سلايدرقضايا المجتمع

سورية “الفردوس المفقود”

خلافًا لما يصوّره إعلام النظام السوري من صورة مشرقة جميلة لـ “سوريا الأسد” المنتصرة على الإرهاب، فإن السوريين في الداخل ربما يعيشون أسوأ مرحلة تاريخية مرّت على سورية، حيث الخوف والفقر والمرض والعوز والقهر عناوين رئيسة لحياة المواطن اليومية.

وبعيدًا من السياسة وآلامها، وادعاءات النظام بالانتصار على الإرهاب العالمي، من خلال تهجير نصف السوريين، والتسبب في قتل قرابة مليون شخص، بين موالين ومعارضين، وتدمير نصف سورية، فضلًا عن تدمير البنية التحتية للاقتصاد السوري، وتهجير أصحاب الكفاءات والخبرة في كل المجالات، بعيدًا من كل ذلك، فإن العيش شهرًا واحدًا في سورية يعطيك صورة عن المستقبل “المشرق” الذي ينتظره السوريون، في ظل سلطة الأسد “الحكيمة”.

تعاني سورية أزمة خانقة في المشتقات النفطية، وخصوصًا المازوت والبنزين، فالشوارع شبه خالية من الآليات، وأصحاب السيارات يحجزون دورًا قبل يوم ويومين للحصول على 20 ليترًا كل خمسة أيام، وتتحول كل محطة، في أثناء عملية التوزيع التي تقتصر على ساعتين في اليوم، إلى ثكنة عسكرية، بكل ما تعنيه الكلمة، فقوات “حفظ النظام” تتوزع على المحطات لتسهيل عملية التوزيع وحفظ الدور وتنظيمه، وفي مشهد مأسوي، خلافًا لما يبثه إعلام النظام من حفلات رقص وغناء، تظهر الشتائم وألفاظ (الكفر) وتجاوزات (الشبيحة) للدور، على الرغم من وجود قوات “حفظ النظام”. ذلك هو المشهد العام لكل محطات الوقود، ومما يزيد الطين بلة أن البنزين غالبًا ينتهي قبل أن يصل المنتظر إلى دوره، لينتظر دورًا جديدًا.

وصل سعر ليتر المازوت، في السوق السوداء إلى 600 ليرة سورية، مع أنه غير متوفر في كل حين، وهو رقم مرعب للسوريين في الداخل، كما سبق هذه الأزمة، أزمة الغاز المنزلي، حيث لم يعرف السوريون طعم الدفء في شتاء تميز هذا العام بالقسوة والطول. وعلى الرغم من مرور أكثر من عامين على سيطرة النظام على حلب الشرقية والغوطة في ريف دمشق لاحقًا، فإن الحياة الطبيعية شبه معدومة فيهما، فهما بقايا أطلال ومدن أشباح، حيث لا تتوفر أدنى مقومات الحياة العصرية: الكهرباء والصحة والتعليم.

ويذكر هنا عجز النظام عن ترميم المدارس المتضررة من قصف طيرانه، فكيف حال المدارس التي دمّرها، حيث إن أكثر من 90 بالمئة من المدارس التي أعيد تأهيلها وترميمها تمّ عبر الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، والنظام يقف عاجزًا مشلولًا، بل يقف عاجزًا مشلولًا عن إطعام جيشه الذي يُطعم من معونات الأمم المتحدة التي من المفترض أن تقدّم للشعب المنكوب، كما يترك للميليشيات تأمين مواردها، عبر عمليات التعفيش والحواجز والتهريب والممنوعات.

ويكشف ما سبق أيضًا عن عجز النظام عن إدارة سورية ذات الـ 10 مليون نسمة، فكيف إذا عاد بقية السوريين؟ وليس أدلّ على ذلك الفشل من واقع مدينة حلب ذات الثقل الاقتصادي، فهذه المدينة الكبيرة لا تمتلك محطة توليد كهرباء واحدة، وتستجر الكهرباء من ريف مدينة حماة، ولا نيّة -حتى اليوم- لدى السلطات ببناء محطة تماثل المحطة الحرارية المدمَرة.

ويتخوف السوريون من الأسباب الحقيقية لشح المحروقات وأزماتهم التي لا تتوقف، فكل سبب يخفي أوجاعًا وآلامًا، فالسبب الأول يعود -وفق رواية النظام- إلى الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة، في حين أن تخوّف السوريين نابع من تجاربهم السابقة، فالنظام لا تسقطه عقوبات اقتصادية، وإن أكل الشعب التراب.

والسبب الثاني -وفق معارضين- يعود إلى عدم امتلاك عملة صعبة تمكنه من استيراد النفط الخام، إذ تقع معظم الآبار تحت سلطة ميليشيا “قوات الحماية الكردية” المدعومة من أميركا، وإن كان هذا السبب الحقيقي لأزمة الوقود الخانقة؛ فإنه قادر، خلافًا لكل العقوبات الاقتصادية التي لم تُسقط النظام، على إسقاطه وإحداث تصدع كبير بين مواليه، لأن السقوط سيكون مثل أحجار الدومينو، فعجلة الاقتصاد السوري توقفت بفعل الحرب، وبفضل الفساد ومافيات الحرب ومحدثي النعمة من تجار الحروب والأزمات، فما زالت سورية بيئة طاردة للاستثمار، بفضل ما ذكرنا.

كما أن الحملة الأخيرة ضد التهريب تعطي صورة واضحة للإصلاحات المنشودة وخطوات الدعم المقدمة لإعادة الحياة لعجلة الاقتصاد، فقد أثارت الحملة مزيدًا من السخط والنقمة، لأنها لم تشمل الفاسدين والمهربين الحقيقيين أولًا، وأدت إلى إفلاس كثير من التجار وأصحاب رؤوس الأموال ثانيًا، كما استمر التهريب عبر حواجز “الفرقة الرابعة” بعيدًا عمّا يسمى خزينة الدولة ثالثًا، ورابعًا، وهو الأهم؛ غياب البنية التحتية لبناء الاقتصاد، فلا صناعة دون كهرباء وطرق ومواد أولية وأسواق للتصدير وشفافية وعدالة في القوانين.

أما السبب الثالث، فيرجعه كثير من المراقبين إلى مخططٍ يتم صوغه بين الدول المؤثرة والفاعلة في المشهد السوري، فبشار الأسد ليس سوى واجهة، ستسقط بمجرد توافق هذه القوى على مصالحها. وريثما يتم ذلك، سيبقى الإعلام السوري يعزف على وتر المقاومة والممانعة والتصدي، ويتحدث عن انتصارات دونكيشوتيّة على الإرهاب، ويَعِد السوريين بفردوس لن يأتي، بينما يعيشون جحيمًا لا يطاق، كما يفعل الشيطان الذي يلبس على أتباعه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق