أدب وفنون

“صباح النور”

وأخيرًا سأنام.. سأنامُ دونَ أن أفكّرَ إلى أين أذهب غدًا، فأنا أعرف ذلك من الآن، لن أذهب إلى أيّ مكان، سأظلّ هنا، في مكاني، كلّ ما سأفعله أني سأقف عند مدخل البناية بناية “بهجت بيك” تاجر البناء الشهير، لقد أصبحتُ من اليوم “حارس البناية 11″، وعندما تجهز البيوت ويسكنها أهلُها، سيُقنع أحمدُ الأستاذَ هاني بأن أكون البوّاب هنا على اثنتي عشرة شقة فخمة، وسأجعل وراء غرفتي حديقة صغيرة، أزرع فيها شجرة زيزفون، وسأجلس في المحرس، والرائح والغادي يسلّم عليّ. ها قد أشرق سعدُك، يا أسعد، وكنتَ تقول إنه لن يشرق؛ لقد صرتَ تعمل عند “بهجت بيك” دفعة واحدة.. غدًا قبل التاسعة سيمرّ بي الأستاذ هاني مسؤول البنايات ليعطيَني مفاتيح المستودع، كما أخبرني أحمد، وسأنتظر سيّارة الرخام التي ستصل عند التاسعة، وسيكون مطلوبًا مني أن أفعل شيئًا في هذي الحياة، سيُلقي العمّال عليّ التحية وسأتحدث معهم مليًّا. لقد ولّى زمانُ العناء إلى غير رجعة، وأتى زمانُ الهناء، مع الأستاذ هاني. وفّقك الله يا أحمد، أن أقنعتَ الرجل بأن أعمل عنده، لن أنسى فضلك هذا ما حييتُ، ولا فضل ضيافتك لي لياليَ أُوصدَ في وجهي كلّ باب.

ثلاثون يومًا مرّتْ عليّ في هذه المدينة، ولم أجد من يشعرني بأني إنسان، ثلاثون يومًا تكادُ تكون أثقل من سنوات عمري الثلاثين مجتمعةً، ولكنها فُرجَت أخيرًا بفضلك، يا أحمد، إذ كفلتني عند الأستاذ هاني، لأعمل هنا. أقسمُ إني سأفعل جهدي لأرضيك، يا أستاذ هاني، فعلى يديك صرتُ أعمل.. صرتُ إنسانًا، ولن أنسى أنك من جعل لي هذه الغرفة سكنًا، وجعلني أنام وأنا على علمٍ بوجهتي غدًا.. أنام بلا وجل أو قلق.. أنام على سرير ووسادة كالآخرين، أنام وأنا مطمئن هانئ البال.. ياه، كفى المرء نعيمًا أن ينام آمنًا ملء عينيه، إنها غرفةٌ، أجل غرفة كاملة، غرفةٌ حقيقيةٌ لها جدرانٌ ثابتة، ونافذة يدخل منها النور، ولها باب يُفتح ويُغلق، وللباب قُفلٌ، وللقفل مِفتاحٌ، وغدًا يكون المفتاح في يدي، وفيها سريرٌ ومخدة وغطاء، ومطبخ صغير فيه ما يكفيني من أدوات. بل إنها أوسع قليلًا من غرفة أحمد في البناية 10.. لا نومَ، بعدَ اليوم، في كراج عبد المولى الذي خدعني وأكل تعبي أسبوعين، بعدما تركني أحرسُ مَركن السيارات طوال الليل، وأنام في النهار في القبو، لا، لن يكون ذلك، فالأستاذ هاني هنا، وأنا الآن في الغرفة التي جعلها لي، سأسهر وأنام بإرادتي.

لا أكاد أصدق أن هذه الغرفة لي، الحمد لك يا ربّ أن صار لي موطئ في هذي المدينة، صار لي فيها وجود.. لقد صرتُ كائنًا له مكان، وسأنام، وأنا على علمٍ بوجهتي غدًا، أيّ نعمةٍ أعظمُ من أن ينام المرء وهو يعرفُ إلى أين سيذهبُ غدًا! ويعلم ماذا سيفعل! أوه… يا إلهي، لقد مضى الوقت سريعًا، إنها الواحدة بعد منتصف الليل، عليّ أن أطفئ النور وأنام، نعم عليّ أن أفعل. الله الله… لم أطفئ نورًا منذ سنين، في السجن لم يكن إشعال النور وإطفاؤه بأيدينا، وفي كراج عبد المولى كنتُ أعتمد نورَ الشارع المتسلل إلى القبو.. أما هنا فمفتاح النور أمامي: نور.. ظلام.. نور.. ظلام.. نور. ما أجملَ أن يكون لك منزل، وفيه نورٌ تشعلُه وتطفئُه بإرادتك! نوّر الله حياتك، أستاذ هاني، كم أنا سعيد وهانئ، بفضلك وفضل أحمد الذي أوصلني إلى هنا.. ليتكِ تَرينني يا أمي وأنا أقيم في غرفةٍ لي وحدي، لكي تقرّي عينًا وتنعمي بالًا. سامحيني؛ لم أستطع أن أبقى معكِ بعد خروجي من السجن، كان الخوفُ يقيم معنا، أتذكرين يا أمّي: كنّا نخاف حتى في بيتنا، ولم يكن من خيار أمامي سوى الخروج بما بقي من أمل.. حسنًا، كفاني فرحًا وحزنًا اليوم، عليّ أن أنامَ الآن لأستيقظَ نشيطًا إلى العمل، سأفتح النافذة قليلًا: يا لها من ليلة جميلة!! ما هذا النسيم العليل يا ربّ، رائحة البحر تجوب غرفتي!! كيف لم أرَ جمال الليل في هذي المدينة من قبلُ، كيف لم أشعر به؟! سأصعد إلى السطح علّي أروي ظمأ الروح.. ياه، أين كانت هذي الكواكب من قبلُ، ربّاه؟ ما أجمل النجوم لكأنها تلمع أول مرة!! كيف ترك الذي كان قبلي هذا المكان وسافر؟! نسيتُ أن أسأل أحمدَ عن السبب، ولا أظن أن هناك سببًا غير سوء الطالع.

ليالي هذه المدينة.. مثلُ عيون أمّي: سوداءُ واسعةٌ حزينة. صباحُ هذي المدينة مثلُ وجهِ ليلى: يملأ القلب سكينة.. لعلّي أكتبُ الليلة قصيدةً! منذ أن عطِبت كفّي عند عبّاس الحداد، ذلك الصيفَ المشؤوم، ما كتبتُ بيدي، ولكني من الآن سأكتب بالأخرى، سأتدرّب لا بدّ أن أفعل.. سيكون عندي وقت أقرأ وأكتب، وربما أكمل دراستي وأتخرّج، من يدري! لقد بعثتْ هذي الليلة في صدري كلّ أمل، ولكن قبل أي شيء آخر، عليّ أن أنزل وأنام، يا إلهي، إنها تدنو من الثالثة فجرًا، لا وقت لغير النوم، يجب أن أنام حالًا، سيأتي الأستاذ هاني، قال أحمد إنه سيكون هنا قبل التاسعة بقليل، لأبدأ أول يوم عمل، وعليّ أن أنام الآن، لا يمكن أن أكون خمولًا في أول يوم عمل، يا ربّ الكون، ساعدني كي أنام، سيأتي قبل التاسعة، ليعطيني مفاتيح المستودع، وعليّ أن أكون مستيقظًا في الثامنة، لا يحسُن بي أن يوقظني هو.. يا إلهي، يا لها من كارثة أن يوقظني هو، يا ربّ لا تسمحْ..

استلقى أسعد على السرير وألقى زنده الأيسر على جبينه، وجعل ينظر إلى السقف المنير: يا لك من صباح يا غدي! إيييه سيأتي الأستاذ هاني، ويلقي علي تحيّة الصباح: “صباح الخير يا أسعد”، وسأردُّ عليه: “صباح الورد أستاذ”. لا لا، هذا لا يليق بأول لقاء، فأنا لمّا أرَ الرجل بعد، ولا أعرف عنه غير اسمه. سأردّ عليه: “صباح النور”، وحسب. أجلْ (صباح النور، أستاذ) هي الأجمل والأحسن، سألفظها بنبرةٍ لا توحي بعجزي، سألفظها قوية ليعلم أني قويّ.. لا لن أفعل، قد تبدو مزعجة له، وهذا يومي الأول في العمل.. الأفضل أن ألفظها كما هي، كما يقولها الناس لبعضهم: “صباح النور” هكذا وحسب. حقًا إنه لصباح النور، وأيّ نور أسنى من نور وجه الأستاذ هاني. يا له من صباح: يقدّم لي المفاتيح، ويقول لي: تفضلْ، يا أسعد، هي هذي المفاتيح، اذهبْ وافتح المستودع للعمال، وسألحق بك.. وأقولُ له: “أمرك، أستاذ هاني”. وأنطلقُ توًّا إلى المستودع، فلا وقت لغير العمل.

نام أسعدُ وهو يفاضل بين الكلمات، وأشرقت الشمس، وارتفعت، وأسعدُ ما يزال نائمًا، يحلمُ بمرور الأستاذ هاني، وهو يلقي عليه تحيّة الصّباح: “صباح الخير يا أسعد”. توقفتْ سيارة سوداء فارهة أمام مدخل البناء، وأسعد نائمٌ يحلم.. أُلقي الزرد الحديدي على الأرض، ورُكنت السيارة في المركن، وترجّل منها رجلٌ أنيق، وأسعدُ في عالم الغيب.. فُتح باب الغرفة الخشبي، وصار الرجل الأنيق في الغرفة، وقف بين النافذة والسرير، وقد حجَبَ بجسمه الكثيف شيئًا من نورَ الصباح، وأخذ يطرق بنعله حذائه الأرض، ويبربر: “ها أنتَ يا ما اسمُك”. أحسّ أسعد على وقع الصوت، فتحَ عينيه بذهول، ونظر توًّا إلى الساعة في يده، ورفع نظره فرأى شخصًا يرتدي طقمًا أسودَ لامعًا تشرّب نورَ الصباح، ومن فوق الطقم هبط صوت خشن جاف:

– “أما زلتَ نائمًا يا هذا! ألم يخبرك صاحبُك أني آتٍ؟! إنها التاسعة إلا عشر دقائق، أتعلمُ ما يعني هذا؟! يعني أن سيّارة الرخام ستصل بعد عشر دقائق. اسمعْ، يا هذا، لا أحدَ يعملُ عند بهجت بيك، وينامُ حتى التاسعة، لا أحد.. ألم يخبرك ذاك الذي جلبَك؟! أنتَ هنا لتستقبلني لا لأوقظك، أفهمتَ أم أُعيد؟!..

– أأأأستاذ هاني! صصص

– نعم، أستاذ هاني، أرجو أن لا أكون قد أزعجتُك!! هيّا أرني قدّكَ الميَّاس.. ثمّ اسمعْ يا هذا، قد تكون هذه المرة عندك الأولى، ولكنّها عندي الأخيرة، نحن لا ندفع لك المال كي تنامَ، أتفهم؟؟ هيّاااا، انهضْ وافتح المستودع وانتظرني، هيّا..

وهوتْ حلقة المفاتيح الحادة على الشفاهَ الحائرة التي كانت تتهيّأ لتقولَ: “صباح النور”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق