مقالات الرأي

الحياة حين تتحول إلى كذبة

في سورية، التي حرمها نظام الاستبداد من فكرة وحلم التغيير السياسي، فقدت بعض الكلمات معانيها المعروفة والمتداولة، وأكسبها التكرار المستمر واستعمالها المخاتل معاني أخرى، نقيضة لمعانيها الحقيقية، أو أن المعاني قد تشوَّهت، لدرجة أننا لم نعد نتعرّف إليها في جوقة الكلمات والمصطلحات المستخدمة في الإعلام الدعائي.

تُصنع الكذبة من الجمل الملتبسة والمنمّقة، ليسهل استيعابها من قبل جمهور ما يزال يبحث عن منقذٍ في السماء أو الأرض، وهذا ما يؤخّر اكتشافها، فلا نشعر بها إلا بعد فوات الأوان. في مرحلة لاحقة، تتجمع الجمل لتشكّل خطاب الكذبة المكتمل، كأداة ناجزة تعيد صياغة المفاهيم، على رأسها الوطن والدولة والشعب والسيادة، فيبدو كل شيء على ما يرام، لكن خارج الواقع المعاش الذي يئنّ تحت سطوة ضجيج الشعارات والظلم والقمع.

تشويه المعاني وتزييفها من مستلزمات النهج الشمولي للسلطة، بهدف السيطرة على المجتمع وقسر الواقع على التكيُّف مع مصالحها واحتياجاتها، تُستخدم في هذا المسعى جوقةٌ من مسوقي خطاب الكذبة الصرفة، أو عبر خلطها بالحقائق، فيصعب على الكثيرين التمييز. بمرور الزمن، وتكرار الشعارات الخالية من المضمون والمنفصمة عن الواقع، تتعمم الكذبة لتُغرق الحياة ذاتها.

ترتبط صياغة الكذبة بالأيديولوجيا، مطلق أيديولوجيا، وكلما شاخت الأيديولوجيا وفقدت نضارتها؛ احتاجت إلى الكذبة للتعويض عمّا تفقده من قيمٍ ووعود ومُثُل ترافق حقبة صعودها، ولا يبقى منها، في نهاية المطاف، سوى مشاجبَ يعلّق عليها المستبدون راياتهم، وحجج ليبرروا قمع معارضيهم.

والأيديولوجيات متضامنة فيما بينها، بخاصة عندما تواجه ما يهددها، ويمكن لإحداها أن تستعين بأخواتها، أو تستعير من الأيديولوجيات المحتضرة الأخرى ما يلائمها من مقولاتٍ لا تختلف عن مقولاتها في الجوهر، شرط أن تتمكّن من استيعابها والسيطرة عليها بأقل التكاليف. هكذا، حين شاخت أيديولوجيا البعث القومية وتهتّكت، لجأت إلى جوقة العقائد المنتظرة في ردهات التاريخ؛ من بقايا الشيوعية الصديقة، والقومية الشقيقة، والقومية السورية العنيدة، والدينية المحابية للحكام، لتستعين بها أو تأسرها على مراحل، من باب الاحتياط، أو من باب الحاجة إلى تكبيل الواقع بالنواهي والمواعظ والكوابيس “الفكرية” المتوفرة في هذه الأيديولوجيات/ العقائد، فتعمل معًا على إفقار الحياة وتصنيمها، فلا تُترك مساحة حرة فيها إلا يتم إشغالها.

لا أيديولوجيا بلا جمهور يصفق للسلطة التي تتبناها أو تتغطّى بها، جمهور مغيّب أو خائف، فكيف إذا كانت أجيال عدة قد ولدت وترعرعت في كنف الكذبة؟ يضاف إلى ذلك، في الحالة السورية، تلك التشكيلة السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية الفريدة، كبنية هجينة ومكثّفة ومتداخلة، تجمع قوة الثروة بسطوة السلطة، في وحدةٍ تبدو عصيةً على التحليل والتفكيك.

وتُعالج الأزمات بسلاح الكذبة أيضًا، فيلجأ الإعلام الدعائي، الذي تحركه أيدي السلطة الخفية، إلى سحب سلاح المؤامرة من الأدراج، كلما واجهت النظام المستبد مشكلةٌ ما. والأزمة، من وجهة نظر السلطة الشمولية، مجرّد حدث عابر لا يجب أن يخلّ بفكرة أبدية السلطة المباركة بالعمائم والسياط، والتي تتساوى فيها ثورة شعب من أجل الحرية، بافتقاد سلعةٍ ما من الأسواق.

لكل كذبةٍ نهاية، لكنها تأتي بطريقة مخاتلة هذه المرة، كمحصلة لتأثير العديد من العوامل والظروف التي جعلت الأجنبي هو المقرّر الأساس للسياسات والقادر على فرض شروطه، بما في ذلك الاستحواذ على ما تبقى من المؤسسات الاستراتيجية للدولة ليقوم بتشغيلها لمصلحته. ومن سخرية القدر أن الحظ يحالف الروس، مرةً ثانية، في الحصول على مؤسسات فاسدة، فقد اشترت مافياتهم مؤسسات الاتحاد السوفيتي السابق في التسعينات بأبخس الأثمان، وها هي شركاتهم الآن تستثمر في مؤسساتنا الفاشلة بشروطها، شروط الشريك القوي، حتى إننا نسمع من الروس عن الصفقات والعقود من دون توضيحات من شريك العقد المفترض، سواء بالنسبة إلى ما يُقال عن تأجير مرفأ طرطوس أو ما سبقه من مؤسسات، كمعمل الأسمدة في حمص.

وفي المقلب الآخر، “يهدي” الرئيس الأميركي الجولانَ لـ “إسرائيل” وينفض يده، وكأن شيئًا لم يكن، فيما تحاول إيران الحصول على المزيد من الامتيازات قبل فوات الأوان، وسط منافسةٍ صعبة مع الروس، وتتشبّث تركيا بالمناطق السورية التي سيطرت عليها، ولا تريد مغادرتها إلا لتطالب بأخرى. السوريون وحدهم الغائبون عن الصفقات التي يعقدها الآخرون على حساب أرضهم وكرامتهم، وسورية هي “الرجل المريض” في بداية هذا القرن، عسى أن ينهض من جديد، كما فعل “الرجل المريض” التركي في بداية القرن الماضي.

كنّا نحلم، خلال سنوات المقتلة، بأن يحصل توافق دولي في الأمم المتحدة على إيجاد حل سياسي ما، لا أن تتقاسم الدول بلدنا، فيما نختلف فقط على من “يتزوّج أمّنا لنناديه عمّنا”. وإن لم تحدث “عجيبة” ما، فجلّ ما يمكن أن نحصل عليه في المدى المنظور هو تحسين شروط احتلالنا والحصول على الفتات من مواردنا، بعد أن عاث فيها الهدر والفساد، ومن تنطبق عليهم مقولة “حاميها حراميها”.

إنها نتائج الكذبة القاتلة، ولا بد من خلع الركائز التي قامت عليها، إن أردنا بناء سورية مختلفة ونقيضة كليًا لتلك التي عرفناها، سورية حرة وديمقراطية وتتعامل مع العالم من باب الندية والمصلحة، والأهم هو خلوّها من الأيديولوجيات القاتلة وأكاذيبها. صحيح أن هذا الهدف يدخل في باب الأحلام في هذه الأيام العصيبة، لكنه الحلم الذي يمكن أن يتحقق بتوفر المشروع الوطني وحامله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق