مقالات الرأي

الجولان بين مطرقة الأسد وسندان الاحتلال

في عام 1983، دعاني بعض الأصدقاء الجولانيين (النازحين كما سمّاهم نظام الأسد) إلى القيام برحلة إلى البلدات الحدودية مع الجولان المحتل، في يوم الاستقلال، حيث كانت مخابرات النظام السوري تسمح للسوريين بزيارة القنيطرة والبلدات الحدودية في هذا اليوم فقط، للاحتفال بالجلاء، أمّا في الأيام الأخرى فقد كان الأمر يحتاج إلى موافقتها المسبقة.

أنا الطالب القادم من الريف الشرقي لمدينة حماة، أشاهد الجولان بالعين المجردة أول مرة عوضًا من صور الخرائط الجغرافية المدرسية والمناسبات الوطنية على التلفزيون السوري الرسمي، شاهدتُ الصور الفارقة بين الأجزاء الباقية تحت سيطرة قوات نظام الأسد، وبين الجولان الذي تحتله “إسرائيل”، حيث المشاريع السياحية والزراعية والصناعية الإسرائيلية، وكلّ شيء فيها يبدو طبيعيًا ويدل على الحياة، بينما كانت الأراضي الجولانية من الجانب السوري خاليةً من سكانها، وتظهر فيها معالم طرق رديئة وقديمة جدًا تعود إلى الستينيات، كل شيء يدل على الموت والخراب، وذرائع نظام الأسد لهذا الواقع المأسوي للبلدات الحدودية مع الجولان المحتل هي أنه في حالة “حرب مع إسرائيل”، وبالتالي تدلّ الحياة الطبيعية التي تبدو في الجولان المحتل على أن “إسرائيل” ليست بحال حرب مع سورية.

أحد الأصدقاء الجولانيين، الذي تطوع ليكون الدليل السياحي لنا، كان يعرّفنا إلى أجزاء الجولان جيدًا، وكأنه ما زال يعيش فيها، يحدد البلدات بأسمائها المتعارف عليها بين الجولانيين، لا بأسماء النظام المزورة، ويعرّفنا بالطرقات وأصحاب الأراضي والمزارع وانتماءاتهم العائلية والعشائرية.. إلخ. كان يتحدث إلينا بلغة المنتمي والمحب لهذه الأرض، وعيناه تحبسان دموع الخائف من ثقافة ذكورية تقليدية تعيب على الرجال ذرف الدموع، وكان ينهي حديثه دائمًا بشتم الأسد الأب، الذي سلّم الجولان إلى “إسرائيل” من دون معركة عسكرية حقيقية، حيث كان وزيرًا للدفاع آنذاك عام 1967 وأمر سكانها الجولانيين بالنزوح إلى دمشق “خوفًا على سلامتهم”، كما ادّعى، ووعدهم بأن “التحرير قادم خلال أيام فقط”.

كثير من السوريين يعرفون ويتذكرون مسألة إحالة الأسد الأب إلى المحاكمة، بتهمة تسليم الجولان، وفصله من صفوف تنظيم حزب البعث، وكيف استبق تنفيذ المحاكمة بالخيانة العظمى، ونفّذ انقلابه العسكري عام 1970.

حاول الأسد الأب طمس جريمته الوطنية بحق الجولان، من خلال حرب السادس من تشرين 1973 التي كان هدفها الإعلامي استرجاع الجولان المحتل، أما هدفها الحقيقي فكان صبغ نظامه الانقلابي باللون الوطني، والتشويش على ذاكرة السوريين، بتسليمه الجولان إلى “إسرائيل” في حرب حزيران/ يونيو 1967 والتخلص من بقايا الضباط السوريين الوطنيين، بزجهم في الخطوط الأمامية للجبهة، وقد كانت نهاية الحرب احتلالَ مزيد من قرى الجولان، بل أصبح الطريق إلى دمشق مفتوحًا أمام الجيش الإسرائيلي، حيث أشار صديقنا الجولاني إلى الطريق الترابي الذي استحدثته الدبابات الإسرائيلية باتجاه ريف دمشق، وكانت ستسلكه؛ لولا تصدي الجيش العراقي له، كما أخبرنا.

انتهت حرب تشرين بمعاهدة فصل القوات بين سورية و”إسرائيل”، التي تضمنت عدم قيام أي حرب أخرى من قبل النظام السوري، ما دام الأسد على رأس النظام، وهو ما كان يمارسه على أرض الواقع حتى الآن.

فعل هذا النظام كل ما يمنع السوريين الجولانيين من القيام بأي شيء من أجل تحرير أرضهم، من إخلاء بلداتهم والنزوح إلى دمشق وريفها، والسكن في عشوائيات سكنية حتى الآن، وعدّ أن مهمة التحرير تقع على عاتق الجيش العربي السوري، وهو من يختار زمان ومكان المعركة، حتى أصبحت مقولته الإعلامية الشهيرة محطَّ استهزاء وسخرية المواطنين السوريين والعرب، حتى جاء قرار الكنيست الإسرائيلي، في كانون الأول/ ديسمبر 1981 بالإعلان عن ضمّ الجولان إلى “إسرائيل”، الأمر الذي رفضه مجلس الأمن الدولي في القرار 497 الذي أكد هوية الجولان السورية. وكانت ردة فعل الأسد أنه لن ينجرّ إلى حربٍ إلا إذا كان هو من يحدد زمانها ومكانها، واجترار فلسفة التوازن الاستراتيجي إعلاميًا.

في عام 2011، انطلقت الثورة السورية، وكان لا بدّ للأسد الابن من تذكير “إسرائيل” بمعاهدة عدم القيام بأي حرب من الأراضي السورية، ما دام الأسد على رأس النظام؛ فكان تصريح رامي مخلوف الشهير: “أمنُ إسرائيل من أمن سورية”، ولتجسيد هذه المقولة الاستراتيجية على أرض الواقع؛ سمح النظام للمئات من الشباب الفلسطيني والسوري بعبور الحدود باتجاه الجولان المحتل، وتبيّن عدم وجود أي ألغام على الشريط الحدودي، كما هي الحال بين أي دولتين في حالة حرب. وكان الهدف تذكير “إسرائيل” بأن سقوط النظام الأسدي ربّما يفتح جبهة الجولان للمقاومة الشعبية.

كان للشباب الجولانين دورٌ كبير في التظاهرات المناهضة لهذا النظام، لشعورهم باستبداده وفساده، كما هي حال السوريين الآخرين، ولمعرفتهم بدوره الرئيس في نزوحهم من بلداتهم ومزارعهم، وإقامتهم في عشوائيات سكنية محيطة بدمشق.

مرة ثانية، يعاود هذا النظام تهجيرهم، من عشوائيات قضوا عقودًا في بنائها، وكانت وجهتهم هذه المرة الحدود الجولانية، وبإحساسهم الوطني العفوي، وخبرتهم أن هذا النظام لا يتجرأ على قصف الحدود خوفًا من وصول قذيفة إلى الأراضي المحتلة، وبالتالي خرق معاهدته مع “إسرائيل”، وقد تحدث بعضهم بمرارة كيف كان النظام الأسدي يقصفهم بكافة الأسلحة، بينما كان الإسرائيليون يسعفونهم على الحدود في مستشفيات ميدانية أشيدت خصيصًا لهم، بناء على اتفاقيات دولية.

في 16 – 21 نيسان/ أبريل 2013، بينما كان النظام يحتفل بعيد الجلاء، ويعِد إعلامه بتحرير الجولان، كانت قواته العسكرية تحاصر “جدَيدة الفضل”، ذات الأغلبية السكانية من الجولان، وترتكب مجزرة مروعة بحق المئات من الجولانيين، وقد قارن أحد كبار السن أثناء دفن الضحايا بين الجيش الإسرائيلي عندما دخل إلى بلدته في القنيطرة، وبين دخول الجيش الأسدي إلى جديدة الفضل، قارن بمرارة وكأن الصور ماثلة أمامه، كيف بلّغ الضابط الإسرائيلي سكان بلدته أن جميع المدنيين بأمان وخاصة النساء والأطفال، وبين الميليشيات الأسدية التي لم تشفع حتى للأطفال والنساء وكبار السن.

جاء قرار الرئيس الأميركي ترامب في 25 آذار/ مارس 2019 بالاعتراف بـ “سيادة إسرائيل” على الجولان، وهو قرار باطل قانونيًا وغير أخلاقي، ولكن “إسرائيل” -بهذا القرار- انتقلت من فكرة التسوية الإقليمية التي يمكن من خلالها أن تتخلى عن بعض الأراضي في الجولان، كما حصل في (وديعة رابين) في بداية التسعينيات، التي تضمنت الانسحاب من بعض أراضي الجولان، إلى ضمها كاملة دون تقديم أي تنازل في المستقبل.

هكذا عزّز النظام، بممارساته الوحشية ضد السوريين، وخاصة في سنوات الثورة الثمانية الأخيرة، وجود إدراكات وطنية انتمائية مشوشة ومضطربة، حول من هو الصديق ومن هو العدو، حيث لم تعد “إسرائيل” -مع الأسف- لدى العديد من السوريين العدوَّ الرئيس، خاصة في حال المقارنة بينها وبين ممارسات هذا النظام الوحشية الذي لم يترك سلاحًا إلا استخدمه ضد السوريين، بل إن بعض الإحصاءات تقول إن النظام الأسدي قتل من الفلسطينيين أكثر مما قتلت “إسرائيل” في كل حروبها في فلسطين، فكيف بعدد القتلى من السوريين، الذين يقدرون بنحو مليون سوري، فضلًا عن تهجير الملايين خارج وطنهم.

من المفارقات التي يتحدث بها السوريون أن هناك محتلًا واحدًا للجولان في عهد الأسد الأب هو “إسرائيل”، أما في عهد الأسد الابن فقد أصبحت سورية كلها تحت احتلالات متعددة (روسية، إيرانية، أميركية، وميليشيات طائفية)، حيث لم يعد للنظام الأسدي دور سيادي، بل أصبح مقيدًا بتفاهمات دولية وإقليمية لا كلمة له فيها، من التفاهمات الروسية الإسرائيلية إلى التفاهمات الروسية التركية والإيرانية التركية.. إلخ. فالقرار الوحيد المسموح له هو اعتقال وقتل السوريين وحسب.

أخيرًا، بعد كل هذا التشظي الوطني الانتمائي عند معظم السوريين؛ لا بدّ من التأكيد أن الجولان قضية وطنية خاصة بالسوريين بامتياز، ولا يمكن للأسد والاحتلال الإسرائيلي أو وثائق ترامب أن يسقطها من الوجدان الوطني السوري، وستعود الجولان إلى سورية، بسقوط الأسد، ودحر الاحتلالات التي استقدمها إلى سورية ليستقوي فيها في حربه على الشعب السوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق