تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تصعيد خطير بين إدارة ترامب والنظام الإيراني ينذر باقتراب “ساعة الصفر”

رسائل غاضبة من روحاني للرياض وأبوظبي بسبب تعاونهما مع العقوبات الأميركية

أقرّ برلمان نظام الملالي في طهران، الثلاثاء الماضي، مشروع قانون يجيز اتخاذ إجراءات صارمة ضدّ “الأعمال الإرهابية” الأميركية. تزامن ذلك مع تهديدات أطلقها مسؤولون إيرانيون بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي، عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء الإعفاءات الممنوحة لعدد من الدول، مطلع الشهر المُقبل، ما يعني “تصفير” صادرات النفط الإيراني، وبالتالي خنق اقتصاد طهران الذي يعاني أصلًا أزمات متتالية.

مشروع قانون برلمان النظام الإيراني ينصّ على أنّه يتعين أن تتخذ الحكومة إجراءات قانونية وسياسية ودبلوماسية ردًا على “الأعمال الإرهابية” الأميركية، ويأتي ذلك وسط توالي العديد من المؤشرات الدالّة على وجود نية لدى الإدارة الأميركية، التي تقود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم (داعش)، لطرد الميليشيات الإيرانية الموجودة على الحدود السورية العراقية، والمتمركزة في مدينة البوكمال السورية، وذلك بمشاركة من الفصائل الموجودة في قاعدة التنف، جنوب البوكمال بنحو 250 كيلومترًا، وعلى رأسهم (جيش مغاوير الثورة) إضافة إلى (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) المُسيطرة في شرقي الفرات.

خبير أكاديمي أميركي، حذر الأربعاء، من أنّ “الجيش الإيراني لا يحتاج إلى قدرات عسكرية خارقة لإغلاق الممر”. وقال البروفسور روكفورد ويتز: إن “من الممكن أن تضرب (القوات الإيرانية) السفن التجارية بالصواريخ، أو استخدام القوارب البحرية أو الغواصات أو حتى الألغام البحرية. وبالتالي يمكن تعطيل الحركة الملاحية وإحداث أضرار بالغة بالحركة التجارية أو حتى توقفها تمامًا لفترة”. وذلك بحسب ما ذكرت تقارير صحفية نقلًا عن موقع (ذا كونفرسيشن) الأسترالي.

وردت واشنطن سريعًا على تهديد النظام الإيراني بغلق مضيق هرمز، وقال مسؤول أميركي كبير لمجموعة من الصحفيين طالبًا عدم ذكر اسمه، وفق وكالة (رويترز) إنّ “أيّ تحرك من إيران لإغلاق المضيق الذي تمر عبره 40 في المئة من إمدادات النفط العالمية، لن يكون مبررًا ولا مقبولًا”، وأضاف: “الرئيس ترامب واثق بأنّ السعودية والإمارات ستلتزمان بتعهداتهما لتعويض الفارق في إمدادات النفط للدول المتضررة من وقف الصادرات الإيرانية”.

وبيّن المسؤول الأميركي أن بلاده “لا ترى ضرورة لدراسة استخدام الاحتياطي البترولي الاستراتيجي عقب إنهاء الإعفاءات، وأنّ المسؤولين الأميركيين يبحثون الآن سبل منع إيران من الالتفاف على العقوبات النفطية القائمة”.

  تركيا: لا للعقوبات الأحادية الجانب وفرض الإملاءات

الرئيس الإيراني حسن روحاني وجه، الأربعاء الماضي، رسائل للسعودية والإمارات، وذلك بسبب تعاونهما مع العقوبات الأميركية ضدّ سوق النفط الإيرانية، وقال: “على السعوديين والإماراتيين معرفة أنّ من المستحيل إيصال صادراتنا النفطية إلى الصفر”، مضيفًا أن “تعهد السعودية والإمارات بتعويض السوق العالمية عن النفط الإيراني يعني مواجهة إيران وشعبها”، كما هاجم الدولتين بالقول: “نذكّر الرياض وأبوظبي بأنّ عدم احتلالهما من قبل صدام حسين يعود لحكمة وعقلانية الإيرانيين”.

وكان وزير الطاقة السعودي المهندس خالد الفالح قد صرّح، في وقت سابق، بأنّ بلاده تتابع باهتمام التطورات في أسواق النفط، عقب البيان الأخير الصادر عن الحكومة الأميركية بشأن العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيراني، مؤكدًا أنّ السعودية تواصل مجددًا سياستها الراسخة، التي تسعى من خلالها لتحقيق الاستقرار بالأسواق في جميع الأوقات، وعدم خروجها من نطاق التوازن.

وأوضح الفالح أنّ بلاده، بالتنسيق مع منتجي النفط الآخرين، تعمل من أجل التأكد من توفر إمدادات كافية من النفط للمستهلكين، وتعمل على عدم خروج أسواق النفط العالمية عن حالة التوازن.

في السياق، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في تغريدة على (تويتر): “لا نقبل العقوبات الأحادية الجانب وفرض الإملاءات، بشأن كيفية بناء علاقتنا مع جيراننا”، فيما وعدت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية بمواصلة “بذل كل ما هو ممكن للحصول على تجديد للاستثناءات”، وذلك بعد قول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لحلفائه بلهجة تحذيرية: “في حال لم تتقيدوا فستكون هناك عقوبات.. نحن عازمون على تطبيق هذه العقوبات”.

وأكد بومبيو، في مؤتمر صحفي في 22 الشهر الجاري، أنّ واشنطن ستعمل من أجل الوصول بصادرات النفط الإيراني إلى الصفر، وذلك من أجل “حرمان النظام (الإيراني) الخارج عن القانون من الإمكانيات التي يستخدمها في تهديد دول الجوار ودعم الإرهاب وتطوير الصواريخ”. كاشفًا أنّ إدارة الرئيس ترامب وضعت “12 مطلبًا لإيران، إن لم تلتزم بها فسنواصل حملتنا بالتعاون مع (إسرائيل) وحلفائنا في الخليج.. إذا هوجم أميركيون من قبل إيران؛ فسنرد على ذلك”.

وأضاف: “هناك 80 دولة تعاون واشنطن في حربها على التطرف والإرهاب.. الإسلام المتطرف يبقى تهديدًا، وسنواصل عملنا ضدّ الأشرار”. على حدِّ تعبيره.

وكان وزير الخارجية الأميركي قد أعلن عن الشروط الأميركية الـ 12 التي جدّدها الاثنين، في أيار/ مايو 2018، ومنها ما يتعلق ببرنامجها النووي والصاروخي، وما يرتبط بدعمها لفصائل مسلحة في المنطقة ووجودها في سورية، وهي شروط رفضها النظام الإيراني سابقًا، واصفًا إياها بـ “التعجيزية والاستسلامية.. لا يمكن القبول بها”.

ردّات فعل طهران توالت على إعلان الرئيس ترامب وإدارته، حيث وصف وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الثلاثاء، من نيويورك، الخطوة الأميركية بأنّها “إرهاب اقتصادي”. فيما اعتبر وزير الدفاع أمير حاتمي، من موسكو، أنّ “أهم ما يواجهه العالم اليوم هو (الترامبية) التي تشبه النازية”، مضيفًا أنّ ترامب “يعرض الأمن العالمي لمخاطر جادة”.

وكان قائد البحرية التابعة لـ “الحرس الثوري” الإيراني، الجنرال علي رضا تنغسيري، قد صرح عقب إعلان ترامب، بأنّ بلاده ستغلق “مضيق هرمز، إذا تم منع طهران من استخدامه”.

ونسبت وكالة أنباء (فارس) شبه الرسمية، إلى تنغسيري الذي تتولى قواته مسؤولية الإشراف العسكري والأمني على المضيق، قوله: “وفقًا للقانون الدولي فإنّ مضيق هرمز ممر بحري، وإذا مُنعنا من استخدامه فإننا سنغلقه”. وأضاف: “في حال وجود أيّ تهديد، لن يكون هناك أدنى شك في أنّنا سنحمي المياه الإيرانية وسندافع عنها”.

وصدر التهديد بإغلاق مضيق هرمز من كبار المسؤولين الإيرانيين، خلال الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، فضلًا عن أبرز قادة “الحرس الثوري” الإيراني، الذي صنفته الإدارة الأميركية في وقت سابق من الشهر الجاري (منظمة إرهابية).

في السياق، قال مصدر بوزارة النفط الإيرانية، بعد ساعات من إعلان ترامب إلغاء الإعفاءات لشراء النفط الإيراني دون عقوبات: إنّ “طهران مستعدة لأيّ قرار أميركي بإنهاء الإعفاءات الممنوحة لمشتري الخام الإيراني”.

ونقلت وكالة (تسنيم) للأنباء الإيرانية شبه الرسمية، عن مصدر لم تسمّه، قوله: إنّ “الولايات المتحدة لن تنجح في وقف صادرات النفط الإيرانية”. وأضاف: “سواء استمرت الإعفاءات أم لم تستمر، فإنّ صادرات نفط إيران لن تصل إلى الصفر بأيّ حال؛ ما لم تقرر السلطات الإيرانية وقف صادرات النفط… وهذا غير وارد حاليًا”.

ونسبت الوكالة الإيرانية إلى المصدر قوله: “نراقب ونحلل كل التصورات والأوضاع الممكنة للنهوض بصادراتنا النفطية، وجرى اتخاذ التدابير اللازمة… إيران لا تنتظر قرار أميركا من عدمه لتصدير نفطها”. وأردف: “لدينا سنوات من الخبرة في تحييد مساعي الأعداء لتوجيه الضربات لبلادنا”.

كما قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه: إنّ “بيع إيران نفطها لن يصل إلى أقل من مليون برميل في اليوم”.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي، في بيان نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): “بالنظر إلى الآثار السلبية لهذه العقوبات، وإمكانية زيادة رقعة الآثار السلبية بسبب عدم تمديد الإعفاءات، فإنّ الوزارة على اتصال دائم بجميع المؤسسات المحلية المعنية”، وأكد أنّ وزارته “تقوم بإجراء مشاورات مكثفة مع العديد من الشركاء الأجانب، مثل الأوروبيين ودول الجوار”، دون تحديد.

بالمقابل، قال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض كيفن هاسيت، الاثنين، إنّه يعتقد أنّ أسواق النفط العالمية ستكون قادرة على التعامل مع قرار الولايات المتحدة إلزام مشتري النفط الإيراني بإنهاء الواردات أو مواجهة عقوبات. وأضاف في مقابلة مع قناة (سي.إن.بي.سي): “أعتقد أنّ أسواق النفط العالمية مؤهلة للتعامل مع هذا”.

ولم يسبق أن تعرضت إيران في تاريخها لحظر كامل لتصدير نفطها، على أساس أن يتم “تصفيره”.

تصعيد أميركي “غير المسبوق” ومخاوف من تداعياته

مراقبون سياسيون رأوا أنّ الإدارة الأميركية دشّنت، بإعلانها وقف الإعفاءات الممنوحة للعقوبات على قطاع الطاقة الإيراني، وخصوصًا الصادرات النفطية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، اعتبارًا من الثاني من أيار/ مايو المقبل، فصلًا جديدًا من التصعيد “غير المسبوق”، ردت عليه طهران بالتهديد بغلق مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الأساس لصادرات النفط العالمية، الأمر الذي ينذر باقتراب “ساعة الصفر” لمواجهة عسكرية محتملة.

المراقبون أشاروا إلى أنّ إدارة ترامب بقرارها تكون نفذت تهديداتها خلال الفترة الأخيرة، بتصعيد ضغوطها على طهران على أعتاب الذكرى الأولى لانسحابها من الاتفاق النووي، مع تهديدات جديدة أطلقتها لفرض مزيد من العقوبات خلال المرحلة المُقبلة. متسائلين: هل ستلجأ طهران إلى تنفيذ هذا التهديد، وهل تمتلك فعلًا القدرة على ذلك أم لا، نظرًا إلى تداعياته المرتقبة.

صحف ووسائل إعلام تابعة للنظام الإيراني أكدت، بخصوص ما يتعلق بقدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، أنّه وفقًا لما تقوله القيادات العسكرية والسياسية في البلاد، فإنّ ذلك “تحصيل حاصل لها؛ إذا قررت ذلك”، مستشهدة بما حصل في المضيق، إبان الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، حينما اشتعلت حرب الناقلات في المياه الخليجية، حيث عمدت طهران وقتها إلى عرقلة عملية الإبحار في مضيق هرمز من خلال أجزاء منه، وجعله غير آمن، لكنها لم تغلقه.

ويرجح محللون سياسيون عرب، أنّه يستبعد جدًا أن يقدم النظام الإيراني على غلق المضيق إلا في حال تعرضه لهجوم عسكري؛ لأنّ “الإغلاق بمثابة قرار حرب بامتياز، وتترتب عليه تداعيات كارثية”. لافتين إلى أنّ من المحتمل أن تتخذ طهران إجراءات متشددة خلال المرحلة المقبلة، عند عبور الآليات البحرية التابعة للدول التي تصفها بـ “الأعداء”.

ورأى المحللون السياسيون أنّ حدّة التصعيد الأميركي ضدّ النظام الإيراني، بدءًا بالعقوبات القاسية وانتهاءًا بتصنيف “الحرس الثوري” (منظمة إرهابية)، تطرح أسئلة عديدة عن احتمالات المواجهة بينهما، مباشرة أو بالوكالة. منبّهين إلى أنّ تأخر المواجهة العسكرية يعود لأسباب إيرانية، وليس أميركية أو إسرائيلية، ذلك أنّ نظام الملالي في طهران لم يفقد صوابه كما كان متوقعًا، بل ظل ملتزمًا بالاتفاق النووي، وأعطى الشركاء الأوروبيين فرصة للمساعدة في مواجهة الممارسات العدائية الأميركية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق