سلايدرقضايا المجتمع

المعارضة السورية بين الداخل والخارج

قيل الكثير، منذ بداية الثورة السورية عام 2011، عن أنّ هناك معارضة داخلية ومعارضة خارجية، وبعد كل ما جرى، ما زال هناك كثيرون يتعاطون مع هذا التوصيف، ويؤكدون وجود فصل بين الداخل والخارج، عبر مستويات عديدة. وفي الوقت الذي يجتمع فيه جميع أطياف المعارضة تحت جناح (هيئة التفاوض السورية)، يرى آخرون غير ذلك.

يقول الباحث السوري نبيل ملحم: إن “المقولة التي قسمت المعارضة السورية، إلى معارضة خارج وداخل، هي من صنع النظام السوري، وكان يرمي من هذا التقسيم إلى شق صفوف المعارضة بشكل رئيسي”، وأضاف في حديث إلى (جيرون): “علينا أن نعترف بأن المعارضة السورية كانت منقسمة منذ زمن ما قبل الثورة، وتحديدًا منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما سبقه وأعقبه، في اختلاف الرهانات السياسية بين قسمين من النخب السياسية السورية المعارضة، لنجد أن قسمًا من النخب راهن في عملية التغيير على الخارج، بل يمكن القول إنه عدّ أن مركز ثقل قوة التغيير القادم موجودٌ في الخارج، وأقصد هنا الرهان على التدخل الخارجي العسكري الأميركي تحديدًا”.

وتابع: “لقد كثفت مقولة رياض الترك المشؤومة، حول الصفر الاستعماري، تبلور هذا الجناح داخل المعارضة السورية، وهو الأمر الذي وجدنا صداه وترجمته في سياسة المعارضة السورية، التي قادت الثورة (…) والتي تركت عملية تسليح وعسكرة وأسلمة الثورة بيد الأميركان الذين قاموا -من خلال شركائهم الإقليميين- بإنشاء غرفتي (الموك) و(الموم) الشهيرتين، حيث المحدد الأول والأخير، لنوع التسليح ونوع اليد التي تمسك البندقية، هم الأميركيون وشركاؤهم الإقليميون، بالتعاون مع شركائهم داخل المعارضة السورية”، لكنه عقّب: “في الجهة المقابلة لهذا الجناح من المعارضة، كان هناك اتجاه معارض يرى، على عكس الجناح الأول، أن مركز ثقل التغيير الديمقراطي القادم ينبغي أن يرتكز على قوة الداخل الشعبي”.

ورأى ملحم أن “النخب المعارضة التي أصبحت تمثل الآن المعارضة في بعض الهيئات، كهيئة التفاوض وغيرها، لا تعدو أن تكون حطامًا أو بقايا حطام، هذا الجناح أو ذاك ممن اختاروا الارتزاق المالي والسياسي، من خلال وجودهم في هذه المواقع والهيئات”.

بدوره، يقول الكاتب السوري المعارض عقاب يحيى، خلال حديثه إلى (جيرون): “قبل الثورة وبعدها، كتبتُ عن واقع المعارضة وأزمتها، وقد عشت فيها جلّ عمري، وكنت في الداخل ثم اضطررت إلى الخروج، وباستمرار كانت نغمة (داخل وخارج) موجودة”، وأضاف: “هناك شعور لدى العديد في الداخل بأنهم الأصل والأساس، وأن الخارج يظلّ هامشيًا، ناهيك عن التوصيفات والاتهامات بعلاقات مع قوى خارجية”.

ويرى يحيى أن “الحقيقة الأكبر هي أنه لا الداخل ولا الخارج، كان له دوره الفاعل في قيام الثورة، ومعظمنا تفاجأ بها، والبعض تأخر في إعلان تأييده، ثم انخراطه فيها، والثورة شبابية بأساسها فجّرها جيل جديد، أو أجيال لا علاقة لها بالأحزاب القائمة، وكثير منهم كان ينظر باستخفاف إلى حجم ودور المعارضة بكل أطيافها، ومحاولة ركوبها الثورة.”

وتابع: “طوال سنوات، كانت الفجوة كبيرة بين من يعتبرون أنفسهم قوى الداخل، ومن عمل في الأطر الخارجية، ووصلت الاتهامات إلى مستوى خطير، خاصة باتهام من في الداخل بالعلاقة مع النظام الذي يسمح لهم بالسفر والمشاركة في المفاوضات، ثم خفّت حدّة الخلافات عبر عدد من الحوارات، ومن خلال تطور وتعقيد أوضاع الثورة”، مشيرًا إلى أنه “التقينا مرات ومرات مع المنتمين إلى (هيئة التنسيق)، وكان مؤتمرا الرياض 1 و2 مناسبةً لمزيد من التقارب، والمشاركة، وتجسير التباينات في المواقف السياسية”.

وأضاف: “اليوم، مع الانسداد السياسي للحالة السورية، وتدويل القضية السورية، تبدو الخلافات جزئية حيث الجميع خارج المعادلة”. وختم بالقول: “اعتقادي أن أطروحة (داخل وخارج) قد عرفت انزياحات كبيرة، ولم تعد مطروحة بالحدّة السابقة، والجميع اليوم مطالب بمزيد من التعاون والعمل المشترك، والالتفاف حول المشتركات التي كرّسها بيانا رياض 1 و2 “.

أما الكاتب السوري محمود الوهب، فقال لـ (جيرون): ما دام هناك شعب سوري متوزع، في الداخل والخارج، فمن المؤكد أن يكون هناك معارضتان أو أكثر. ويصعب أن تعطي لكل واحدة منها سمات محددة تختلف عن الأخرى. أعني أن تكون الواحدة أكثر جذرية من الأخرى مثلًا”، مضيفًا أنه “يمكن أن تكون معارضة الخارج أكثر قدرة على الحركة والتعبير ممن هم في الداخل، بحسب الوضع السوري، ولكن يمكن من جهة أخرى أن تكون مقيّدة بمكان إقامتها، إن لم أقل مرتهنة لهذه الدولة أو تلك. أما أن يكيل المعارضون أحيانًا بعضهم للآخر، فهذا يأتي في إطار الصراعات ضمن الصف الواحد”.

ويرى الوهب أن “حال المعارضتين صعب، ولا يحسدان عليه. وبخاصة أن المسألة السورية اليوم كلها ليست تمامًا بيد المعارضة، كما أنها ليست بيد النظام”، وتابع: “أرى أنَّ على المعارضة التي تعد نفسها الأصل والأساس، والحريصة فعلًا على سورية والسوريين، أن تضع لها هدفًا رئيسًا يجتمع حوله الجميع، وليكن مثلًا: إقامة نظام وطني ديمقراطي يفسح المجال لتداول السلطة، ويفصل بين السلطات الثلاث، ويسمح بتشكيل أحزاب سياسية، وفق دستور واضح يراعي حقوق المواطنة والمواطنين كافة، ولا يسمح بسيادة الفرد أو عبادته (كما يقال في التعابير الماركسية) مهما علت وظيفته، ولا بسيادة فئة أو شريحة على أخرى، مهما كانت صفتها وميزاتها”.

في السياق أيضًا، يقول الأكاديمي السوري محيي الدين بنانا، وزير التربية والتعليم السابق في الحكومة السورية المؤقتة: “عندما كان الثوار الحقيقيون محررين أكثر من ستين بالمئة من الأراضي السورية، وكان إخوتهم في الخارج يقدّمون لهم العون بكافة أشكاله المادي والمعنوي والإعلامي، في تلك المرحلة كان هناك داخل يعمل بكل إخلاص للقضاء على النظام الفاسد، وخارج يقدم لهم ما يستطيع لدعم الثورة، إضافة إلى ذلك كان المهاجرون السوريون قليلين جدًا. أما الآن وقد أصبح السوريون المهجرون في دول العالم أكثر من أربعين بالمئة من سكان سورية، فهل نستطيع أن نسميهم الخارج”.

ثم نبّه بنانا إلى أنه “لا بد في هذه المرحلة من اعتبار أن الداخل والخارج قد تمّ الدمج بينهما، ومشاكلهم، إلى حد ما، أصبحت متقاربة من كل النواحي المعيشية والاجتماعية والتعليمية. وأرى أنه يجب تضافر الجهود وتوحد العمل من أجل إرجاع القرار السوري للسوريين، وتوحيد كلمتهم باتجاه تحرير سورية من الاستبداد الأسدي، والاحتلالات المركبة كلها، ونسيان داخل وخارج”.

من جهته، قال الكاتب السوري المعارض زكريا السقال: “حتى عام 2000، كانت ما تُدعى (المعارضة التقدمية الديمقراطية) في السجون، إلا القليل منهم الذين هربوا، وكنا منهم، ونحمل الكثير من أمراض الأيديولوجيا، لكننا حملنا أمانة، وعلينا أن نؤطر صراع فضح الدكتاتورية والدفاع عن رفاقنا، وشكلنا لجنة التنسيق للمعارضة الداخلية، وتظاهرنا، وأصدرنا بيانات، وفي عام 2000 خرج المعتقلون نتيجة موت الطاغية والتوريث، وبرزت في الداخل لجان المجتمع المدني، وتفجرت حركة المنتديات، وكان لدينا موقف واضح وثابت، بعدم طرق أبواب السفارات، فلا تفويض وطنيًا ولا شعبيًا به، وللمرة الأولى تتوافق المعارضة على إعلان دمشق، وعندما صدرت الوثيقة، أكّدنا -ردًا على وثيقة الإخوان التي أعلنت تأييدهم لصناديق الاقتراع- أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع، الصناديق إحدى وسائل الديمقراطية، وبدأت القوى تحضر نفسها لعقد المجلس الوطني، ورفض رياض الترك، وأكّد أن إعلان دمشق سيكون أوسع”.

وأضاف السقال: “عُقد المجلس، وبرزت التناقضات واختلف الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل، وعقد في برلين اجتماع لإعلان دمشق، واكتشفنا أن أحزاب الخارج تتمثل، وأصرّ الإخوة الأكراد على أن تتمثل مجمل أحزابهم بلجنة ألمانيا، وكانوا سبعة، وأكّدنا عدم جواز ذلك تنظيميًا، وعلى الرغم من أنهم ممثلون في الإعلان بشخصيتين، منحناهم ثلاثة، ولكنهم رفضوا، يومها أيّد عبد الحفيظ حافظ رأينا، إلا أن العقل المستبد رفض، وقال لا لجنة للإعلان بألمانيا، واعملوا كتجمع، وازدادت التجاوزات، وانضم الإخوان إلى عبد الحليم خدام، وأسسوا جبهة الخلاص، وصرحوا بأن الجبهة جبهة في الخارج، وإعلان دمشق جبهة في الداخل، بمعنى حالة من البراغماتية وصبيانية، واكتشفنا أننا أمام عقل مستبد، على مجمل القوى طاعته، فتركنا إعلان دمشق، وما أريد قوله إن العقل المريض ما زال، فلا خارج ولا داخل، الكل خارج عن المنطق والوعي، وداخل في سبات ومرض قاتل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق