أدب وفنون

الجمال الباتر.. جمال اللحظات الأخيرة

“لم أشعر بدمامتي قبل الآن، وكلما وقفت بجانبك لا أتمالك نفسي من الشعور بالإشفاق على نفسي. إنني أبدو أمامكِ مثل وحش غاية في البشاعة”.

يشع الجمال في رواية (أحدب نوتردام) من قلب البشاعة، وهو يقترن بالتضحية، فالقبح مجرد قشرة خارجية بل إنه واه وواهن. في مقابل الجمال الذي يتخفى تحت مظهر الأشياء والوجود. يلتقي صراع كوازيمودو مع الكاهن كلود فروللو (الذي تتملكه الرغبة في الانتقام من أزميرالدا) مع مقاومتنا وصراعنا اليومي ضد الوحش الرابض في داخلنا. إنه نزاع بين البشاعة المتمثلة بالشر، والجمال الماثل في الخير، يتضح ذلك حين يسرع كوازيمودو -رغم حبه الشديد للغجرية- إلى استدعاء حبيبها القائد فوبوس.

تلتقي السرديات المهمة والكبرى في مسألة التأصيل للجمال والإلحاح على قوته وارتباطه بالخير، فنجده في ملحمة جلجامش يحقق ما تعجز عنه القوة. “إنكيدو كائن متوحش. ليس لديه أدنى معرفة ببشريته، إنه يأكل مع الوحوش ويفزِع الصيادين. لذا يأمر جلجامش الجميلة شامهات، أن تتجِّه إلى الغابة، وهناك وبتأثيرها يستسلم إنكيدو الذي يضاجع شامهات، ثم يغتسل. يرتدي ثيابه وهو يحدق بذهول إلى صورته الجديدة في نبع الماء، لقد أصبح كائنًا متحضرًا.

يكتب مانغويل: “صار يعرف أنه إنسان”

في النسخة الأصلية من (الجميلة والوحش)، لـ كريس ساندرز، يصاب أمير جميل بلعنة ويتحول إلى وحش بشع. شرط زوال السحر عنه أن تحبه امرأة حبًا صادقًا باكتشاف جماله الداخلي، وكما نجح الجمال في ترويض إنكيدو، يزول السحر عن الأمير. الجمال يحرض الحب وبإمكانهما معًا فعل المعجزات.

في اتجاه آخر، إذا سمح لنا أن نصطاد في الماء العكر، نجد أن الجمال لا يقدر دائمًا على منع قوى الشر الداخلي، ورد في كتاب (قصص الإسكندر المقدوني): “حين وصلتُ إلى مكان ناء، ظهر لنا رجل متوحش، جعلني أرتعد، وعلى الفور أمرتُ امرأة أن تتعرى وتتقدم نحو الوحش عسى أن تفتِنه ويهيمن عليه الشبق. يتابع الإسكندر: لكنه أخذ المرأة معه وابتعد، ولكم يحزنني القول إنه التهمها”.

لنتقدم قليلًا، ثمة نوع خاص من الجمال، أشبه بنافذة تفتح فجأة ثم تغلق على مشهد أخير، وكأنه فرار أو نظرة أخيرة، جمال الرعب أو جمال اللحظات الحادة، كتلك التي تمنح للمحكومين بالإعدام، أو للعشاق الجامحين المدركين أنهم خسروا رهانهم.

في الثانية عشرة من عمري، وبينما انشغل الجميع بالتحضير لمناسبة عائلية؛ صعد الصديق المقرب من والدي إلى سطح البيت. لاحقته بعبث طفولي ولكن صدمتني وقفته. وبينما كان الغروب يتقدم ويغمره، بدا أشبه بتمثال بشري. تقدمت نحوه بحذر فبدرت منه تنهيدة حادة ثم قال: “ما أجمل العالم!”، وأضاف بحزن: “جماله جارح”. وكما حدث للإسكندر جعلتني كلماته ارتجف من الخوف. لم أعرف يومها أني أمام شخص يحتضر. الآن أستطيع قراءة رسائل فان غوغ ولوحاته، تحت سقف هذه العبارة: جمال جارح. الإدراك الحاد للألوان عند فان غوغ، كان تعذيبًا له. الأحمر القاتم والأصفر المشِّع..

 إنه جمال يفور بالغياب..

غياب اختبرته آنا كارنينا قبل أن تلقي بنفسها تحت عجلات القطار.” حاولت أن تثني نفسها تحت عجلات العربة، وتوهج الجمال كما لم يتوهج من قبل، وأضاء لها جميع ما اكتنفه الظلام، وما عتم أن اختلج اختلاجة الموت، وتضاءل حتى خمد إلى الأبد”.

يكتب كونديرا: “الإنسان ينسج على غير علم منه وفقًا لقوانين الجمال، حتى في لحظات اليأس الأكثر قتامة”.

في قصة (قباب بيضاء كالفيلة) لـ أرنست همنغواي، وفي حوار بين فتاة مقبلة على إجهاض جنينها، تنظر الفتاة مع عشيقها من نافذة القطار قائلة: “كأنّها فِيَلة بيضاء”. وبينما يثرثر الشاب تشير الفتاة لجمال التلال، وكأنها تراها لآخر مرة. لا يطلعنا همنغواي على مصيرها، هل ماتت أثناء الإجهاض. هل انتحرت؟ الأكيد أن جمال التلال، كان يطغي على ثرثرة عشيقها، الذي يطلب منها التخلي عن طفلهما. وبهذا التخلي يهوي حُبهما.

في (المحاكمة) لـ فرانز كافكا نقرأ التالي:أسند الرجلان رأسه إلى صخرة، وبينما كانا ينقلان السكين، استدار (ك) ولمع الماء وهو يضطرب في أشعة القمر على كلا الجانبين، ظهرت الشجيرات والنباتات الكثيفة، كانت هناك طرق عبدت بالحصى، بينما القمر يرسل أشعته بوقار لتضيء كل شيء”. يكتب كونديرا: عالم تحتفظ به الشخصيات حتى في اللحظات الأشّدِ قسوة، بالقدرة على رؤية جمال من نوع خاص، وهذا الجمال القاسي، نجده في رواية (الجميلات النائمات).

العجوز إيغوشي هو الطفل ياسوناري كاواباتا (الطفل الذي ماتت أمه ووالده وجدّته وأخته) مسموح له فقط تأمل وجوههم الجميلة، لكنه عاجز عن لمسهم، تتساوى في هذه الرواية حرمة الموت مع حرمة الجمال.

لنقرأ معًا: “يمسك العجوز إيغوشي بالفتاة: ألن تفيقي، ألن تفيقي. كان يمسك بكتفها ويهزه بين حين وآخر وهو يردد: “ألن تفيقي!”.

قد يبدو هذا التحليل تعسفيًا، لكن ماذا يملك الواحد إزاء جمال الموتى!

كان الطفل ياسوناري يحدق في عائلته المتوفاة وفي الجميلات النائمات، وهو لا يملك سوى هذا الشعور المضني بالعجز.

في هذه الرواية التي تمنى ماركيز يومًا لو أنه كتبها يبدو “منزل الجمال” (الذي يقصده عجائز يقضون ليلتهم إلى جانب امرأة عارية، وغائبة بتأثير مخدر قوي) وكأنه مقبرة بحارس وحيد. يلج العجائز الغرف السريّة للجميلات النائمات. لكن ممنوع عليهم لمسهن، “إنها التعاسة الجليدية للشيخوخة“. لم يحتمل العجوز إيغوشي أن لا يبالي الجمال به، كانت رغبته في إيقاظها ملحّة في ذات الوقت يثير جمالها لديه شعورًا بالوحدة.

جرب ماركيز ذلك الشعور، وهو يكتب في قصة (الجميلة النائمة) المستوحاة من رواية ياسوناري: “لقد سلبت تلك التجربة حريتي وشبابي. نومها كان مؤلمًا وتمنيت أن يوقظها المضيف كي استردهما”.

بالنسبة إلى فرتر فقد فعل ما عجز عنه إيغوشي الذي قال للمرأة العجوز: “أحس أني أكثر حزنًا من أن أنتحر”.

في رسالة فرتر الأولى إلى ولهلم. يكتب “آمل أن يكون هذا الفردوس الأرضي فيه شفاء لروحي” وقبيل انتحاره، تبدى الجمال له تحت نور مؤلم. لقد فرّ الجمال فجأة؛ “فالسيول الهادرة التي تتدفق من أعالي الجبال في ضوء القمر، كل هذا جعله يحدق في الأسفل ويرغب في السقوط. لماذا عجز الجمال عن إنقاذ فرتر؟ لا إجابة ….

في رسالته الأخيرة إلى شارلوت يكتب فرتر: “أي شارلوت المحبوبة، عندما تتجولين أحيانًا صوب الجبال فكّري فيّ، وتذكري كيف كنت ترقبينني وأنا قادم لألقاك من الوادي، ثم وجهي ناظريك إلى فناء الكنيسة التي تضم لحدي، وفي ضوء الشمس الغاربة، لاحظي كيف يحرك النسيم العشب الطويل النامي فوق قبري”. كان فرتر يتمنى أن يتحول إلى فراشة ملونّة، لكنه آثر أن يتحلل أسفل جمال لا يكشف عن وجهه الحقيقي القاسي واللامبالي، إلا في اللحظات الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق