هموم ثقافية

الحراك الثقافي داخل سورية والانفصام عن الواقع!

لا يُحسد المثقف السوري المقيم في مناطق سيطرة النظام، على الواقع المرير الذي يعيشه، بسبب ما يعانيه من مشكلات أمنية واقتصادية واجتماعية وخدماتية…؛ فحال المثقف السوري لم تكن بأفضل قبل آذار 2011 م؛ لذلك من الطبيعي أن يكون واقعه الراهن أسوأ مما كان عليه سابقًا؛ ففي مرحلة ما قبل الثورة نعرف كثيرًا من القصص الواقعية عن تدخل رجال الأمن، من طبقة المساعدين والرقباء، في تعيين الأساتذة الجامعيين ومراقبة حراكهم الثقافي وإقامة الأنشطة الثقافية والأمسيات والأصبوحات الشعرية وإدارة الندوات والمؤتمرات العلمية، بدءًا من التخطيط لإقامتها مرورًا بأسماء الضيوف والمدعوين، وليس انتهاء بتقديم التقارير الختامية والدورية عن الأنشطة ومحاضرات الأساتذة الجامعيين ونقاشاتهم مع طلابهم؛ ناهيك عن تقارير الوشاية التي يقدمها بعض الزملاء الجامعيين ببعضهم الآخر، ومراقبة صفحات التواصل الاجتماعي وما يُنشر فيها من أفكار، وما يُكتب فيها من تعليقات، وما يُسجل على حواشيها من إعجابات، يتبعها استدعاءات لفروع التحقيقات الأمنية من أجل شرب (فناجين القهوة) بنكهات الخوف والرعب والتهديد والتخوين، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُعد وتُحصى، يعرفها القاصي والداني من مثقفي سورية داخلها أو في بلدان المهجر والنزوح.

والحق أن مثقفي سورية وأكاديمييها ليسوا على درجة واحدة من الوعي السياسي والثقافي، ولا سيّما المقيمين داخل سورية منهم، ممن تفرض عليهم الفروع الأمنية سطوتها وظلمها وتهديدها؛ فبعضهم -على الرغم مما يصل إليه باستمرار من الأخبار الصادقة عن الاستفسارات الأمنية عنه وعن طلبته ونقاشاته الثقافية والاجتماعية معهم ومع أصدقائه وزملائه- استطاع أن يخط لنفسه نهجًا ثقافيا معقولًا، بعيدًا من المدحيات الممجوجة والمزايدات الوطنية المعروفة بمصطلح (بيع الوطنيات) بين طبقة المثقفين والأكاديميين داخل سورية وخارجها.

واستطاع بعضهم الآخر أن يتخذ لنفسه لغة هُلامية يُفهم منها الشيء ونقيضه، تمامًا وفقًا لثقافة المؤول؛ فيمكن لهذه اللغة أن تُفسر نقدًا أو تطبيلًا للسطوة الأمنية أو الثائرين ضدها، على حد السواء. في حين فضلت طائفة أخرى عدم الظهور الإعلامي طالما أمكنها ذلك، وإن اضطرت إلى الظهور فيمكن تقديم الوجبات الثقافية البعيدة عن كل ما يمكن أن يثير شبهة أو يطرح تساؤلًا مهمًا أو غير مهم. ومع نجاح الفئات الثلاث السابقة في نهجها الاحترازي إلى حد بعيد؛ فضلت طائفة أخرى الإعلان عن ولائها المطلق للبعث ورجال أمنه، على الرغم من الحال المزرية التي وصلت إليها سورية، تحت قيادة أمين حزب البعث الحالي وقائده بشار الأسد، من توقيع اتفاقيات البيع والشراء والتأجير والانتداب لمطارات سورية ومرافئها ومواقعها الاستراتيجية لروسيا وإيران وباقي الدول الاستعمارية الطامعة بخيرات سورية.

ومن المؤسف حقًا أن يُجعل يوم الإعلان عن ولادة حزب البعث في 7 نيسان عيدًا وطنيًا يحتفل به السوريون، أو يُجبر بعضهم على الاحتفال به، من خلال إقامة الأنشطة الثقافية للاحتفال به وبعيد الجلاء أو الاستقلال عن فرنسا، في فعالية ثقافية واحدة، مع البَوْن الشاسع بين هذين الاحتفالين؛ فإلى أي مرحلة وصل الاستخفاف بعقل المثقف؟ وإلى أي حد وصلت عبودية الأكاديمي الطوعية أو القسرية؟ وهو مِن أدرى الناس بالفرق الكبير بين هاتين الفعاليتين أو المناسبتين إن صح التعبير، وهو الذي يؤلف الكتب حول أدق التفاصيل الدلالية؛ من (سيمياء العنوان) إلى (دلالة الفراغ) و(جمالية المُضمر) و(حساسية المسكوت عنه) وما إلى ذلك مما يعرفه هؤلاء المثقفون، ولا يغفلون عنه بكل تأكيد.

وإن كان بعض هؤلاء المثقفين أو أدعياء الثقافة قد قبضوا ثمن سكوتهم مقاعدَ جامعيةً لأبنائهم، في كليات الطب والهندسة أو مقاعد في البعثات الخارجية، كي يتم تحييدهم عن الالتزام بقضايا الشعب المقموع، وإبعادهم عن طبقة نقد السلطة الفاسدة أو هجائها؛ فهم غير مجبورين على مدح الطغاة أو الترويج لهم على أقل تقدير، وبإمكانهم العزوف عن المشاركة في مناسبة لا تدخل إلا في إطار (أدب العولمة) ودوره في التدجين، من خلال الخلط بين مناسبة الجلاء الوطنية وولادة حزب البعث البراغماتي النفعي، المسؤول عن قتل الشعب وتدمير سورية في كثير من مراحل تاريخها الحديث؛ القديمة والراهنة.

نعم، أيّها المثقف الأكاديمي المرموق، إذا لم تناصر قضايا الشعب المقهور فأنت في حلّ في الوقت الراهن من التطبيل للبعث وتوظيفه سِيَرَ المجاهدين السوريين، كإبراهيم هنانو والسعدون وسلطان الأطرش… مع تفريطه المطلق بمكانة سورية ودورها الحضاري تحت قيادة البعث! نعم، أنت في حل من الاحتفال بولادة البعث وترديد أهازيجه الممجوجة من مثل:

سبعة نيسان يا رفاق

ميلاد الحزب العملاق

يا طلائع بعثية

غنوا أحلى غنية

طلائع طلائع طلائع هييه.

عزيزي الأكاديمي المثقف السوري، داخل سورية أو خارجها! لا يليق بك أن تكون مُدجنًا أو مدلسًا، وأنت قائد من قادة الرأي، ومن المفترض أن تكون واحدًا من أسمى عناوين الحرية وأنبل شعارات الإنسانية البعيدة من التسوّل والارتزاق والتزييف والتدليس، إذا لم تسطع أن تكون هذا العنوان، فيجدر بك ألا يكون نشاطك الثقافي شاهد زور على هذه المرحلة التاريخية (السياسية والثقافية) الحساسة من مراحل تاريخ سورية الطويل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق