها وبلاغتها ودلالاتها؛ خصوصًا في ظلّ المسافة القصيرة، بالغة القِصر، بين أحرفها. إذ ما إنْ يتنحَّى الألِفُ عن الشفتين حتى يرتسم الباءُ، والذي يبدو -كالسابق عليه- صغيرًا جدًا، وهيّنًا جدًا، لا يستأهل عدم النطق به تلك العذابات والتعاسات وآلام النفس المضنية. فإنْ هو إلاّ مجرد حرف، حرف واحد فحسب، لا يساوي قلامة ظفر، ولا يستحق أن نسفح طاقات الجسد والروح رفضًا لنطقه.

تُراود المرءَ نفسُه أحيانًا (أو هي تُراودني أنا، على الأقلّ) كي ألفظ حرف الألِف. تُغريني سهولةُ لفظه، بل يغويني -مرَّات- هذا النطق الخاطف، البرقيّ، السلس. وتضيف إليَّ المغانمُ المتحصّلة إغواءً على إغواء. “سأنطق به ولن أُعاود مع غيره، مهما كلَّفني الأمر” أهمس لروحي مُخادعًا إيَّاها. وأختم لأُمتّن الخداع والمُخاتلة: “أليس من الغباء والخبل والتوهُّم ألَّا أُقدِم كُرمًا لحرف!؟

وللحقّ، يُثير رغباتي وشهواتي وأطماعي نطق ذلك الحرف القريب، الداني، المُغني؛ فأدفع به من قلبي إلى حلقي، إلى شفتيَّ.. ثمَّ أجدني خائرًا، فزعًا، ممسوسًا، ومغلوبًا دون نطقه، أتراءى لنفسي خائنًا لها، سافحًا لبريقها، فأرتدُّ وأمتنع، مُهيلًا على شفتيَّ وفمي تراب الرفض. أُهيله حفنة بعد حفنة وأنا أستعيد حكاية ذلك السجين، أُهيله مُصدّقًا أنني -بذلك- أبني لنفسي حصنًا منيعًا، على الرغم من أنه قد يكون مجرَّد وهمٍ بوهم وسراب بسراب ليس إلّا، مَنْ يدري؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق